المقاربة القانونية والحقوقية لتدبير ملف الهجرة واللجوء وتدفقات الحدود
تشكل ظاهرة الهجرة والتحركات البشرية عبر الحدود إحدى أكبر التحديات الجيوسياسية والحقوقية المعاصرة التي تتداخل فيها مقتضيات السيادة الوطنية مع مقتضيات النظام العام الدولي ولإلتزان بإحترام حقوق الإنسان. ولم تعد مسألة تدبير الحدود وتدفقات اللجوء مجرد مقاربة أمنية زجرية ضبطية، بل أضحت إختبار حقيقي لمدى ملاءمة التشريعات الوطنية للسكوك والمواثيق الدولية، ومدى قدرة الدولة على التوفيق بين حماية إقليمها وسيادتها الوطنية وبين مبدأ كفالة الكرامة الإنسانية لكل فرد يتواجد تحت ولايتها القضائية بصرف النظر عن وضعه القانوني.
وتستند المنظومة الحقوقية الدولية للمهاجرين واللاجئين إلى جيل متكامل من المعايير والمعاهدات الناظمة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 وخاصة المادة 13 و14 منه اللتين تقران بحق الحركة وحق طلب اللجوء هربا من الاضطهاد بسبب من أسباب التمييز او التضييق على خرية الرأي والتعبير ، يليهما العهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والإجتماعية والثقافية لسنة 1966 اللذان يمتد نطاق حمايتهما إلى غير المواطنين دون تمييز. وفي مجال الحماية الخاصة للاجئين، تتصدر اتفاقية جنيف لسنة 1951 وبروتوكولها المكمل لسنة 1967 الآليات الدولية، حاسمة مبدأ أساسي وآمر في القانون الدولي العرفي وهو مبدأ عدم الإعادة القسرية Non-refoulement، والذي يمنع رد أو طرد أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطر حقيقي بالتعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو إضطهاد يهدد حياته أو حريته، وهو المبدأ الذي أُعيد تأكيده في المادة 3 من إتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984.
وتكتمل هذه الترسانة الدولية بالاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لسنة 1990، فضلا عن الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية وهنا نستحضر ميثاق مراكش 2018 والميثاق العالمي بشأن اللاجئين، واللذين أرسيا مقاربة دولية قائمة على المسؤولية المشتركة، وحوكمة الهجرة القائمة على الحقوق، ومنع الإتجار بالبشر وتفكيك شبكات التهريب ضمن سياقات تحترم الضمانات القانونية والمحاكمة العادلة.
وعلى مستوى الإتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، يتأرجح التنسيق الدولي والإقليمي بين منطق عولمة الضبط والأمن القائم على إتفاقيات إعادة الإعادة وإتفاقيات الحوار الإقليمي مثل عملية الخرطوم وعملية الرباط وإتفاقيات الشراكة المتقدمة مع الإتحاد الأوروبي، وبين الحاجة لإرساء الشراكات التنموية التي تعالج الجذور العميقة للهجرة غير النظامية. وفي هذا السياق، يتجلى التعاون الثنائي والإقليمي كأداة حيوية لتعزيز آليات المراقبة الحدودية المشتركة وتقاسم المعلومات الإستخباراتية وتفكيك الجريمة المنظمة عبر الوطنية، غير أن القيمة الحقوقية لهذه الإتفاقيات تظل مرهونة بشرط أساسي يتمثل في عدم إفتراض إستبعاد إلتزامات حقوق الإنسان، وضرورة أن تخضع جميع الاتفاقيات الأمنية للرقابة القضائية والإشراف الحقوقي لضمان عدم تحويل الحدود إلى مناطق خارجة عن نطاق القانون الدولي.
ضمن هذه الدينامية الدولية والإقليمية، يقدم النموذج المغربي تجربة فريدة بالمنطقة من خلال الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي أطلقت سنة 2013 كترجمة عملية للتوجيهات الملكية السامية وللمقتضيات المتقدمة لدستور 2011، وخاصة المادة 30 منه التي تضمن للجانب الحقوق والحرية الأساسية المعترف بها للمواطنين المغاربة وفق الشروط القانونية. وقد مثل إطلاق هذه الإستراتيجية تحول راديكالي ومفاهيمي نقل تدبير الملف من الطرح الأمني المحض إلى مقاربة إنسانية وحقوقية شاملة وإدماجية تتوافق مع التزامات المملكة الدولية. وقد تجسدت هذه المقاربة في تنظيم حملتين إستثنائيتين لتسوية الوضعية الإدارية لعشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين غير النظاميين الأولى سنة 2014 و الثانية الإستثنائية سنة2017، مما مكنهم من الحصول على سندات إقامة قانونية والحصول على حقوق أساسية كالتعليم والصحة والولوج إلى سوق الشغل والخدمات الإجتماعية، بالإضافة إلى إعادة إحيائها للمكتب الوطني للاجئين وعديمي الجنسية للبت في طلبات اللجوء بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
غير أنه تظل عملية تنزيل المقاربة القانونية والحقوقية في تدبير الحدود والتدفقات عبر الوطنية تواجه تحديات معقدة تتطلب التطوير المستمر. وتشمل هذه التحديات ضرورة إستكمال الملاءمة التشريعية من خلال الإسراع بإصدار قانون جديد يتلاءم مع المعايير الدولية بشأن الهجرة واللجوء كبديل للقانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية والهجرة غير المشروعة، وتطوير قانون خاص باللجوء يضمن كافة الضمانات الإجرائية لطالبي اللجوء، فضلا عن تنمية قدرات موظفي إنفاذ القانون والسلطات المكلفة بضبط الحدود وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة لإجراء الفرز الميداني المبكر للحالات المنعزلة، مثل الفئات الهشة والمصاعب المقترنة بضحايا الاتجار بالبشر والأطفال غير المصحوبين والنساء والمرضى.
ختاما، إن تحقيق توازن دقيق ومستدام بين حماية الأقاليم وسيادة الدول وبين إحترام حقوق المهاجرين واللاجئين يتطلب الانتقال الحاسم من سياسات الضبط الحدودية المقتصرة على المقاربة الزجرية، نحو حوكمة عابرة للحدود ترتكز على إعمال سيادة القانون، وتكريس المساعدة القانونية، وتوفير سبل الطعن القضائي الفعال، واعتماد برامج العودة الطوعية المحترمة للكرامة الإنسانية. كما يستلزم الأمر تعزيز التعاون الدولي المبنـي على المبدأ الحقوقي المتمثل في تقاسم الأعباء والمسؤوليات متكافئة بين دول المصدر والعبور والمقصد، بما يضمن صون الحقوق الأساسية للإنسان كركيزة صلبة لا يقبل الاستثناء تحت أي مبرر أمني أو سياسي.
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المكرز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.





