الاستاذ مصطفى منوزي يسأل حزب الاستقلال حول الغاية من تنظيمه للندوة حول احداث 58/59 هل تبييض ماضي حزب الإستقلال أم أشخاصه؟

مصطفى المنوزي

” اذا كنت ترغب في تكرار الماضي بنفس الأخطاء فلا داعي للبحث عن غد آخر ”

هل هي صدفة أن ينظم حزب الاستقلال جلسة بوح حول الذاكرة ويشرك فيها مؤرخين دون الضحايا والحقوقيين المعنيين بالحقيقة والمصالحة ، بصرف النظر عن تغييب حراس الأرشيف الأمني ؛ وذلك على هامش إحتفاء العالَمين والعالِمين باليوم العالمي للحق في معرفة الحقيقة وجبر ضرر الضحايا الموافق ليوم 24 مارس من كل سنة ؟

فبنفس القدر الذي نثمن فيه هذه المبادرة ، من الواجب ان نبدي نقدنا لواقعة نقصان هذه المبادرة من حيث تغييب الحس التشاركي ، خاصة وأن عنوان اللقاء التواصلي يروم جرد وقائع في سياق تذكر وبوح ، في حين خصص زمن اللقاء لتدخلات باحثين في التاريخ ومؤرخين منتقين بعناية، يبسطون شهادات وكتابات مؤرخين، والحال أن الذاكرة والتذكر مختلفان عن التأريخ والبحث التاريخي ، ومن يبحث عن الحقيقة لابد وأن يجمع الوقائع ويوثقها أولا ، ويخشى أن تتماهى المهام والأدوار ، ويتم اختزال المسلسل في عملية واحدة شاملة وقيسرية، توليد حقيقة نتوافق حولها قسريا، خدمة لجدول أعمال وطني محدد ، عشية الاستحقاقات، يروم افتعال مصالحة تجزيئية وفوقية مع أقاليم الشمال المغربية؛ مع أن اللجنة التنفيذية الحالية كانت قد قررت في بداية ولايتها الخوض في مطلب المصالحة في تقدير خاص للمسافة الضرورية المفترضة، مسافة موضوعية و كافية، ومن هنا يبدو أن التوقيت والسياق غير ملائمين، كما أن الهدف غير واضح.

فمن يبحث عن الحقيقة الوطنية والقطع مع الماضي وإبرام مصالحة مع الذات ومع تاريخ الوطن ، ليس كمن يبحث عن براءة الذمة والتصالح مع الجغرافية السياسية المتجددة والمتحولة كما ونوعا ، أفقيا وعموديا ؛ وهنا يكمن الخطأ المنهجي ، فبالإضافة إلى تماهي الاشتغال على التاريخ بأدوات حفظ الذاكرة وتوثيق الوقائع او العكس ؛ فإن المسؤوليات لا يمكن إثارتها في حق تنظيم حزب الاستقلال الحالي ، والذي صار مجرد بقايا ضمن بقية مكونات حزب الاستقلال الأم ، على عهد الفقيد أحمد بلافريج ، وإن القول إن الاتحاد الإشتراكي الحالي متورط لمجرد أنه يزعم أنه امتداد لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، قول مغرض وحق قد يراد به باطل ؛ فكم من مياه جرت تحت الجسر .

لقد تغيرت القيادات والخيارات الاستراتيجية والخطوط السياسية ، ناهيك عن العقليات ، منذ انطلقت التصفيات البينية و كانت الانتهاكات الجسيمة غير دولتية (وإن كان أغلبها بتخطيط وتنفيذ من قبل اسقلاليين مسؤولين داخل دواليب الدولة ) ، وكان واضحا أن المستهدف بأحداث الريف ليس فقط المنطقة وساكنتها ، وإنما تاريخها وذاكرتها ، وعلى الخصوص المد التحرري والمشروع التقدمي في شخص المقاومة وجيش التحرير المنحدرين من الريف ومن غيره من ربوع الوطن . وبالتالي لا يحتاج تنظيم حزب الاستقلال الحالي إلى صك غفران ، فالأشخاص المسؤولون رحلوا ومعهم حقائق كثيرة ، ومنهم من صار ضحية من ضحايا الدولة والأحزاب ، مع اختلاف في درجة الانتهاك وحجم المسؤولية.

فمتى سيقوم المؤرخون بدورهم العلمي خارج منطق الخدمة تحت الطلب ؟ فلا يعقل أن نؤسس لحقائق سوسيولوجية ، هي في عمقها كانت إعلامية او صناعة أمنية ، حقا إن كل عجز عن بلورة حقيقة تاريخية وعلمية قد يستدعي تجريب آليات الحقيقة القضائية ، والتي لن تفلح سوى في إثارة المسؤوليات الفردية ، وهذا قد لا يستقيم في ظل ثقافة الترحال السياسي ، وفي جميع الحالات ، وفي انتظار بلوغ المنشود من قبل أنصار الحقيقة والإنصاف والحالمين بالمصالحة الحقيقية ؛ علينا أن نتساءل بكل جرأة ، ونسائل أنفسنا بكل نزاهة عن ما قمنا به وحققناه في العلاقة مع سن ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة ، وما هو المجهود الذي قدمناه من أجل جعل الشأن الأمني شأنا مجتمعيا يقوض الأسطوانة المشروخة التي تكررها اغلب الأحزاب ” الشأن الأمني مجال محفوظ ” ؟ ومتى سندرج السياسات الأمنية ضمن سياساتنا العمومية وفي برامجنا الحزبية ومعها الانتخابية بالتبعية ؟

هي تساؤلات خام لرد الإعتبار للمقاربة التشاركية في حفظ الذاكرة في احترام لمهام المؤرخ واختصاص القاضي إن دعت الضرورة خدمة للحقيقة والمصالحة الوطنيتين في العلاقة مع كافة الانتهاكات المؤسسية او غير الدولتية .

شاهد أيضاً

زواج الفقر والسياسة

يخفي اللغط الكبير بشأن زواج المال والسياسة، زواجا آخر يحيطه محترفو السياسة بكل الكتمان والسرية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *