الجامع أو المسجد أو ثمزيذا


بقلم: عبد السلام خلفي

إلى حين المرافعة التي تقدّمَ بها ناصر الزفزافي أمام المصلين يوم الجمعة الماضي، كان الخطباء يستولون بشكل كلي على منبر الخطبة؛ إذ لا أحد كان يتجرأ على أن يقف في وجه الخطيب ويقول له : إنك تُعبر عن رأي سياسي ولا تقدم خطبةً دينية؛ لقد كان الفقهاء يتحدثون باسم الله حتى وإن كانوا في حالات كثيرة يعبرون عن أفكارهم السياسية باسمهم الخاص أو باسم جهة سياسية معينة أو باسم الدولة؛ وأعتقد أن مواقف الكثير من الخطباء ضد الحركة الثقافية الأمازيغية، وادعاؤهم في أكثر من مرة أن المدافعين عن الأمازيغية ما هم إلا انفصاليين وكفرة وصهاينة وضد الوطن والدولة والعروبة وأمة الاسلام يدخل في هذا الإطار؛ إلا أن الأمازيغ الذين كانوا يحضرون تلك الخطب لم يكونوا، مع ذلك، يردون عليها في عين المكان، بل كانوا في أقصى الحالات يدبجون البلاغات المنددة أو ينظمون بعض الأنشطة داخل بعض المقرات التي في الغالب لا يحضرها جمهور المساجد المومن؛ غيرأنه مع ناصر الزفزافي الذي وقف بتلك الطريقة أمام خطبة الفقيه الذي عبر عن رأي سياسي لمجموعة أو لجهة ضد مجموعة أو جهة أخرى (حتى وإن اعتبر البعضُ ذلك الوقوف خطأً ارتكبه قائد الحراك)، يضعُ علامة فارقة في تاريخ خطبة المسجد؛ علامة فارقة من حيث العودة إلى الوظيفة الأصلية للمسجد بوصفه “جامعاً” (الجامع) كما كان يسميه المغاربة الناطقون بالعربية أو “ثمزيذا” كما يُسميه الأمازيغ بالريف؛ فبوصفه جامعاً معناه أن “المسجد” ظل، على مرّ التاريخ، مكاناً للاجتماع ولبث خطاب ديني جامع غير مفرّق، يجتمع فيه المؤمنون على قيم مشتركة عمادُها المحبة والتآزر وتصفية القلوب من أدران الترافعات السياسية التي عادة ما تكون خارج المساجد؛ وأعتقد أن المثل الأمازيغي الذي يقول : “أربّي وار تكسّي غار ثمزيذا نّسْ” يُعبرُ في العمق عن هذا المنحى. فالمسجد لله، وخارج المسجد للترافعات والبحث عن المواقع والأرزاق. داخل المسجد لا نبحث إلا عن الحظوة عند الله. وخارجه نبحث عن الحظوة الدنيوية.

وأما فيما يتعلق بـ”ثمزيذا” فإنه بالرغم من أن الكلمة الأمازيغية مشتقّةٌ من كلمة “المسجد” العربية، إلا أنها تُعبّرُ في الصميم عن نفس المعنى الذي يحملُه لفظ “الجامع”.

وعلى هذا الأساس فإن الجماعات الأمازيغية أو ما يُسمى بـ “أيراو” لم تكن تُدخل الفقيه أبداً في المهاترات السياسية، لأن وظيفته الأساسية هي أن يخطبَ في الناس ويقرأ عليهم الكلام المقدس ويُصلّي بهم، ويركز على المشترك الذي يجمعُهم، وأما أمور السياسة والاجتماع فكانت موكولة إلى “إمغارن” وإلى ممثلي المدشر أو القبيلة أو الجهة. وعلى هذا الأساس سنلاحظ أنه في تاريخ الريفيين مثلاً لم تقُم حربٌ بين الفرقاء بسبب الدين حتى وإن كان المجتمع الريفي يعُجُّ بالفرقل الدينية وباليهود وأحياناً بالمسيحيين.

السؤال المطروح الآن، هو: هل يمكن أن نعتبر وقوف الزفزافي في وجه فقيه بداية لما سوف يأتي. ذلك لأن الوارد من أخبار السلف يُجيزُ هذا الأمر، فالكثير من المومنين رجالاً ونساءً وقفوا في وجه خطباء المساجد في تاريخ الإسلام، بل ووقفوا في وجه أمراء المومنين كعمر ابن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وغيرهما. وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني هذا أن خطيب المسجد بالمغرب إذا لم يحترز من اللغة التي يستعملها سوف يجد نفسه غداً أو بعد غد أمام أمازيغ وإسلاميين وجماعات إيديولوجية أخرى تختلف مرجعيتهم الدينية عن المرجعية الرسمية، فيقفوا ينددون داخل المسجد بتطاول هذا الفقيه / الخطيب أو ذاك على استعماله المسجد في السياسة. إن الأمر جِدٌّ، خاصة وأن الأمر وصل إلى حدود مقاطعة الكثير من هؤلاء المواطنين الريفيين للمساجد في الجمعة الموالية؛ بل والأدهى من ذلك أن عدداً من الذين كانوا يعتبرون المسجد مجالاً لتمرير رؤاهم السياسية (العدل والإحسان) انتفضوا واعتبروا أن الفقيه استعمل الدين في أمور السياسة. وهو ما يعني، في كلا الحالتين، انهداداً لما يُسميه الخطاب الرسمي بالاستثناء الديني المغربي؟ علينا أن نفكر في المسارات المُقبلة حتى يظل المسجد لله.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *