الحضارة الأمازيغية مهد التعايش والتسامح الديني

مريم اليوسفي

يعود وجود اليهود بالمغرب لتاريخ عميق يصعب علينا تحديد حقبته نظرا لتباين مواقف مؤرخين في هذا المجال لكنا نكاد نجزم من خلال اطلاعنا على عدة بحوث وتلقينا لعدة روايات شفهية في هذا المجال على أن الحضور اليهودي بالمغرب كان مكثف وفي مختلف المناطق، وكان لليهود في المغرب نشاط مكثف سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو التاريخي.

ينقسم اليهود المغاربة إلى قسمين للمغوراشيم وهم يهود الأندلس والطشابيم وهم اليهود الأصليون الذين سكنوا المغرب قبل الميلاد والكثيرون منهم ذوي أصول أمازيغية، ويعرف التراث اليهودي المغربي عامة خصوصية عميقة تبدوا عليها المؤثرات الثقافية الأمازيغية.

ساهم اليهود الأمازيغ في بناء رصيد ثقافي كما ورثوا منه جزء عن أجدادهم ويعتبر تراث اليهود جزءا من تراث المغربي ويتميز بأبعاده الإنسانية والحضارية والثقافية، وتعامل الأمازيغ مع هذا الإرث اليهودي بنظرة إيجابية دون عنصرية، وهو الأمر الذي جسدته منطقة الريف على أرض الواقع، من خلال وجودهم في مختلف مناطقه وتركهم لإنتاجات ومخلفات مادية وغير مادية متمثلة في الأواصر الروحية والدينية.

كما تؤكد بالملموس المعطيات الواردة من طرف الأشخاص الذين أجرينا وإياهم حوارات حول هذا الموضوع مؤكدين من خلال تجاربهم الواقعية أن هناك أسر عاشت فيما بينهما في بيت واحد وهذه الجالية اليهودية التي كان قدرها أن تعيش في تشتت، غير أن هذا الموضوع يعرف قلة المادة التاريخية ما يجعلنا نعرضه بشكل مقتضب وعام.

عرف الريف تعايش الإنساني ثقافي اجتماعي تاريخي، فانطلاقا من أعراف الأمازيغ في الريف يتضح أن الريفي المسلم لم يكن متعصب لغير المسلم، كما عرف بحسن أخلاقه ومبادئه القيمة المتقبلة لجميع الأعراق واحترام الديانات ألأخرى، قد جعل اليهود والمسلمين الريف أرض التعايش.

هيلولة ضريح سيدي يوسف صلة وصل بين يهود العالم وموطنهم الأصل

يعرف ضريح سيدي يوسف عند اليهود «بربي سعدية» ويقام به موسم كل شهر ماي بمنطقة ترقاع بمدينة الناظور، ويسمى حفل (الهيلولة) ومعناها (سبحوا الله) وذلك بحضور اليهود المغاربة من مختلف بلدان العالم، الذين يحجون إليه سنويا من إسرائيل وأمريكا وفرنسا وإسبانيا ومن بعض المدن المغربية وذلك قصد الزيارة والترحم والتبرك بهذا الولي حسب معتقداتهم الدينية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الضريح مشترك، بين اليهود والمسلمين وينظم المسلمين زيارة للتبرك منه على طول السنة، كما يأتيه بعض اليهود القاطنين بمدنية مليلية، كما يحيون طقوس الهيلولة مع يهود العالم بشكل سنوي، وخلال هذه الفترة يتم منع غير اليهود من الولوج إلى الضريح، ولضمان سلامتهم، تقام هذه الطقوس في ظروف أمنية مشددة، بحضور باشا مدينة الناظور والعميد الإقليمي والمسؤولون بإقليم الناظور.

ذلك اليوم يسمى عند اليهود عيد لاك باعومر: يحتفل من خلاله بالقدسين اليهود في كل بقاع الأرض، ويقوم اليهود الريفيون في العالم بزيارة الأضرحة المقدسة، في مدينة الناظور بمنطقة ترقاع حيث يزورون قبر الصديق (تسيك) وإشعال الشموع، بمشاركة النساء والرجال والشيوخ… ويقومون بتمني أمنية لكل شمعة تم إيقادها.

وقبل هذا الطقس يقوم كل فرد بتلاوة بعض الصلوات والأدعية من (سفر هتفلا) أو كتاب الصلوات أو (سدور) وقراءة مزامير داود، تهليم، والدعاء والتبرك، بعد ذلك تأتي فترة توزيع الطعام على الحجاج والجلوس حول مائدة كبيرة وتناول وجبات مختلفة من المطبخ اليهودي ثم غناء أغاني تراثية يهودية.

وفي النهاية تقام صلاة خاصة بالرجال لإنهاء الزيارة، وفي الليل تكون هناك صلوات في المعابد، لروح الحاخام سعدية، إسحاق بن واليد، ورفائل بن إنكوقا سعدية الذي وصل للناظور وعاش بها عدة سنوات، وعندما أحس أنه سيموت طلب من أحد صلحاء المسلمين بأن يذهب لمليلية وأن يطلب من يهود مليلية أن يحضروا لدفنه لكن لأسباب غير معروفة رجع المسلم لوحده ومعه مجموعة من المسلمين لدفن الحاخام الولي الصالح، لكنهم رفضوا دفن لأنه يهودي، والمسلم الصالح تأسف كثيرا لكنه وعده بدفنه بطريقة تليق به، الحاخام كتب للمسلم وصية والتي يطلب فيها من اليهود أن يعطوا كل سنة للمسلم جائزة مالية لأنه سيدفنه، وحسب هذه الرواية عندما علم المسلمون أن المسلم الصالح دفن اليهودي حاولوا قتله وفي هذه اللحظة سقطت صخرة من السماء على المنازل وعلى قبر الحاخام، أما المسلمون فقد تعجبوا وبقوا في أماكنهم حتى صلى الشخص المسلم عليهم ليرجعوا لحالتهم الطبيعية، ومنذ ذلك الحين، اليهود والمسلمون يقدسون ذلك المكان لما وقع فيه من معجزات.

ومن أجل سبر أغوار هذا الموضوع اعتمدت العمل الميداني، من أجل استقصاء حقائق ضريح مولاي يوسف خلال شهر يناير سنة 2016 بمدينة الناظور بترقاع رفقة السيد عبد العالي الرحماني من أصول يهودية، وهو الذي سهل علي مأمورية التواصل مع مختلف الأفراد اليهوديين والمساهمين في توثيق خصائص الطقوس التي تقام بهذا الضريح، الذي كان مكونا من غرف وساحة، وضواحي الضريح استقبلتنا امرأة عجوزة تدعى (فضمة زغدود) تقطن قرب الضريح وروت لنا قصة مفادها أنها حفيدة المدفون بالضريح وهذا الأخير، اعتنق الدين الاسلامي عكس ما هو رائج بين اليهود وادعائهم بأنهم حفدته، غير أنه بعد أن طلبنا منها الوثائق التي تثبت ذلك أو شجرة العائلة لتثبت انتمائها إليه، لكنها صرحت بأنها منذ سنين جاء أحد اليهود وأخذ الوثائق بداعي نسخها ووعد بإرجاعها، لكنه لم يفي بوعده، وهذه السيدة هي المكلفة بتنظيف المكان وتشهد قدوم اليهود بكثرة تصف سياراتهم وألبستهم الخاصة بأصل النوع اليهودي، والعجيب أن المتداول داخل الأوساط الشعبية أن هذه الأوراق فعلا أخذت من المرأة العجوز وهي حاليا بمتحف أمريكي يهودي.

شاهد أيضاً

مهرجان صندانس يمنح جائزة الرؤية الإبداعية للمخرجة الامازيغية صوفيا العلوي

أقيمت الدورة التاسعة والثلاثون لمهرجان صندانس السينمائي في الفترة الممتدة من 19 إلى 29 يناير ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *