المغرب غير المرئي

تاريخ ما غاب عن الصورة المغربية
ليس المغرب الذي بين أيدينا اليوم، في كتب المدارس وما تجري به الأقلام في الصحف وما يظهر في الأفلام والبرامج، إلا جانباً من مغرب أوسع منه، وأغنى في طبقاته الحضارية وفي جيولوجية تفافته ان صح التعبير، وأشد تنوعاً في رجاله ومجالاته وتعابيره وأحواله؛ إذ إن لهذا البلد، كما لكل بلد عريق، تاريخاً ظاهراً تداولته الكتب والمصنفات، وتاريخاً آخر بقي في بطون الخزائن، وفي صدور الرجال والنساء، وفي أخبار القبائل والقرى، وفي الأشعار والأمثال والأغاني، وفي أسماء المواضع والأنساب، وفي آثار المدارس العتيقة والزوايا والأسواق والطرق التي كانت تصل بين السهل والجبل والصحراء، وبين المغرب وبلاد السودان، وبين الحواضر والمجال الأخرى كانت عامرة قبل ان تتغير موازين القوى في المجالات المغربية ولم ينل هذا القسم من التاريخ من العناية ما نال القسم الذي كانت له أقلام ومؤسسات أقدر على تثبيته في الدفاتر وإيصاله إلى من جاء بعده.
ولعل هذا هو أول ما ينبغي أن نقف عنده حين نتساءل عن صورة المغرب التي استقرت في أذهان أهله وغيرهم، إذ لا يكفي أن نسأل: ماذا بقي لنا من تاريخ المغرب؟ وإنما يلزم أن نسأل قبل ذلك: من كتب هذا التاريخ، ومن كانت له القدرة على أن يكتبه، وأي المجالات والألسنة والأعمال والأشخاص كانت لهم حظوة في أن تتحول ذاكرتهم إلى وثيقة، ثم إلى كتاب، ثم إلى تعليم، ثم إلى ذاكرة وطنية عامة؟
وهذا السؤال ليس سؤالاً في السياسة وحدها، ولا في اللغة وحدها، ولا في التاريخ وحده، وإنما هو سؤال في صناعة الذاكرة نفسها؛ لأن الأمم لا تحفظ جميع ما وقع لها بالقدر نفسه، وإنما تنتقي، عن قصد أو عن غير قصد، من ماضيها ما تكتبه وتدرسه وتحتفل به وتجعله عنواناً لنفسها، في حين تترك أشياء أخرى في مواضعها الأولى، في ذاكرة الأسر والقبائل والقرى والمناطق، حتى يأتي زمن تصبح فيه تلك الأشياء كأنها لم تكن، لا لأنها لم تقع، ولكن لأن الوسائل التي تجعلها حاضرة في الوعي العام لم تكن متيسرة لها.
ولذلك فإن الكلام على «المغرب غير المرئي» لا يراد به اختراع مغرب آخر في مقابل المغرب المعروف، ولا يراد به أن نستبدل قولا بقول، فنقول إن المغرب ليس عربياً بل أمازيغي، أو ليس حضرياً بل قروي، أو ليس شمالياً بل جنوبياً، وإنما المراد أن نرد إلى الصورة المغربية شيئاً من سعتها التي فقدتها حين غلب عليها بعض ما فيها على بعض، وأصبح الجزء في الوعي العام كأنه الكل.
لقد جاء دستور المملكة المغربية لسنة 2011، في ديباجته، ليقرر أن الهوية المغربية مبنية على تلاحم مكونات عربية إسلامية وأمازيغية وصحراوية حسانية، وأنها اغتنت بروافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية، كما أقر العربية والأمازيغية لغتين رسميتين للبلد، ونص على حماية الحسانية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية.[1] وهذه الصياغة، وإن كانت حديثة في لفظها، إنما تصف واقعاً تاريخياً أقدم منها بكثير؛ فالمغرب لم يكن في يوم من أيامه صفحة ذات لون واحد، وإنما كان دائماً مجالاً تتجاور فيه ألوان متعددة، وتتداخل فيه الأنساب والألسن والطرق والأسفار، ويتصل فيه ما هو حضري بما هو قبلي، وما هو جبلي بما هو صحراوي، وما هو مغربي بما هو إفريقي وأندلسي ومتوسطي.
غير أن الاعتراف بالتعدد شيء، ودخول هذا التعدد في الذاكرة اليومية شيء آخر.
في غلبة المدينة على الذاكرة
كان للمدينة في تاريخ المغرب فضل عظيم لا ينكره منصف؛ ففيها المدارس، والجوامع، والقضاء، والأسواق، والخزائن، والكتاتيب، ومنها خرج العلماء والفقهاء والكتاب والوزراء، وفيها حفظت سجلات الدولة ووثائقها، ومنها انتقلت الأخبار إلى سائر الجهات، ثم كان لها في العهد الحديث من أثر الصحافة والمدرسة والإدارة والجامعة والإذاعة والتلفزة ما جعل صوتها أقدر على بلوغ الناس من أصوات كثيرة كانت تجري في غيرها من المجالات.
لكن المدينة، مع كل هذا الفضل، ليست المغرب كله.
فقد كان وراء أسوارها عالم واسع من الجبال والسهول والارياف والواحات ومجالات الرعي والأسواق الموسمية وطرق القوافل، وكانت القبائل والمداشر والقرى والزوايا والمدارس العتيقة تحمل من أخبار البلاد ما لا يوجد في سجلات الحواضر، وكان للأرياف في أزمنة كثيرة من القدرة على الحركة والتأثير في السياسة والاقتصاد والمجتمع ما لا يمكن فهم تاريخ المغرب بدونه.
وقد أدرك المختار السوسي، وهو يجمع أخبار سوس ورجالاتها، أن التاريخ لا يستقيم بمجرد تتبع ما خلفته الحواضر من كتب ووثائق، ولذلك جعل من همته أن يجمع أسماء الرجال وآثارهم وأشعارهم ورسائلهم وأخبار أسرهم وصلاتهم بشيوخهم وتلامذتهم، حتى صار كتابه «المعسول» في النهاية أقرب إلى خزانة كبرى للمادة التاريخية والأدبية والاجتماعية منها إلى تاريخ بالمعنى الضيق للكلمة.[2] وكان يقول عن عمله، في معنى ظاهر الدلالة على مقصده، إن المراد هو جمع المواد لمن سيأتي بعده فينظمها ويكتب تاريخها.[3]
وهذه الطريقة في جمع المادة نفسها تحمل درساً بالغ الأهمية في كتابة تاريخ المغرب؛ فالشيخ الذي عاش في قرية صغيرة، والمدرس الذي لم يخرج من مدرسته العتيقة، والشاعر الذي لم يعرف له ديوان مطبوع، والزاوية التي لم تدخل في كتب المدن، كل أولئك قد يكونون بالنسبة إلى المؤرخ الحديث مواد هامشية، ولكنهم بالنسبة إلى تاريخ المجتمع أحياناً مفاتيح لفهمه.
فالمجال الذي يملك المؤسسة التي تنتج الوثيقة تكون له، في العادة، فرصة أوفر لأن يتحول إلى تاريخ مكتوب، أما المجال الذي يحفظ ذاكرته في الحكاية والشعر والشفوي والمخطوطات الخاصة، فإنه يكون معرضاً لأن يتحول من صانع للتاريخ إلى موضوع يصفه الآخرون. ومن هنا لا ينبغي أن نسأل فقط: أين الأمازيغ؟ أو أين أهل الجبل؟ أو أين أهل الصحراء؟ بل ينبغي أن نسأل سؤالاً أوسع: أين هي المجالات المغربية التي كانت لها حياة تاريخية كاملة، ولكنها لم تمتلك الوسائل نفسها التي امتلكتها المدينة لجعل تلك الحياة جزءاً من الذاكرة الوطنية المكتوبة؟
ومن هذه الزاوية تصبح سوس والأطلس والريف والجنوب الشرقي والمجالات الصحراوية ومناطق القوافل ليست هوامش على متن المغرب، بل صفحات من متنه؛ وما ينقصها في بعض الأحيان ليس التاريخ، وإنما الوسيط الذي ينقل التاريخ من الذاكرة المحلية إلى الذاكرة العامة.
في أمر اللغة وما تحمله من ذاكرة
ولعل مسألة اللغة من أكثر المسائل التي يظهر فيها هذا الخلل ظهوراً، غير أن تناولها يحتاج إلى شيء من الإنصاف؛ إذ ليس من التاريخ أن نجعل العربية خصماً للأمازيغية، ولا أن نحمل لغة بعينها مسؤولية ما تراكم عبر قرون من تحولات اجتماعية وسياسية ومؤسساتية.
فالعربية، دخلت في الدين والعلم والقضاء والإدارة والتصنيف، وصارت منذ قرون طويلة من اللغات التي حملت المعرفة المكتوبة في البلاد، كما أنها أصبحت اللغة التي تفرعت عنها عند احتكاكها بالأمازيغية (الدارجة) تعبير مشترك بين جماعات ومناطق مختلفة، وأسهمت في بناء فضاء ثقافي مغربي واسع لا يصح إنكاره ولا التقليل من أثره.
غير أن السؤال التاريخي الذي ينبغي طرحه ليس: هل أخفت العربية الأمازيغية؟ وإنما: كيف أصبح لسان معين أقدر من غيره على أن يتحول إلى لغة المدرسة والوثيقة والإدارة، وبالتالي إلى لغة تحفظ بها الأمة ذاكرتها المكتوبة؟
فاللغة التي تكون لغة الدولة والقضاء والتعليم والتأليف تكون فرصتها أكبر في أن تدخل خزائن التاريخ، ثم كتب المؤرخين، ثم مقررات المدارس، أما اللغة التي تحمل قسماً عظيماً من الذاكرة في الشعر والأغنية والرواية الشفوية والأمثال والحكايات المحلية، فإنها تحمل تاريخاً غنياً، ومع ذلك تظل أقل حضوراً في الصورة الوطنية إذا لم تُجمع مادتها وتُدرس وتُترجم وتُدرج في المؤسسات التي تصنع المعرفة.
وهنا يجب أن نميز بين غياب التاريخ وغياب الوسيلة التي تجعل التاريخ مرئياً.
فالذاكرة الأمازيغية لم تكن قط فراغاً ثقافياً، وإنما حملت تاريخاً اجتماعياً واسعاً في الشعر والأنساب والفقه المحلي والحكايات والأمثال والموسيقى والعادات والمؤسسات، غير أن قسماً كبيراً من هذا التراث ظل طويلاً خارج المدونة التاريخية الوطنية بالمعنى الحديث، إلى أن بدأت جهود الجمع والتدوين والدراسة والترجمة تعيد إليه شيئاً من مكانه.
ومن هنا كان الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011 خطوة مهمة في تاريخ الدولة المغربية الحديثة، لا لأنها خلقت وجوداً لم يكن موجوداً، وإنما لأنها أقرت رسمياً بوجود مكون لغوي وثقافي كان جزءاً من المغرب قبل الدستور بزمن طويل.[4] ويبقى السؤال بعد ذلك: إلى أي حد تحول هذا الاعتراف من نص دستوري إلى معرفة يومية بالتاريخ المغربي، بحيث يرى المغربي في التراث الأمازيغي تاريخاً وطنياً له، لا مجرد فولكلور جهوي يخص أهله وحدهم؟
من المغرب المتعدد إلى المغرب ذي الصورة الواحدة
وهذا يقودنا إلى مسألة أوسع، هي صورة المغرب في المخيال الخارجي والداخلي معاً.
فقد استقر عن المغرب، في كثير من الخطابات المعاصرة، أنه بلد عربي إسلامي، ومتوسطي، وشرقي، وصحراوي، وهي أوصاف لها من الحقيقة نصيب، لكنها لا تستوعب المغرب كله. فالمغرب فالمغرب متعدد، نعم، ولكنه أمازيغي في العمق؛ ويعبر عن نفسه في ابعاده وهي انه صحراوي وإفريقي وأندلسي ومتوسطي، وله تاريخ يهودي مغربي عريق، كما أن تاريخه القبلي والقروي والحضري لم يكن منفصلاً بعضه عن بعض كما توحي بعض الصور الحديثة.[5]
وهنا تبرز السينما مثالاً شديد الدلالة على المفارقة التي نتحدث عنها.
فالمغرب صار منذ زمن من أشهر مواقع التصوير في العالم، وأصبحت ورزازات وآيت بن حدو وغيرها من الأماكن تستقبل الإنتاجات الأجنبية التي تبحث عن مناظر تصلح لتمثيل أمكنة وأزمنة بعيدة.[6] وقد وجد مخرجون عالميون في المغرب ما يمكن أن يمثل روما القديمة ومصر والشرق وأفريقيا وغيرها من العوالم التاريخية والمتخيلة.
وليس في ذلك عيب، ولا يصح أن يؤخذ على مخرج أجنبي أنه لم يصنع فيلماً عن تاريخ المغرب إذا كان موضوع فيلمه شيئاً آخر. وإنما الدلالة التي تستحق الوقوف عندها أن المكان المغربي حاضر في الصورة العالمية، بينما لا يكون التاريخ المغربي حاضراً بالقدر نفسه.
ويكفي أن نتأمل في فيلم Gladiator لريدلي سكوت، حيث أصبحت بعض مشاهد ورزازات وآيت بن حدو جزءاً من صورة روما القديمة في المخيال السينمائي العالمي.[7] فالمشهد مغربي، والفضاء مغربي، والطبيعة مغربية، لكن الذاكرة التي يستدعيها العمل ليست ذاكرة المكان المغربي.
وهذه مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المؤرخ كما يتوقف عندها السينمائي: كيف أمكن للمغرب أن يكون مسرحاً لتمثيل تاريخ العالم، بينما ما زال تاريخه هو نفسه أقل حضوراً في الأعمال الكبرى التي صورت أرضه؟ وشوهت جزءا من هويته التاريخية والحضارية والثقافية وكذلك اللغوية. لهذا نقول ان المكان حاضر، ولكن ذاكرته ليست حاضرة دائماً.
والدارجة وجه آخر من وجوه المسألة
ولا تكتمل الصورة من غير الالتفات إلى الدارجة المغربية، لأنها لسان جزء من الحياة اليومية، وبها يجري الحديث في بعض الأسواق والبيوت والأحياء، ومنها خرجت أشكال واسعة من الفكاهة والأغنية والمسرح والسينما والإعلان والتواصل الشعبي، وهي في حد ذاتها ثمرة تاريخ طويل من التفاعل بين الأمازيغية والعربية وغيرها من المؤثرات التي مرت بالمغرب وأقامت فيه.
ولذلك فإن الدارجة لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مجرد عربية فصيحة انحرفت في التداول، كما لا ينبغي أن يجعل منها المرء اسماً آخر للأمازيغية؛ فهي ظاهرة لغوية وتاريخية قائمة بذاتها، تحمل في ألفاظها وتراكيبها وآدابها الشعبية آثار ذلك التداخل الطويل الذي عرفه المجتمع المغربي.
غير أن صعود الدارجة في الإعلام الحديث لم يؤد دائماً إلى صعود جميع الأشكال الثقافية المغربية بالقدر نفسه؛ فقد تمكن الفن الحضري الذي يستخدم الدارجة من الانتقال بسهولة إلى المركز الوطني، وأصبح بعضه ممثلاً سريعاً للمغربي المعاصر، بينما ظلت فنون أخرى، ومنها أحواش وأحيدوس وفنون الروايس والموسيقى الحسانية وغيرها، مرتبطة في الوعي العام بمجالاتها الأصلية، وكأنها فنون جهوية لا فنون مغربية.
ولا ينبغي هنا أن نسأل أي هذه الفنون أرقى أو أكثر أصالة، وإنما ينبغي أن نسأل: لماذا يستطيع بعض التعبير المحلي أن يتحول إلى رمز وطني، بينما يبقى تعبير آخر أسير الصفة الجهوية؟
ذلك أن المركز لا يفرض نفسه في السياسة وحدها، وإنما يفعل ذلك في الثقافة أيضاً؛ فالشيء الذي تنتجه المدينة وتعيد وسائل الإعلام تكراره يصبح مألوفاً للجميع، ثم يتحول مع الزمن إلى صورة للمغرب كله، بينما ما يأتي من الجبل أو الواحة أو الصحراء أو القرية يحتاج إلى جهد أكبر حتى ينتقل من المحلية إلى الوطنية.
الصحراء التي كانت طريقاً
ولعل أكثر ما يحتاج إلى إعادة نظر في هذه الصورة هو علاقتنا بالصحراء وبإفريقيا.
ففي الوعي المعاصر تبدو الصحراء أحياناً كأنها نهاية المغرب، أو حد يفصل بينه وبين العالم الواقع جنوبه، في حين أن التاريخ يخبرنا أن الصحراء كانت في أزمنة كثيرة طريقاً أكثر مما كانت حاجزاً؛ فمن خلالها عبرت القوافل، وتحرك التجار والعلماء والرحالة، وانتقلت السلع والأخبار والكتب والأفكار، وكانت سجلماسة وتمدولت وتيندوف المغربية وتارودانت وايكَلي وتيط وغيرها من المراكز المغربية صلات بين الشمال وبلاد السودان الغربي.
وقد بلغ هذا الاتصال السياسي والعسكري ذروة مهمة في عهد الدولة السعدية، حين أرسل السلطان أحمد المنصور سنة 1591 حملته إلى بلاد السودان، فانتهت معركة تونديبي إلى سقوط دولة الصونغاي، ثم نشأ في تمبكتو وما حولها نظام سياسي ارتبط بالوجود المغربي زمناً طويلاً.[8]
ولكن من الخطأ أن نقرأ هذه الواقعة قراءة أحادية، فنحوّلها إلى قصة «فتح مغربي لإفريقيا» وكأن المجال الذي وصلت إليه الحملة كان أرضاً خالية من الدول والمجتمعات والتقاليد السياسية والعلمية؛ فإن بلاد السودان الغربي كانت لها دولها ومدنها وعلماؤها وتجارتها وحياتها الداخلية، وكانت العلاقة التي نشأت بعد الحملة أكثر تعقيداً من مجرد علاقة فاتح بمفتوح.
والسؤال الأجدى للمؤرخ، لذلك، هو أن يبحث في طبيعة العلاقة التي قامت بين السلطة السعدية ومجتمعات السودان الغربي، وفي كيفية تداخل السياسة بالتجارة والعلم والهجرة، وفي الآثار التي تركها ذلك كله على المغرب وعلى تمبكتو وعلى المجال الصحراوي في آن واحد.
ومن المؤسف أن هذا الجانب من التاريخ لا يحظى في المعرفة المغربية العامة بما يستحقه، مع أنه من أكثر الصفحات قدرة على تفسير موقع المغرب في إفريقيا، وعلى فهم الصحراء لا بوصفها فراغاً بين دولتين، وإنما باعتبارها مجالاً تاريخياً متحركاً كانت فيه الطرق والقبائل والقوافل والمدن تتصل بما وراءها اتصالاً لا تنقله الخرائط السياسية الحديثة.
السعديون والحاجة إلى استرداد التاريخ الإفريقي للمغرب
ومن هنا فإن تاريخ السعديين ليس مجرد فصل من فصول الدولة المغربية، وإنما هو من المفاتيح التي يمكن أن تعيد للمغربي شيئاً من الوعي بتاريخ بلده الجنوبي.
فالمغرب في أواخر القرن السادس عشر لم يكن محصوراً في الصورة الجغرافية التي ترسمها له الخرائط المعاصرة، وكانت له صلات بالصحراء والسودان الغربي، وكان المجال الصحراوي أحد مسالك حركته السياسية والتجارية والعلمية. وإذا كان المغربي اليوم لا يعرف من هذه الصفحات إلا النزر اليسير، فإنه يفقد بذلك جزءاً من القدرة على فهم علاقات المغرب بإفريقيا في الحاضر، لأن الدول لا تبدأ علاقاتها من الصفر، وإنما كثيراً ما تستأنف، بأشكال جديدة، طرقاً قديمة من الاتصال.
ومن هنا نفهم لماذا يحتاج تاريخ السعديين إلى أن يخرج من الكتب المتخصصة إلى الذاكرة العامة، لا من باب تمجيد الماضي، وإنما من باب معرفة المغرب في اتساعه التاريخي.
تمبكتو وأزواد، وما بين الرواية والوثيقة
وفي هذا السياق تكتسب الأخبار المتعلقة باستمرار النفوذ المغربي في تمبكتو، وما يتصل بها من أخبار الباشوات والولاة والصلات السلطانية، أهمية خاصة؛ غير أن المؤرخ لا ينبغي له أن يتعامل مع الرواية لمجرد أنها جذابة أو لأنها تخدم فكرة يريد إثباتها.
وقد تداولت في بعض الروايات الحديثة قصة باشا من أصول سوسية، قيل إنه كان آخر ممثلي السلطة المغربية في المنطقة، وإن تعيينه كان بظهير سلطاني وإن الفرنسيين أطاحوا به عند تقدمهم في أزواد وتمبكتو. وهذه القصة، ثبتت تفاصيلها في الوثائق، ولها دلالة بالغة، لأنها تصل بين سوس وبين المجال الصحراوي والساحل، وتكشف عن مدى أبعد لحركة الرجال والسلطة مما تسمح به الصورة المغربية الضيقة.
لكنها، قبل ذلك، تحتاج إلى ما تحتاج إليه كل رواية تاريخية من مقابلة الظهائر والمراسلات السلطانية بالوثائق الفرنسية وبما بقي من سجلات تمبكتو والمصادر المحلية، حتى لا نضع في موضع اليقين ما اشرنا اليه سابقا.
وهذه ليست ملاحظة شكلية، بل هي في صميم المشروع الذي نريده؛ لأن «المغرب غير المرئي» لا يعني أن نصدق كل ما نُسي، وإنما يعني أن نفتح الملفات التي لم تحظ بما يكفي من البحث، وأن نعيد فحص الروايات المحلية والأسرية والجهوية، ثم نضعها أمام الوثيقة، فما ثبت منها أدخلناه في التاريخ، وما بقي في مرتبة الرواية أبقيناه كذلك حتى تقوم عليه الحجة. فالتاريخ لا ينصف المنسيين بالكلام عنهم فقط، وإنما ينصفهم بتحقيق ما بقي من آثارهم.
القرن التاسع عشر، أو الحلقة التي تصل الماضي بالحاضر
ولعل القرن التاسع عشر من أكثر الحلقات التي يحتاج المغاربة إلى استعادتها؛ لأنه القرن الذي يصل المغرب التقليدي بالمغرب الحديث، وفيه تتجمع التحولات التي ستفضي في النهاية إلى فرض الحماية، ففيه تتغير علاقات المغرب بالقوى الأوروبية، وتتسع الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، وتظهر الحاجة إلى إعادة تنظيم الجيش والإدارة والمالية، وتتغير موازين القوى داخل البلاد وخارجها، ثم تأتي الهزائم والاتفاقيات والتدخلات الأجنبية لتضع الدولة أمام واقع جديد.
ومع ذلك، فإن حضور القرن التاسع عشر في الوعي العام لا يزال دون ما يقتضيه خطره وأهميته؛ إذ يعرف المغربي أسماء السلاطين وبعض الوقائع الكبرى، لكنه لا يملك دائماً سرداً متصلاً يبين له كيف انتقل المغرب من عالم سياسي واجتماعي إلى عالم آخر خلال قرن واحد، وكيف تراكبت الأزمة العسكرية والمالية والاقتصادية والدبلوماسية حتى أصبحت الحماية نتيجة لمسار طويل، لا حادثة نزلت على المغرب فجأة من غير مقدمات.
وهذا النقص في معرفة القرن التاسع عشر ليس نقصاً أكاديمياً فقط، بل هو نقص في فهم الحاضر؛ لأن قضايا الدولة والمجال والحدود والسيادة والعلاقات الأوروبية، بل حتى كثيراً من القضايا التي ما زالت تظهر في النقاش الوطني اليوم، لا يمكن أن تستقيم معرفتها إلا إذا عرفنا الطريق الذي سلكه المغرب خلال ذلك القرن ثم خلال عهد الحماية.
ومن ثم لا يكفي في تعليم التاريخ أن يعرف التلميذ أسماء السلاطين وتواريخ المعارك، وإنما ينبغي أن يخرج منه بصورة واضحة عن سؤال أكبر: كيف صار المغرب هو المغرب الذي نعرفه اليوم؟
الاستعمار لم يصنع المجتمع المغربي، ولكنه أعاد ترتيب النظر إليه
وحين نصل إلى عهد الحماية ينبغي أن نتجنب، نحن أيضاً، التفسيرات السهلة؛ فلا يصح أن يقال إن الاستعمار خلق من الصفر كل الاختلافات المغربية، لأن المجتمع المغربي كان متنوعاً قبل الحماية تنوعاً ظاهراً، كما لا يصح أن ننكر أن الإدارة الاستعمارية أعادت تصنيف ذلك التنوع ووضعته في قوالب جديدة تخدم أغراض الحكم.
فقد كان المغرب يضم جماعات وقبائل ومناطق تختلف في اللسان والعرف وأنماط العيش ودرجة اتصالها بالمخزن، فجاءت الإدارة الاستعمارية وأخذت هذه الاختلافات مادة للمعرفة والإحصاء والتصنيف، وصارت القبيلة موضوعاً للملف الإداري، واللغة موضوعاً للتصنيف، والعرف موضوعاً للدراسة والتقنين، والمجال موضوعاً للخريطة، والإنسان نفسه جزءاً من فئة إدارية يمكن أن تبنى عليها سياسات الحكم.[9]
وقد بينت الدراسات التي تناولت الإثنوغرافيا العسكرية الفرنسية في المغرب خلال السنوات الأولى للحماية أن جمع المعلومات عن القبائل والمجالات والألسن كان متصلاً بالحاجة إلى إدارة البلاد و«تهدئتها»، وأن المعرفة لم تكن منفصلة عن السلطة.[10] كما أن دراسة ما عرف بالسياسة البربرية المزعومة تبين أن الأمر لم يكن مجرد حادثة منفردة ظهرت سنة 1930، وانقضت عليها النخبة المدينية وجعلتها اساس شرعيتها التاريخية، وبلورت فيها مشروعية قيامها السياسي والايديولوجي النموذجي، بل مساراً له جذور وتطورات ومناقشات داخل الإدارة الاستعمارية نفسها.[11]
وهنا ينبغي أن يكون سؤال المؤرخ أشد عمقاً من سؤال الإدانة: ماذا ورثنا من الاستعمار في خرائطنا فقط، وماذا ورثنا منه في طريقة النظر إلى مجتمعنا؟
فقد يكون الاستعمار قد انتهى بوصفه نظاماً سياسياً، ولكن بعض تصنيفاته قد تستمر، إذا أخذناها كما هي، في المدرسة والإعلام وحتى في الكتابة التاريخية، من غير أن نسأل كيف ولدت، ولأي غرض استعملت أول مرة، وهل ما زالت صالحة لفهم المجتمع المغربي كما هو اليوم.
وبعد الاستعمار، كيف صارت الذاكرة وطنية؟
ثم جاء الاستقلال فكان لا بد للدولة الوطنية من أن تبني ذاكرة مشتركة؛ إذ لا تستطيع أمة حديثة أن تستمر بغير رموز وتواريخ وقصص يتعارف عليها أبناؤها، ولذلك كان طبيعياً أن تختار المدرسة والإذاعة والتلفزة والاحتفالات الوطنية والمناهج التعليمية عدداً من الوقائع والشخصيات التي تمثل الوطن كله. غير أن كل بناء للذاكرة يتضمن نوعاً من الانتقاء، ولو لم يقصده أصحابه. فما الذي يدخل الكتاب المدرسي؟ وما الذي يتحول إلى يوم وطني؟ وما الذي يسمى به الشارع والمدرسة والمؤسسة؟ وما الذي يجد طريقه إلى المتحف؟ وما الذي يبقى في ذاكرة الأسرة أو القبيلة أو الزاوية؟ وما الذي لا يتجاوز حدود المنطقة التي وقع فيها؟
وهنا، في الحقيقة، يبدأ السؤال الحقيقي عن المغرب غير المرئي.
فالمطلوب ليس أن نضيف إلى التاريخ الرسمي فقرة عن الأمازيغ، ثم فقرة عن الصحراء، ثم فقرة عن إفريقيا، ونقول إننا بذلك أصلحنا الصورة؛ لأن المشكلة أعمق من إضافة فصول إلى كتاب قائم على تصور سابق لما هو «التاريخ الوطني».
المطلوب أن نعيد النظر في طريقة بناء التاريخ نفسه، وأن نسأل: متى يصبح التاريخ المحلي تاريخاً وطنياً؟
فإذا كان أحد علماء سوس، أو أحد أعيان الأطلس، أو أحد رجالات الصحراء، أو إحدى النساء اللواتي حفظن العلم والرواية في بيت أو مدرسة، قد أسهم في صناعة المجتمع المغربي، فإن عدم دخوله إلى الكتاب المدرسي لا يعني أنه كان خارج التاريخ، وإنما يعني أن اختيارنا لما يستحق أن يكون جزءاً من الذاكرة العامة لم يكن شاملاً بما فيه الكفاية.
وهنا تظهر قيمة العمل الذي تركه المختار السوسي وأمثاله؛ فهو لم ينتظر دائماً أن تأتي المؤسسات الكبرى لتقول إن هذا الرجل أو تلك المدرسة أو تلك القرية تستحق أن تحفظ، بل كان يجمع ويثبت ويترجم ويورد الأشعار والرسائل والأنساب والأخبار، ويضع بين يدي من يأتي بعده مادة قد تبدو في ظاهرها صغيرة، ثم يتبين للباحث أن مجموعها يرسم صورة مجتمع كامل.[12]
وهذه روح تاريخية ينبغي استعادتها على نطاق المغرب كله: أن نذهب إلى الأمكنة، ونسمع أهلها، ونفتش في خزائن الأسر والمدارس العتيقة، ونقرأ المخطوطات المحلية، ونجمع الرواية الشفوية، ثم نضع كل ذلك في ميزان النقد والتحقيق.
ليس المغرب غير المرئي هو المغرب الأمازيغي وحده
ومن الضروري هنا أن نضع حداً لكل اختزال جديد؛ فلو جعلنا «المغرب غير المرئي» اسماً للمغرب الأمازيغي وحده، لكررنا الخطأ نفسه الذي نحاول إصلاحه.
هناك مغرب أمازيغي لم يأخذ دائماً حظه من الظهور في التاريخ الوطني، ولكن هناك أيضاً مغرب صحراوي، ومغرب إفريقي، ومغرب جبلي وقروي، ومغرب نسائي لم تحفظ الأرشيفات الرسمية من تاريخه إلا النزر اليسير، ومغرب شعبي حمل ذاكرته في الأغنية والرقص والحكاية والمثل، ومغرب يهودي كان جزءاً من العمران المغربي وثقافته واقتصاده، ومغرب أندلسي ومتوسطي، بل إن هناك أوجهاً من التاريخ المغربي المدرج والمحلي نفسه لم تنل من الدراسة ما تستحق لأنها لم تدخل في الصورة المركزية التي تشكلت عن المغرب.
ومن ثم فإن «غير المرئي» ليس اسماً لجماعة واحدة، وإنما هو وصف لعملية تاريخية جعلت بعض أجزاء المغرب أكثر قابلية للرؤية من غيرها.
وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع منا؛ لأن الغرض من استعادة المهمش ليس إقامة هامش جديد يقلب المركز فقط، وإنما تفكيك فكرة المركز والهامش نفسها، حتى يصبح تاريخ المغرب شبكة من المجالات المتفاعلة، لا سلماً ترتفع فيه جهة على جهة.
المغرب الذي ينبغي أن نراه
إذا أردنا أن نعيد للمغرب صورته الأوسع، فلا ينبغي أن نضع المدينة في مواجهة الارياف، ولا العربية في مواجهة الأمازيغية، ولا الشمال في مواجهة الجنوب، ولا المكون الإفريقي في مواجهة المكونات تالاخرى، ولا التاريخ المحلي في مواجهة التاريخ الوطني؛ فكل هذه الثنائيات، إذا جعلناها قواعد لفهم المغرب، ستقودنا إلى مغرب جديد ناقص، كما قادتنا الثنائية القديمة إلى صورة ناقصة.
المطلوب أن نرى فاس ومراكش ومكناس والرباط وتطوان، ولكن نرى معها سوس والأطلس والريف والواحات والصحراء؛ وأن نقرأ العربية التي حفظت لنا جانباً عظيماً من تراث المغرب، ولكن نقرأ معها الأمازيغية التي حملت وجهاً آخر من ذاكرته؛ وأن ندرس الدارجة باعتبارها لسان الحياة اليومية ونتاجاً لتاريخ طويل من التفاعل، وأن نسمع الملحون والعيطة كما نسمع أحواش وأحيدوس وفنون الروايس والموسيقى الحسانية، وأن نقرأ تاريخ الأندلس باعتباره امتداد لتاريخ المغرب وليس امتدادا لتاريخ الشرق الاوسط دون أن ننسى تاريخ المغرب في إفريقيا، وأن نعرف الدولة السعدية لا بوصفها عنواناً من عناوين الماضي المجيد فحسب، بل باعتبارها مدخلاً لفهم الصحراء والساحل والصلات التي كانت قائمة بين المغرب وبلاد السودان.
وعلينا، كذلك، أن نعيد إلى القرن التاسع عشر مكانته، لأنه الحلقة التي لا يمكن بدونها أن نفهم المغرب الذي جاءت بعده الحماية، ثم المغرب الذي خرج من الحماية، ثم المغرب الذي ورث دولة حديثة بحدود ومؤسسات ومشكلات وأسئلة لم تكن كلها موجودة بالشكل نفسه في القرون السابقة.
وعلينا أن نقرأ الأرشيف الاستعماري قراءة الناقد، فلا نرفضه لأنه استعماري، ولا نقبله لأنه مكتوب، وإنما نسأل من كتبه، ولماذا كتبه، ولمن كتبه، وبأي مفاهيم وصف المجتمع، وما الذي استطاع أن يراه وما الذي لم يستطع أن يراه؛ ثم نقابل ذلك بما تركه المغاربة أنفسهم من وثائق ورسائل وفهارس ومخطوطات وأشعار وذاكرة محلية.
فليس التاريخ ما كتبته السلطة وحدها، كما أنه ليس ما حفظته الذاكرة الشعبية وحدها؛ وإنما التاريخ، حين يستوي عوده، هو ما ينتج من مقابلة هذه المواد بعضها ببعض، ومن معرفة مواضع القوة والضعف في كل مصدر.
خاتمة
ولعل خلاصة الأمر كله أن المشكلة ليست في أن المغرب لا يملك تاريخاً، وإنما في أن تاريخه أوسع من الصورة التي استقرت عنه؛ فقد كان المغرب، عبر القرون، أوسع من مدنه، وأكثر تعدداً من لغة واحدة، وأغنى من أن تختصره صورة سياحية أو سينمائية، وأشد اتصالاً بإفريقيا والصحراء مما توحي به الخرائط الذهنية الحديثة، كما أن تاريخه لم يكن تاريخ السلاطين والحروب وحدهم، وإنما كان أيضاً تاريخ العلماء الصغار، والمدارس العتيقة، والقبائل، والقرى، والأسواق، والقوافل، والنساء، والشعراء، والحرفيين، وأهل الا، وأهل الجبل والصحراء.
وهذا، في نظري، هو المعنى الأعمق لفكرة «المغرب غير المرئي»: أن نبحث عما غاب لا لأن الغائب أحق من الحاضر، وإنما لأن الصورة لا تكتمل إلا باجتماع شتاتها؛ وأن نعيد إلى الذاكرة ما أزاحته مركزية المدينة، وما حجبته هيمنة الوثيقة الرسمية، وما بقي في الألسريافن المحلية، وما لم يجد طريقه إلى الكتاب المدرسي، وما حولته المعرفة الاستعمارية إلى تصنيفات جامدة، وما أبقته الدولة الوطنية في مرتبة الذاكرة الجهوية.
وقد يكون من حسن الصنيع في هذا الباب أن نعمل كما عمل بعض المؤرخين المحليين الكبار: لا نزعم أننا أحطنا بالتاريخ كله، ولا نستعجل الخلاصة قبل جمع المادة، بل نأخذ من كل موضع ما بقي فيه، ومن كل بيت ما حفظه، ومن كل مدرسة ما صانته، ومن كل شيخ ما وعاه، ثم نضع ذلك كله في موضعه، ونترك لمن يأتي بعدنا أن يزيد عليه ويصحح ما يحتاج إلى تصحيح؛ فالتاريخ الذي يستحق أن يبقى ليس هو الذي يدعي صاحبه أنه قال فيه الكلمة الأخيرة، وإنما الذي يفتح لمن بعده أبواباً جديدة للبحث.
وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من تجربة المختار السوسي نفسه؛ فقد جعل من جمع المادة واجباً على من أدرك أن كثيراً مما يوشك أن يضيع لا ينقذه إلا أن يكتب، وأن الخبر الصغير قد يصبح، بعد زمن، مفتاحاً لفهم عصر كامل. ولم يكن «المعسول» في نظر صاحبه تاريخاً نهائياً لسوس بقدر ما كان خزانة لمواد ينتظر أن يأتي من ينظمها ويستخرج منها تاريخها.[13]
وهكذا فإن استعادة «المغرب غير المرئي» لا تعني اختراع مغرب جديد، ولا إقامة هوية على أنقاض هوية، وإنما تعني أن نعيد إلى المغرب شيئاً من سعته الأولى، وأن نرى ما كان موجوداً ولم نحسن رؤيته، وأن نخرج من وهم أن ما لم يدخل الكتاب لم يدخل التاريخ.
فربما لم يكن المغرب غير مرئي في الماضي، وإنما كانت عيوننا الحديثة قد اعتادت أن ترى منه جهة دون جهة، ومدينة دون غيرها، ولساناً دون لسان، وشمالاً دون جنوب؛ فإذا اتسعت العين، اتسعت معها صورة الوطن، وإذا اتسعت صورة الوطن، صار التاريخ أقدر على أن يجمع أبناءه بدل أن يجعل بعضهم شهوداً على تاريخ بعض.
وهناك، في تلك اللحظة، لا يعود «المغرب غير المرئي» مغرباً آخر نبحث عنه، وإنما يصبح المغرب نفسه، وقد استعاد شيئاً من ذاكرته التي تفرقت في الأمكنة والألسن والوثائق والصدور.
الهوامش
[1] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الديباجة والفصل الخامس، في ما يتعلق بمكونات الهوية المغربية وروافدها وبالرسمية الدستورية للعربية والأمازيغية. IRCAM Bibliothèque
[2] محمد المختار السوسي، المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وتلامذتهم وأصدقائهم، وهو عمل موسوعي في التاريخ والتراجم والأدب والوثائق والأخبار، جمع فيه المؤلف أخبار العلماء والأسر والصلات العلمية والأدبية والاجتماعية.
[3] انظر ما نُقل عن منهج المختار السوسي في المعسول، من أن الغرض كان جمع المادة لمن سيأتي بعده فينظمها ويكتب تاريخها، وهو تصور يكشف بوضوح عن وعيه بأهمية المادة المحلية التي لم تدخل بعد في الكتابة التاريخية العامة.
[4] المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مواد توثيقية حول مكانة الأمازيغية في دستور المملكة المغربية، وحول التراث اللغوي والثقافي الأمازيغي.
[5] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الديباجة، حيث ترد الإشارة صراحة إلى المكونات والروافد العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.
[6] المركز السينمائي المغربي، مواد حول التصوير والإنتاج السينمائي الأجنبي في المغرب، وما وفره المجال المغربي من مواقع استُخدمت لتمثيل أزمنة وأمكنة متعددة.
[7] Ridley Scott, Gladiator, 2000. استُخدمت مواقع مغربية، من بينها ورزازات وآيت بن حدو، في تصوير مشاهد من الفيلم، وهو مثال واضح على الفرق بين حضور المكان المغربي في الصورة السينمائية العالمية وحضور التاريخ المغربي نفسه فيها.
[8] حول الحملة السعدية على بلاد السودان الغربي سنة 1591 وما ترتب عليها من سقوط دولة الصونغاي واستمرار حضور سياسي مغربي في تمبكتو، ينبغي الجمع بين المصادر المغربية ومصادر تاريخ غرب إفريقيا والمصادر الأوروبية، حتى لا تختزل الواقعة في رواية من طرف واحد.
[9] لا يعني ذلك أن الاستعمار اخترع التنوع المغربي من عدم، وإنما يعني أن الإدارة الاستعمارية حولت كثيراً من الاختلافات القائمة إلى موضوعات للتصنيف الإداري والمعرفة الإثنوغرافية.
[10] Mathieu Marly, «L’ethnographie militaire aux origines de la “politique berbère” du protectorat français au Maroc (1912-1915)», L’Année du Maghreb, no. 25, 2021, pp. 205-221، في دراسة علاقة المعرفة الإثنوغرافية بالممارسة العسكرية والإدارية في السنوات الأولى للحماية.
[11] Charles-Robert Ageron, «La politique berbère du Protectorat marocain de 1913 à 1934», Revue d’histoire moderne et contemporaine, t. 18, no. 1, 1971, pp. 50-90، حول جذور السياسة البربرية وتطورها داخل نظام الحماية.
[12] تكشف بنية المعسول نفسه عن هذا المنهج؛ فقد توسع المختار السوسي في التراجم، وأدخل معها الأخبار والأشعار والرسائل والأسر العلمية والصلات بين الشيوخ والتلاميذ، حتى صار العمل مصدراً للتاريخ الاجتماعي والثقافي إلى جانب التاريخ العلمي.
[13] انظر مقدمة المعسول وما نُقل عن مقصده في جمع المادة لمن يأتي بعده، وكذلك خاتمة الكتاب التي يوضح فيها المؤلف أن المعسول ليس تاريخاً عاماً شاملاً لكل علماء سوس، وإنما سجل لمادة محددة جمعها بحسب شرطه ومنهجه.
“أكن سرس ايسنفعو ربي” يورات، الحسين بوالزيت، صحافي وباحث في التاريخ




