الفنان والكاتب عبد العزيز أشرڭي: الفن في الريف يعاني أكثر نظرا للغياب شبه الكلي للبنى والتجهيزات الأساسية الفنية والثقافية

غالبية الموسيقى المتواجدة اليوم على الساحة الريفية هي في المستوى المطلوب

في البداية، نرحب بك على صفحات جريدة العالم الأمازيغي، ونشكرك جزيل الشكر على سعة صدرك ومنحنا فرصة التحاور معك.

  • من هو عبد العزيز أشرڭي؟

قبل كل شيء أود أن أعرب عن عميق شكري لجريدة العالم الأمازيغي الرائدة الغراء، على الاستضافة الكريمة وعلى منحي هذه الفرصة العظيمة للانفتاح على جمهورها العريض من القراء، منوها بجهودها القيمة وعملها الممتاز في المجالين الصحافي والثقافي على السواء، ولاسيما في إبراز ما تحفل وتحبل به الهوية الأمازيغية من غنى وثراء. عبد العزيز أشرڭي، سليل مدينة الناظور، ريفي الأصل، خريج كلية الحقوق بالرباط، موظف وأب لثلاثة أبناء. لدي اهتمامات أدبية وفنية، هوايةً وممارسةً.

  • تحدث لنا عن بداياتك في حقل الفن والموسيقى؟

البدايات كانت منذ الطفولة، حيث كنت أهوى كل ما له علاقة بالفن خاصة الموسيقى والرسم، وكان ثمة شيء بداخلي يدفعني إلى مزاولتهما بالفطرة، إذ لم أستفد من أي تعليم أو تكوين في هذا الشأن، لا على يد شخص ولا داخل مؤسسة، في مدينة تفتقر بصفة كلية إلى المعاهد الفنية والمراكز الثقافية. فبالنسبة للرسم، كان يكفيني قلم رصاص أو قلم جاف وورقة بيضاء لأشكل بعض الجسوم التي تحاكي الواقع أو بعض النقوش التزيينية أو الرموز التي تعبر عن اختلاجات الذات. أما فيما يخص الموسيقى فالأمر كان أكثر تعقيدا لأن ممارستها تحتاج إلى آلة عزف، مثل القيثارة التي عشقتها دائما، والحال أني لم أكن أمتلك واحدة زمنئذ لذلك قمت، كما عدد من أبناء جيلي في الصغر، بصنع ما يشبه الآلة الوترية، باستعمال صفيحة زيت فارغة وعصا خشبية وأسلاك مكابح الدراجات أو خيوط صيد السمك، حسب المتوفر، وبدأت النقر على تلك الآلة العجيبة بين الفينة والأخرى كيفما اتفق، إلى أن حصلت في وقت لاحق على هدية ثمينة من أحد الأقارب تتمثل في لعبة قيثارة للأطفال خلصتني من الصفيحة وأسعفتني في عزف بعض النغمات البسيطة، وأذكر أني انتقلت من هذه المرحلة إلى مرحلة عزف النوتات الموسيقية لما حصلت على آلة أكبر شيئا ما من تلك اللعبة، اقتنتها لي الوالدة رحمها الله من العاصمة الرباط ذات رحلة علاج، بناء على رغبتي الملحة مع الأخذ بعين الاعتبار جِدي وجديتي في الدراسة. أما بدايتي الحقيقية في عالم الموسيقى، فكانت مع حصولي على أول قيثارة جديرة بهذا الإسم، في فترة التعليم الثانوي، اشتريتها من مدينة مليلية وهي القيثارة نفسها التي ما زلت أعزف عليها إلى اليوم.

  • نعرفك أستاذ عبد العزيز بأنك تمزج بين فنون عدة، بين الموسيقى والفن التشكيلي، وربما حتى الكتابة الأدبية، ما سر هذا التنوع؟

بالفعل، فاهتماماتي تتوزع بين الموسيقى والتشكيل، وكذا الكتابة والشعر اللذين طرقت ميدانهما منذ نعومة أظافري أيضا، فقد كان لي بعض الخربشات في مرحلة الطفولة ثم محاولات أثناء فترة دراستي بالإعدادي حيث حظيت بعض نصوصي بالنشر في ملاحق ثقافية لجرائد وطنية، لكن اهتمامي بعد ذلك انصب بشكل أساسي على نظم الشعر الغنائي الذي كنت أقوم بوضع وأداء ألحانه بنفسي، وكان جمهوري هم أصدقائي وزملائي وبعض معارفي العرضيين من المغاربة والأجانب، سواء بمدينتي التي نشأت وسطها أو بالعاصمة الرباط التي نلت فيها شهادة البكالوريا وشهاداتي الجامعية. فبحكم انتمائي لعائلة محافظة معروفة، ظل التحصيل الدراسي أولويتي والموسيقى هوايتي التي أمارسها بعصامية ضمن دائرة خاصة ضيقة، عدا مشاركتي التلفزية خلال الثمانينات في برنامج “نادي البيضاء” الذي يعنى باكتشاف المواهب في مجال الغناء والعزف الموسيقي والإبداع الأدبي، والذي كانت تقدمه الإعلامية الشهيرة نسيمة الحر في بداية مشوارها. فرغم الآفاق الواعدة التي فتحت لي بفضل تلك المشاركة، وغيرها من الفرص السانحة، إلا أني لم أقم باستغلالها لأسباب مختلفة أهمها مسألة الدراسة كما أسلفت الذكر. وعودة إلى سؤالكم حول سر مزجي بين عدة فنون وبين الكتابة الأدبية، أقول بأن الأمر في الأصل نابع من الموهبة وفي العمق راجع إلى المعاناة النفسية والالتزام بالقضايا المجتمعية، والحاجة أو الرغبة في التعبير عن المكنونات الداخلية والمواقف الإنسانية عبر أشكال إبداعية متنوعة، ما دامت القدرة على ذلك ممكنة، علما بأن هذا التنوع هو ما يميز المبدع المتعدد الذي يستطيع أن يبدع في أكثر من مجال بتكامل ومن غير ابتذال.

  • ما تقييمك للفن بصفة عامة في المغرب والريف على وجه الخصوص؟

هذا سؤال كبير، الإجابة عنه بحياد وموضوعية تحتاج إلى عميق دراسة وتحليل. لذلك لا يسعني سوى مقاربة المسألة من زاوية نظري الذاتية، بدون أفكار مسبقة أو أحكام جاهزة قدر الإمكان. في تقديري، الفن في المغرب على العموم يمتاز بتعدد وتنوع روافده من جهة وانفتاحه على تجارب الأمم الأخرى من جهة ثانية، مما يساعد على خلق دينامية فنية لا ينضب معينها داخليا وخارجيا. بيد أن هذه الدينامية لا يقابلها احتضان وتشجيع من لدن الجهات الرسمية للأعمال والإبداعات الجيدة، كما أن حركة وحركية الفن في الكثير من الأحيان تظل خاضعة للانتقائية المبنية على المحسوبية والزبونية، مما يكرس الرداءة إلى حد يجعل منها قدرا لا مهرب منه، لا يكسر سيرورته التي تبدو حتمية إلا من هو قادر على حفر اسمه في الصخر بجهده واجتهاده الخاصين في الغالب الأعم، وفي بعض الحالات بدعم من جهات غيورة على الفن أو احترافية في المجال أو بمساعدة ظروف مواتية. أما فيما يتصل بالفن في الريف، فإن المعاناة أكبر والوضع أمَر؛ نظرا للغياب شبه الكلي للبنى والتجهيزات الأساسية الفنية والثقافية، أضف إلى ذلك تغييب دور الفنان واغترابه في أرضه مما يدفعه قسرا إلى الاغتراب عن أرضه، إن استطاع إلى ذلك سبيلا، أملا في آفاق أفضل وأرحب.

  • بالنسبة للموسيقى، هل يمكن اعتبار الموسيقى الحاضرة اليوم بالريف في المستوى المطلوب؟

أعتقد أن الموسيقى الحاضرة حاليا بالريف معظمها إما يدور في فلك من سبق من الرواد أو يستلهم تجاربهم وإما يحاول أن يشق له طريقا مغايرا يتماهى مع الأنماط الموسيقية التي ظهرت في السنوات الأخيرة. وفي نظري إن غالبية الموسيقى المتواجدة اليوم على الساحة الريفية هي في المستوى المطلوب، لكنها تحتاج إلى المزيد من الإنتاج لتكوين رصيد موسيقي مهم على مستوى الكم دون إغفال الكيف. وهنا نستحضر الدور الذي يجب أن تلعبه في هذا الصدد المؤسسات الراعية لقطاع الثقافة والفن في بلادنا، التي يجب عليها أن تهتم بالموسيقى والموسيقيين بمنطقة الريف، وأن لا تغمطهم حقهم على صعيد الإنتاج والدعم والمواكبة. دون الحديث عن ضرورة إيلاء الاهتمام الأكبر، لإرساء مقومات صناعة موسيقية من الأساس، عضويا وبنيويا، حتى لا تبقى الموسيقى في الريف رهينة الجهود العصامية والاجتهادات الشخصية والمبادرات الفردية المعزولة.

  • ما الفرق بين الموسيقى الأمازيغية التي عاصرتموها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي واليوم؟

الفرق بين موسيقى فترة ماضية وأخرى تالية مسألة طبيعية، لأن الموسيقى ليس لها حدود زمكانية، وهي قابلة للتطور والتطوير تقنيا مع الحفاظ على قوالبها الشكلية أو مع تغيير هذه القوالب بشكل كلي أو شبه كلي. هذا بصرف النظر عن الموسيقى التقليدية أو التراثية التي تندرج في إطار الموروث الشعبي، والتي هي لها نمط معروف ومحدد قلبا وقالبا منذ الأزمنة الغابرة. فيما يهم الفرق بين الموسيقى الأمازيغية التي عاصرناها في الثمانينات والتسعينات والتي نعايشها اليوم في العهد الرقمي، فهو في نظري البسيط فرق يرتبط على الخصوص بظهور موسيقى الراب الأمازيغي على يد مجموعة من الموسيقيين الشباب، فضلا عن بروز موسيقيين من الجيل الجديد في لون الإنشاد الديني؟

  • لدينا معلومات بأنك كنت صديقا لأحد الفرق الموسيقية البارزة بالريف، من هي هذه الفرقة؟

كل ما في الأمر أن حب الموسيقى جمعني ببعض أفراد الفرقة المعنية في فترة من حياتي تعود إلى مرحلة الشباب المبكر، حين تعرفت عليهم آنذاك ثم استضفتهم بمنزلنا الأصلي في تمسمان بدائرة الريف وأمضيت وإياهم، برفقة صديقين آخرين، أياما لا تنسى تشاركنا فيها الطعام والعزف. الفرقة البارزة المقصودة هي “ثيذرين” من الحسيمة التي أنتجت – على غرار الرواد في منطقتنا – ريبرتوارا موسيقيا خالدا. كما أني استضفت لعدة أيام، في ذات الفترة وبنفس المنزل العائلي، الفنان الريفي الكبير بلقاسم الورياشي المعروف فنيا باسم “قوسميت” الذي ينتسب هو الآخر لمدينة الحسيمة.

  • بالنسبة للموسيقى، نعتقد أنك تمزج لغات عدة، في نظرك أي لغة أجنبية، ترى أنها قيمة مضافة لتطوير الأغنية الأمازيغية إلى جانب اللغة الأمازيغية؟

الإبداع، في تصوري المتواضع، هو تعبير وجداني وجمالي أصيل عند المبدع، ينبثق من ذاته المبدعة دون أن يتبوتق ضمن مدرسة محددة أو تيار بعينه. من هذا المنطلق، أرى أن الإبداع في مجال الموسيقى، كما في مجال الفن التشكيلي أو الأدب أو في أي مجال آخر، لا ينبغي أن يكون تكرارا أو اجترارا لتجارب الغير، بل إضافة يتميز بها عمل المبدع مهما كانت بسيطة. ومثل هذه الإضافة بالذات هو ما تحتاج إليه الأغنية الأمازيغية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، من أجل خدمة القضية الأمازيغية كقضية إنسانية عادلة ذات أبعاد كونية، وكذا اللغة الأمازيغية كلغة شاعرية جميلة لها خصوصية لكنها قادرة كذلك على تناول مضامين عالمية تشترك فيها كل البشرية. لذلك فإن المزج بين اللغة الأمازيغية واللغات الأجنبية، ولاسيما اللغة الإنجليزية الأولى عالميا، قد يكون مفيدا جدا في هذا الباب وقد يشكل قيمة مضافة لتطوير الأغنية الأمازيغية، شكلا ومضمونا.

  • ألا تفكر في إنتاج ألبوم موسيقي؟

أنا لا أفكر في ذلك فحسب، بل هذا هو مناي مذ داعبت أناملي أوتار الجيتار أو قل منذ ألفت أول أغنية لي وأنا ما زلت شابا يافعا قبل سنوات طوال. لقد شاءت الظروف أن أهاجر ميدان الفن والأدب، خاصة بعد اشتغالي بالوظيفة العمومية وانشغالي بتكوين أسرة وتربية الأبناء. لكني في السنوات الأخيرة عدت للتأليف الموسيقي والكتابة الأدبية كما أني أباشر التدوين على الفيسبوك، لكي أظل على اتصال دائم مع الفعل الإبداعي وتواصل مستمر مع القراء والمتلقين. وإني أمني النفس، فيما يتعلق بإنتاج ألبوم موسيقي، أن أجد موزعا وموسيقيين يشاركونني عزف أغنياتي قصد التحضير للألبوم المأمول. كما أني أنوي إصدار ديوان شعري وإقامة معرض للوحاتي مستقبلا إن شاء الله…

  • كلمة أخيرة؟

أجدد شكري لجريدة العالم الأمازيغي على منحي هذه الفرصة، وعلى ما تقوم به من دور هام وعظيم في تسليط الضوء على مبدعين أمازيغ. كما أتقدم بالشكر للأستاذ المبدع محمد فارسي الذي كان حلقة الوصل بيني وبين الجريدة والذي لا يدخر جهدا، مثلها، لخدمة الثقافة واللغة الأمازيغيتين بكل إخلاص واقتدار.

حاوره: محمد فارسي

شاهد أيضاً

حول أمازيغ الأندلس

ينظم الكرسي الدولي للثقافة الأمازيغية ندوة عن بعد حول موضوع “مساهمة الأمازيغ في تاريخ الأندلس” ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *