في زاوية هادئة من المشهد الثقافي، بعيدا عن صخب المنصات وأضواء التكريم، يقف رجل قضى عمره وهو ينقب في ذاكرة الناس، يرمم ما تهدم من الحكايات، ويمنح الصوت لمن لا صوت لهم… ثم يجد نفسه خارج دائرة الاعتراف. ليس هذا مشهدا من فيلم درامي، بل هو واقع الإعلامي الأمازيغي محمد ولكاش؛ اسم يعرفه الجميع… ولا يتحدث عنه أحد.
وُلد محمد ولكاش سنة 1954 بمنطقة أزرو، نواحي أيت ملول، في زمنٍ كانت فيه الأمازيغية تمارس كهوية يومية أكثر مما تعترف بها كلغة إعلام وثقافة. منذ البدايات، لم يكن الرجل يبحث عن موقع داخل الضوء، بل عن موقعٍ داخل الذاكرة. سنة 1971، بدأ مراسلا لجريدة “الأنباء”، شابا يحمل أسئلة الناس قبل أوراقه، وينقل نبضهم قبل الأخبار. هناك، تشكلت أولى ملامح مسار سيجمع لاحقا بين الصحافة، الإذاعة، البحث الثقافي، والعمل الرياضي.
محطته الأبرز كانت سنة 1988، حين التحق بالإذاعة الجهوية لأكادير… لا كموظف عابر، بل كصوت سيصبح مألوفا، بل حميميا لدى المستمعين. عبر الأثير، لم يكن يقدم برامج فحسب، بل كان يبني جسورا غير مرئية بين الإنسان وهويته. برامج أمازيغية متعددة، تلامس التراث والثقافة والرياضة، لكنها قبل كل شيء تعيد الاعتبار للغة كانت تدفع نحو الهامش. كان حريصا على أن يكون صوته قريبا من الناس، بسيطا، صادقا، ومحملا بإيمان عميق: أن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة.
وبين الميكروفون والذاكرة، كان هناك مشروع آخر يتشكل. سنة 1991، يؤسس مجلة “أضواء الجنوب”، حلما تحول إلى منبر. ثلاثة وثلاثون عددا لم تكن مجرد صفحات، بل مساحات مقاومة ناعمة، ناقشت قضايا الثقافة، الرياضة، والتنمية الجهوية. في زمن لم يكن فيه الإعلام الجهوي يحظى بالاهتمام الكافي، اختار ولكاش أن يكتب من الداخل، من عمق سوس، وأن يمنح الكلمة لمن لا منبر له.
غير أن سيرة هذا الرجل لا تقرأ فقط بالحبر، بل أيضا بالعرق… عرق الملاعب. منذ سنة 1978، ساهم في تأسيس جمعية مستقبل أزرو، واضعا بذلك نواة مشروع رياضي هدفه احتضان شباب المنطقة. لم يكن ذلك حدثا عابرا، بل بداية مسار رياضي موازٍ، سيتعزز بانخراطه في عصبة سوس لكرة القدم سنة 1991، حيث تقلد مهام ريادية: أول رئيس للجنة الجهوية لكرة القدم داخل القاعة، وأول رئيس للجنة الجهوية لكرة القدم النسوية، وأول رئيس للجنة الجهوية لكرة القدم الشاطئية. مواقع لم تكن مجرد مناصب، بل مسؤوليات مارسها بإيمان بأن الرياضة رافعة للتنمية، لا مجرد منافسة.
وفي لحظةٍ بدت أقرب إلى المغامرة اللغوية، كسر ولكاش حاجزا غير مرئي: أصبح أول وصيف رياضي باللغة الأمازيغية، داخل المغرب وخارجه. تجربة لم تكن سهلة، لكنها كانت حاسمة؛ أثبتت أن الأمازيغية قادرة على أن تكون لغة تحليل وتعليق، لغة حية تواكب تفاصيل المباراة كما تواكب تفاصيل الحياة. لم يكن يعلق فقط، بل كان يشرعن حضور لغة في فضاء ظل طويلا حكرا على غيرها.
لكن الوجه الأكثر عمقا في تجربة محمد ولكاش يظل ذلك المرتبط بالتوثيق… بمقاومة النسيان. في كتابه “تيرويسا”، في ثلاثة أجزاء، لا يكتب الرجل عن فن الروايس فقط، بل ينقذ ذاكرة جماعية من التآكل. يغوص في التاريخ، يفكك البعد الفني والاجتماعي لهذا الفن، ويعيد تقديم أعلامه في سياقٍ يليق بإسهاماتهم. الكتاب ليس مجرد عمل أكاديمي، بل شهادة حبّ للثقافة الأمازيغية، ومحاولة جادة لحفظها للأجيال القادمة.
تأثر محمد ولكاش بعدد من أعلام الثقافة والأعلاميين في سوس، أبرزهم المفكر والباحث محمد أبزيكا الذي كان قطبا في الثقافة الشعبية الأمازيغية آنذاك، وكذلك الإذاعي الكبير عمي موسى أنيضيف فقيد إذاعة أگادير الذي طاله النسيان كذلك، والذي ساهم في صقل تجربته الإذاعية وإكسابه حس المسؤولية تجاه المجتمع المحلي. ولم يكتفِ بذلك، بل ظل ناشطا جدا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يشارك آلاف المتابعين على يوتيوب وفيسبوك كل جديد عن التراث عبر برنامجيه الناجحين “أسايس” و “برنامج أسونفو نراديو بلوس”، الأنشطة الثقافية، والبرامج الإذاعية، محافظا بذلك على تواصل حي ومستمر مع جمهور واسع ومتفاعل مؤكدا أنه يواكب التطور الذي وصل إليه الإعلام الحالي، ويجب الإشارة إلى أن والكاش مدرسة إذاعية قائمة بذاتها يجب أن تدرس علما أن العديد من الشباب تتلمذوا على يده أبجديات التنشيط الإذاعي من شباب معروفين حاليا في مجال الإعلام كالإعلامية الرياضية سعيدة العلوي وآخرون وشهادة حق أنهم دوما ما يعترفون بفضل سي محمد في مسارهم المهني وهذا في إطار ثقافة الإعتراف.
ورغم هذا المسار الغني، الممتد عبر الإعلام، الثقافة، والرياضة، يظل السؤال معلقا كجرح مفتوح: لماذا لا يكرم محمد ولكاش؟
كيف يمكن لاسم بهذا الثقل أن يظل غائبا عن واجهات المؤسسات المعنية، من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى وزارة الثقافة، مرورا بالقنوات الإعلامية، وحتى المهرجانات الكبرى بجهة سوس ماسة؟ كيف لمهرجانات بحجم “تيميتار” بأكادير، و“تيفاوين” بتافراوت، و“تيميزار” بتيزنيت، أن لا تلتفت لمسار ساهم في حفظ ما تحتفي به هذه التظاهرات نفسها؟
ربما يكمن الجواب في مفارقةٍ مؤلمة: محمد ولكاش لم يسع يوما إلى الشهرة. كما صرح بنفسه، كان يعتبر نفسه محظوظا لأنه كان قريبا من الناس، ينقل صوتهم عبر الكلمة والصوت والصورة. لم يكن همه التمجيد، بل الأثر. وربما لهذا بالذات، سقط اسمه في منطقة رمادية بين المعرفة والتجاهل؛ معروف لدى الجميع، لكنه خارج التداول الإعلامي.
الأكثر مرارة أن الرجل الذي كان ولا يزال يرفع صوته دفاعا عن الفنانين المهمشين، ويعبر عن معاناة من طواهم النسيان، يجد نفسه اليوم في وضعٍ مشابه. لقد كان منبرا لمن لا منبر له… فمن يكون منبره اليوم؟
محمد ولكاش ليس مجرد فرد، بل هو ذاكرة تمشي على قدمين. كتاب مفتوح، لا تدرك قيمته إلا حين يقترب منه. الباحثون والطلبة يعرفون ذلك جيدا؛ يجدون فيه مرجعا حيا، ووجها بشوشا يستقبلهم بابتسامة تخفي وراءها سنوات من الكد، ونكران الذات، ورحلات البحث عن المعلومة. في ملامحه حكايات، وفي صمته أرشيف، وفي مساره درس كامل في معنى الالتزام.
إن إنصاف محمد ولكاش لا يتعلق بتكريم شخص فقط، بل بإعادة الاعتبار لفكرة كاملة: أن من يخدم الذاكرة لا يجب أن ينسى.
إن من يكتب التاريخ، لا ينبغي أن يكتب خارج صفحاته.
بقلم : رشيد بسام إمازّالن من باريس
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر

