المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة 17)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية

(الحلقة 17)

قبل أن يعطى الضوء الأخضر لادارة السجن المدني للسماح بتجميعنا ، كنا نقيم في زنازن مختلطين مع سجناء الحق العام ومع معتقلي أسرة الجماعة ، ما عدا البهائيين كانوا معزولين لوحدهم ، وكان من حظ محسن عيوش وعبد الحفيظ الحجامي ومحمد بلمقدم أن يلتقوا ، ذات جمعة ، وكان ثاني يوم جمعة ، منذ يوم الايداع بالسجن ، في ساحة الحي اللاتيني ، المعروف بالكارتيي ، مع المرحوم محمد البشيري ، عضو قيادي في أسرة الجماعة آنذاك ( العدل والإحسان لاحقا ) ومن الأذرع الأساسية للشيخ عبد السلام ي س ، و الذي أخذ يخطب في ” المصلين ” السجناء ، مخصصا خطبته لوصم وتكفير المناضلين الاشتراكيين والشيوعيين بأنهم ملحدين الى آخر الأوصاف القدحية والتحريض المباشر ضد الرفاق.

وقد بادر بلمقدم بتعاون مع عيوش إلى ” صياغة ” مقترح فتوى ، مفادها أن خطبة الجمعة لا تجوز إلا في المسجد الجامع ، وقد عززها محمد بلمقدم بما يفيد ويؤكد من بعض الحديث النبوي الشريف . تفاعلت الإدارة إيجابيا ودعت البشيري إلى الكف عن إلقاء الخطبة في السجناء، ومنذئذ كنا لا ندعو بلمقدم سوى ب ” الفقيه ” . وفعلا كان فقيها لطيفا وهادئا، و لا يهدأ في علاقته مع المطالعة والقراءة، متخصصا ( على الخصوص ) في فكر حسن حنفي ، مقارنا وناقدا لفكر محمد عابد الجابري، القومية والوحدة والتراث والتحديث والحداثة، كان مفيدا ومنتجا، تسأله عن إشكالية او عن فحوى كتاب؛ فيمدك بموجز لما قرأه او تلخيص للأفكار ، كتب بخط جميل .

تشدك طريقته في الحديث وعرض الأفكار ، بيداغوجي لما للمصطلح من معنى . أما محسن عيوش ، فكان نبيها ومحللا ، ورغم ما كان يشاع عنه من نخوة وعناد وحدة في النقد والصراحة ، اكتشفنا كنهه الإنساني العميق ، فهو متواضع سلوكا ومتمكن معرفيا وواقعي لكن حريص على إحترام الحق في الاختلاف ، له قدرة على المحاججة والحوار ، ذكي اجتماعيا ، يوازي بين الجدية والمرح ، أحيانا يكون عصبيا وحاد اللهجة ، وقلقا ولكنه متسامح في آخر المطاف.

وكأغلب أطر منظمة العمل الديموقراطي الشعبي يؤمن بجدوى النضال الديموقراطي المؤسساتي ، لا يبخل عنك بالمعلومة المنتجة ، وقد شاركنا معطيات ذات حساسية كبرى ، من خلال الوثائق التي يستعين بها اثناء تحضيره لأطروحته حول موضوع ” البورجوازية المغربية …”، من خلاله اقتنعت أن محن السجن والمعاشرة الطويلة الأمد هي التي تكشف معدن الرفقاء ، كان دائما يلعن الجانب السلبي والسيء في العمل السياسي.

فبسببه فقد كثيرا من الأصدقاء ، لأن السياسة في نظره تخلق الخصوم وترفض الحياد والتعددية ، ولأنه يقدس قيمة الزمن ، فقد أبى إلى أن لا يفوت زمنه الإنساني ، وهو رهن الاعتقال ، فقرر أن ينجب من حورية الحوات ، رفيقة عمره النضالي وزمنه العاطفي ،خلال مقامه بالمستشفى ، شادي ، رمزا للحرية والحياة.

وقد كان ادريس البصري يستشهد ب ” خلوة ” عيوش كمنجز حقوقي عظيم ، سعدنا معه بالمولود ، حينئذ ، بدليل أن عبد الواحد فتار غنى و امتعنا بأغنية لفيروز ، لها علاقة بنفس الإسم . لقد خصصت هذه الحلقة لهذين “العشيرين ” ، لكونهما موضع ثقة وارتياح وأمان فكري وسياسي ، وعلامة إنسانيتهما ، أنهما ظلا يصلا الرحم ، وخاصة محسن وزوجته الفاضلة ، يتواصلا بصفة دورية ، وفي المناسبات .

كانا مدافعين عن المواطنة والحق في التكوين داخل ” حياة ريجنسي ” ، خاصة إذا اقترن حضور اسمهما بالحضور المعرفي والتربوي للحكيم عبد الحفيظ الحجامي ، والذي كان يغمرنا بحبه وحنانه ويلفنا بلطفه وجسارته ، ويحرجنا بخجله . ومن بين طرائفه الجميلة أنه عندما يحتد النقاش فيما بيننا ، يقول لي احترمني فأنا أكبر منك سنا ، فيتدخل محسن عيوش ويخاطبني ” فعلا عليك أن تحترمه فهو من قيدومي المعتقلين السياسيين ، أنسيت يوم قال لنا لأنه كان معتقلا مع والدك ” .

كان خدوما ، لا يدخر جهدا ، رزينا ومتواضعا ، ولن أنسى دعمه لطلبتنا من المعتقلين في مادة الانجليزية ، وكذلك ترجمته لعدة وثائق لفائدة ابن عمي الدكتور عبد الكريم المنوزي لدعم اطروحته .

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *