الدستور كعقيدة لحكم محمد السادس

يونس وانعيمي

عين الملك في بحر هذا الأسبوع، فقهاء متخصصين على رؤوس مجالس الضبط والتقويم والرقابة القضائية والمالية والمحاسباتية والاقتصادية.

لا يمكن أن نناقش هنا الصلاحيات لأنها موكولة للملك دستوريا، خصوصا فيما يتعلق ببعض مؤسسات ومجالس الحكامة ذات “الكتلة الحجمية الدستورية” الهامة. لكن سؤال التوقيت والبروفيلات المعينة يدعو لطرح بعض التأويل.

يبدو الحدث عنوانا لرغبة الملك في تقزيم مساحات كل أشكال الفساد والريع التي عاقت ازدهار عقيدته في الحكم واسفرت عن “ارتهال” الدولة في مجالات غاية في الحساسية وخلقت نخبا هجينة متحكمة” حجبت” عنه رؤية الواقع والأفق. لا يعني البتة ان الملك “قصير نظر” في تخطيط ورؤية وتنفيذ عقيدته في الحكم، بقدر ما يعني وصول الملكية لمرحلة التفكير في إشكالية الشركاء والنخب التي بها يريد تدبير ذلك الحكم وإعطاءه سرعة الإنجاز بعد انقضاء زمن الوعود والنوايا.

الملكية تتجدد باستمرار، حتى ولو بوثيرة تبدو بطيئة، لكنها عندما تستنفذ الخطابات المؤصلة لبعض الشرعية، تقوم بتجديد خريطة نخب وتجديد آليات إنتاج بعض المشروعية. انعش السياسة وانعش الاقتصاد وانعش والحريات بتساهل “مخزني” في الأول، وبعدما تم تجريب مرحلي “لارتكاس سلطة الكبح”، بدا للملكية انه من الضروري ضبط وتقنين كل تلك الديناميات عن طريق تعزيز “كباسات” ضبط السرعة وحكامتها.

يمارس الملك، تقريبا منذ عشر سنوات، سلطاته وصلاحياته الدستورية بانضباط ويقظة شديدين لتحضير المغرب حتى يعيش تحت مناخ جديد وعهد جديد عنوانه الامتثال للقانون، من خلال تقوية أجهزته الرقابية على أعلى مستوى.

انتقل القصر اذن من زمن التوافقات السياسية المرنة، ليمر لزمن تأصيل التوافقات القانونية الدستورية حيث الرقابة والمحاسبة والضبط هي أبرز عناوينه…

هل يجوز إطلاق لقب جديد على الملك محمد السادس، باعتباره “محمد القانوني” الذي يريد أخيرا ان يعتلي العرش من جديد وعلى رأسه الدستور كتاج؟ لا نشبهه بالملك العثماني القوي “سليمان القانوني” لأنه تشبيه شبه خرافي جراء اختلاف السياقات، ولكننا نحس ان السرعة الآن تم توظيبها لتأصيل الرقابة وهي وظيفة ملكية أقوى من وظيفة التحكيم التي دأبت الأحزاب السياسية على ترويجها بغموض. ربما عن قصد منها او عن غير قصد، بدت تطفو على السطح وظيفة “التحكيم” التي يحب الفاعل السياسي توكيلها للملك، ليس باعتباره “لاعبا حاسما” بل ‘حكما” يتم اللجوء إليه عند الاقتضاء.

الملك لا يريد حصر مهامه لا في الحكم المتحكم ولا في الحكم التحكيمي.. إنه يمرن ويروض المؤسسات الدستورية الضابطة على تولي تلك المهام تحت إشرافه،وهي مؤسسات فوق-سياسية supra-politique … ويلزم الحكومة كأداة تدبير منتخبة على تفعيل مضامين وتوصيات وتوجيهات هذه المؤسسات.. ومثال ذلك، دعوته لرئيس حكومته بقراءة توصيات مجلس المنافسة وتحرير برامج تنفيذية عاجلة لتصحيح اختلالات الاحتكار.. لم يكن عبثا ان صرح الديوان الملكي بذلك بالخط العريض.

لنقل شيئا عن البروفيلات التي قلدها الملك مهام النظم والمعيرة normalisation والرقابة القانونية.

لا أحد يشك في خبرتهم كل في المجال الموكول له. والقصر لا يقتصر على معامل الخبرة بل له معايير جد تنافسية قبل أن يقوم بالتنخيب.. من المعايير التقليدية في كشف شجرات الأنساب مرورا بمعايير قياس التجارب العملية ونتائجها ووصولا إلى معاير مرونة وضع كل ذلك لفهم سريع وجاهزية بالغة أمام توجيهات القصر. طبعا هي معايير تتطابق مع الأسماء المعينة بقاسم مشترك هو انهم كلهم أبناء للقصر غير “متورطين” بانتماإ سياسي ولا متورطين بسوابق تواصلية.. وهي نفسها شروط تعيين “القاضي” في كل منظومة حكم وكل زمان.

يبقى التحدي طبعا هو كيف سيتم تنظيم مرور اختصاصات متداخلة (لأن لكل السلط آلياتها الناظمة) مع الحفاظ على هوية منسجمة لبنيات الدولة، حتى لا نجد أنفسنا بدولتين وبوثيرتين في الحكم والتسيير.

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *