المحامون و المصير المشترك

عزيز رويبح

لا شك في كون ممارسة المحاماة اشد خطورة و أكثر تعقيدا و صعوبة في الدول التي تتأرجح بين محاولات بناء دولة الحق و القانون و بين نزوعات التحكم و محاصرة الانتقال الديمقراطي و ما يكفله من حرية الفكر و الرأي و التعبير و ما يضمنه من احترام لمبادئ حقوق الانسان و منها اساسا شروط المحاكمة العادلة و قرينة البراءة على اساس من التوازن بين سلطة الاتهام و مهمات الدفاع.

فخارج العلاقة المباشرة بين الدولة و سياساتها في ميدان العدالة و بعيدًا عن تحركات و انفعالات التموقع التي تفرضها لحظات الانتقال من دولة الضبط و المزاج الى دولة الحق والقانون فان المجتمع نفسه لا يخلو من عناصر المواجهة و التصدي لكل ما هو سد ممانعة تجاه القمع و الاستبداد و التسلط بكل ابعاده و مستوياته من منطلق ان الانحياز الى السلطة مربح و آمن سياسيا و مهنيًا و عائليًا و مجتمعيًا عكس المغامرة بالانحياز لجهةٍ ممانعة لا تتردد في احايين كثيرة بإعلان رفضها لما ترى فيه خرقا للقانون و انتهاكًا لحقوق الانسان.

العناصر التي تستفيد من امتيازات الدولة او لها تصور خاص مناقض للدولة نفسها هي التي نراها في الواقع تستكثر على المحامين حقهم في الاحتجاج عبر الكلمة الحرة و الوقفة المسؤولة و الموقف الناضج المتزن، كلمة حرة كما في الدول المتحضرة تتجاوز قاعات وردهات المحاكم لتعانق الفضاء العام بتموجاته و لوبياته و ضغوطاته، بإعلامييه و سياسييه …

كلمة حرة مسؤولة حتى لا تبقى قيم العدالة و حقوق الانسان و حريات الناس وعقائدهم رهينة لصناع الفرجة السياسية و هم يدافعون جماعات و فرادى عن الفصل “الجامد” للسلط و عن (العام زين ) مع وجود الدستور و القوانين !

المغرب كباقي دول المغرب الكبير تونس و الجزائر اساسا مع فارق في بعض الجزئيات و التفاصيل حيث الإشكال في جوهره واحد و متصل بواقع المحامي في وجوده بين مطرقة الدولة و سندان المجتمع حين يفرز قوى الظلم و الاستبداد حيث يبقى المحام جراءها في عزلة كلما تراجع الى الخلف زاد عليه الطوق انسدادا و انغلاقا فلا يكون له من مفر سوى الصد و المواجهة ان اراد الا يموت “حيا” في جداول هيئته دون رأي و لا موقف و لا كبرياء؟
في المغرب كما عند جيراننا المحامي في خطر !

في سنوات الجمر و الرصاص زملاء لنا آزروا انقلابيين و ثوارا و أعداء للدولة و النظام و لم ينتقم منهم احد بمناسبة مزاولتهم لمهام الدفاع، لا متابعة و لا مطاردة و لا قتل و لا ترهيب ولا سجن …ربما بل الاكيد ان المغفور له الحسن الثاني كان يرى في تعامله مع المحامين فرصة لإظهار الجانب العصري و الحضاري من شخصيته كملك و رجل دولة لا يقل تحضرا في هذا الباب عن رؤساء و ملوك دول عريقة في العدالة و طقوسها و مؤسساتها …

ماذا حصل حتى نرى محاميا توبع و حوكم و أدين غيابيا بسنة و ثمانية اشهر سجنا نافذة على كلام دافع به على مناضلي حراك الريف من خلال تصريحات و تدوينات من بين آلاف التدوينات المؤيدة و المعارضة للحراك وراء ها سياسيون و حقوقيون و مثقفون، و محامون في الجهة المقابلة ينوبون و يمثلون قوى الامن و تحاليل الدولة و مؤسساتها ..

ماذا حصل حتى نتجمد و نغرق أفواهنا في الرمال و نجيز قمع زميل لنا شاب في مقتبل العمر لم يكن مجرما و لا منتحلا لصفة بل دافع باستماتة عن أفكاره و قناعاته المستمدة من قضية مركبة و معقدة لا احد يملك حقيقتها بالكامل فبالأحرى تفاصيلها، حقيقة لا يمكن على كل حال ان تعكسها الاحكام القضائية بما تنطوي عليه من نسبية و شكوك تلغي امكانية الاطمئنان لعدالة تحمل أعطابا و ندوبا لم تندمل بعد ويصعب موضوعيا تجاوزها …

كيف ركبت اجزاء “المقصلة” على مرأى و مسمع منا ولم ترتعد فرائصنا و لم تخفق قلوبنا خوفا من القادم ولم يخطر ببالنا ان الثور الأبيض مجرد بروفا لقياس درجة الحياة و الكرامة في شراييننا …
صدر الحكم باسم جلالة الملك و طبقا للقانون و في غياب المحامي المتهم عبد الصادق البشتاوي، آوته فرنسا و منحته اللجوء السياسي …طوي الامر و انتهت الحكاية …و لان التاريخ ليس احادي الاتجاه كما يبدو فان في الحكاية درس و معنى من حقنا ان نعود اليها حتى لا ننسى!

اما محاولة “عزل “النقيب محمد زيان و الاستاذ إسحاق شاريا عن فضائهما المهني فهي قصة اخرى حيث تمت متابعتهم بوابل من المتابعات المشفوعة بأحكام و قرارات لا يتحملها الا صبور معاند عاشق للمهنة قد نختلف معه لكن لا نستطيع ان نشكك في قوته و غيرته على مهنة الشرف، و للتذكير فان كل المتابعات مرتبطة بتصريحات و مرافعات انتقلت من محاضر الجلسات الى افعال على صفحات محاضر الضابطة القضائية و ربما بعده صيغت في شكل حيثيات للنطق بالأحكام و القرارات …

ماذا حصل …حتى يقع كل ما وقع؟ كيف نرضى ان نتجرع كل هذه الضربات! في صمت رهيب و ببرودة اعصاب غريبة و بمقتضى ضبط للنفس لا مثيل لضبطه في وقت تتسع فيه دائرة الهجوم و التضييق على حرياتنا و حصانتنا !

ارتأيت ان اذكر ببعض مشاكل و فصول تاريخ مهنتنا ليس للنقد من اجل النقد فقط و ليس تبخيسا لعمل اي جهة لان التاريخ وحده كفيل بتحييث الاحكام و النطق بها في الوقت المناسب، بل بهدف بداغوجي مقصود و مرتب له هو ان نضع شباب المهنة في قلب تاريخ مهنتهم و في جوهر مقاصدها النبيلة في تحقيق العدل و الانتصار للمظلومين بجرأة و علم و ثقافة واخلاق و حب للوطن بعيدا عن الصغائر …

شاهد أيضاً

حقوق المعارضة من خلال القانون التنظيمي 113.14 للجماعات

أتى القانون التنظيمي للجماعات بمفهوم المعارضة لأول مرة على مستوى التدبير المحلي، فرغم ان هذا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *