كتاب وآراء

الكتاب المدرسي للغة الأمازيغية أو حين تغيب الذاكرة الجماعية عن النص المدرسي

زايد بوسع أستاذ باحث

ماذا يتعلم الطفل حين يفتح كتاب اللغة الأمازيغية؟ هل يتعلم لغة فقط، أم يكتشف معها تاريخا وثقافةً وذاكرة ومجالا عاش فيه أجداده؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه يفتح نقاشا أوسع حول طبيعة النصوص التي تقدم للمتعلمين في كتب اللغة الأمازيغية، وحول مدى قدرتها على نقل اللغة في سياقها الثقافي والتاريخي، لا باعتبارها مجرد مجموعة من الكلمات والتراكيب والقواعد.

فاللغة لا تعيش خارج المجتمع. إنها ذاكرته اليومية، وأثر تاريخه، وطريقته في تسمية الأشياء والأشخاص والأماكن، ووسيلته في نقل التجارب من جيل إلى آخر. ولذلك، فإن تعليم الأمازيغية لا ينبغي أن ينحصر في تعليم كيفية القراءة والكتابة والتواصل، بل يفترض أيضا أن يفتح أمام المتعلم نافذة على الثقافة والقيم التي أنتجت هذه اللغة وحافظت عليها عبر الزمن.

غير أن قراءة عدد من النصوص المعتمدة في الكتاب المدرسي للأمازيغية تثير ملاحظة أساسية: حضور البعد التاريخي والثقافي لا يزال محدودا أو شبه منعدم مقارنة بما يمكن أن تقدمه اللغة الأمازيغية من إمكانات في هذا المجال، نظرا لجدورها التاريخية والحضارية عبر الزمن.

الإشكالية ليست في أن الكتاب المدرسي لا يقدم دروسا في التاريخ أو الثقافة بالمعنى التقليدي؛ فهذا ليس دوره أصلًا. المشكلة تكمن في أن النص اللغوي نفسه يمكن أن يكون حاملًا للمعرفة الثقافية والتاريخية، ومع ذلك لا يتم دائمًا استثمار هذه الإمكانية بما يكفي.

فلماذا لا يكون النص الذي يتعلم من خلاله الطفل مفرداته وتراكيبه فرصةً أيضًا للتعرف على حكاية شعبية؟ ولماذا لا يجد في الكتاب شيئًا من الأمثال والأشعار والحكايات المتداولة في محيطه؟ ولماذا لا تتحول أسماء القرى والجبال والوديان والعيون إلى مادة تساعده على اكتشاف تاريخ مجاله؟

خذوا، مثلًا، أسماء الأماكن. قد يبدو اسم قرية أو جبل أو وادٍ مجرد كلمة نستخدمها لتحديد موقع جغرافي. لكنه قد يخفي وراءه قصة قديمة، أو اسم جماعة بشرية، أو نشاطًا اقتصاديًا، أو حدثًا تاريخيًا، أو معتقدًا، أو أثرًا من آثار الاستقرار البشري في المنطقة. إن اسم المكان، في كثير من الحالات، ليس مجرد عنوان على الخريطة؛ إنه جزء من ذاكرة المجتمع.

وهنا تبرز أهمية الطوبونيميا في تعليم الأمازيغية. فمن خلال أسماء الأماكن يمكن للمتعلم أن يكتشف العلاقة بين اللغة والمجال، وأن يدرك أن الكلمات التي يتعلمها ليست مجرد وحدات لغوية، وإنما تحمل آثارًا من تاريخ الإنسان وعلاقته بالأرض.

والأمر نفسه ينطبق على التراث الشفهي. فالحكاية الأمازيغية، والمثل، واللغز، والشعر، والأغنية، والتعبير الشعبي، ليست مجرد مواد للترفيه. إنها نصوص تختزن تصورات المجتمع عن الطبيعة والإنسان والعمل والعلاقات الاجتماعية والقيم. ويمكن تحويلها إلى مادة تعليمية تجمع بين تنمية الكفاية اللغوية والتعرف على الثقافة.

لكن استحضار الثقافة الأمازيغية في الكتاب المدرسي لا يعني تقديمها في صورة جامدة أو فولكلورية. الثقافة ليست متحفًا، والأمازيغية ليست ماضيًا منقطعًا عن الحاضر. إنها ثقافة حية ومتنوعة، تطورت وتفاعلت مع محيطها، وتختلف مظاهرها وتعبيراتها من منطقة إلى أخرى.

لذلك، فإن المطلوب ليس أن يتحول كتاب الأمازيغية إلى موسوعة في التراث، وإنما أن يصبح تعلم اللغة مدخلا لاكتشاف الثقافة والتاريخ والمجال.

وهنا تبرز مسؤولية مؤلفي المناهج والكتب المدرسية. فاختيار النصوص ليس قرارًا تقنيًا محضًا. عندما نختار نصًا معينًا، فإننا نقرر ضمنيًا أي صورة عن اللغة والثقافة نريد أن نقدمها للطفل. وكل نص مدرسي يحمل، إلى جانب مفرداته وتراكيبه، تصورًا معينًا عن المجتمع والإنسان والهوية.

ومن ثم، فإن تطوير الكتاب المدرسي للأمازيغية يحتاج إلى رؤية تتجاوز الفصل الصارم بين تعليم اللغة وتعليم الثقافة. يمكن للنص الواحد أن يؤدي الوظيفتين معًا: أن يعلم المتعلم اللغة، وفي الوقت نفسه يعرفه بحكاية أو مثل أو اسم مكان أو شخصية أو ممارسة ثقافية.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: هل يتعلم الطفل الأمازيغية؟ بل أيضًا: أي أمازيغية نقدم له؟ وبأي نصوص؟ وبأي ذاكرة؟

فإذا كانت المدرسة مطالبة بالمساهمة في بناء شخصية المتعلم، فإن الكتاب المدرسي للأمازيغية مطالب بدوره بأن يجعل المتعلم يشعر بأن اللغة التي يتعلمها ليست غريبة عن محيطه، وأن وراء الكلمات التي ينطق بها تاريخًا وثقافة وذاكرة.

إن مستقبل تدريس الأمازيغية لا يرتبط فقط بعدد ساعات التدريس أو بعدد الكتب الموزعة، بل يرتبط أيضا بجودة المضامين التي نقدمها لأبنائنا. فاللغة التي تفقد صلتها بذاكرتها تتحول تدريجيًا إلى مادة مدرسية جافة، بينما اللغة التي تستحضر تاريخها وثقافتها ومجالها تصبح تجربةً حيةً وذات معنى.

ولعل المطلوب اليوم هو إعادة التفكير في النص المدرسي للأمازيغية، ليس من أجل إثقاله بالمعلومات، وإنما من أجل إعادة وصل اللغة بالإنسان، والإنسان بالمجال، والمجال بالذاكرة.

فالأمازيغية التي تدخل المدرسة لا ينبغي أن تدخل إليها عارية من تاريخها وثقافتها؛ بل ينبغي أن تدخل وهي تحمل معها شيئًا من صوت الأجداد، وذاكرة الأماكن، وحكايات الناس، وأسماء الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى