المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة 34)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية..

(الحلقة 34)

نطقت المحكمة الابتدائية بالرباط بأحكامها القاسية في حق الاتحاديين الذين اعتقلوا على خلفية وقائع ثامن ماي 1983، تتراوح بين سنة نافذة وسنتين موقوفة التنفيذ، كما حوكم كل من عبد الرحمان بنعمرو واليزيد البركة ومحمد بوكرين والعربي صادق الشتوكي، باعتبارهم أعضاء في اللجنة الإدارية الوطنية، بثلاث سنوات، ونفس الحكم صدر في حق محمد فلاحي، عضو مكتب فرع الاتحاد بالرباط، بسبب جوابه عن سؤال: هل كان حاملا، أثناء الواقعة لعصا، فقد رد بأن الاتحاديين لا يحملون الهروات وانما يحملون السلاح ضد النظام، فأوحي للقاضي بأن ” يسمره ” .

في حين حوكم مبارك الطيب الساسي وأحمد بنجلون بسنة نافذة. ومن بين من حوكموا بالحبس الموقوف حميد السويدي الرجل المثقف والتربوي المثابر (مستشار لاحقا بديوان أحمد العلمي الحليمي وزير الشؤون العامة، سأعود اليه بتفصيل لاحقا)، الذي كان له الفضل في تنسيق الزيارات ودعم المعتقلين، إلى أن يلتحق به عمر منير، عضو اللجنة الإدارية وعضو الكتابة الإقليمية لبني ملال، ومؤسس ونائب الكاتب العام للنقابة الوطنية للفلاحة، وذلك بعد خروجه من السجن على خلفية أحداث فرع الفقيه بنصالح إثر الشكاية التي تقدم بها المكتب السياسي للحزب. وكانت أول تظاهرة حضرتها، في بحر أكتوبر من سنة 1983 وأشرفا عليها معا “سياسيا وتنظيميا”، يوم إستقبالنا للفقيد محمد أطلس بالحاج من السجن المركزي بالقنيطرة، بعد أن قضى عشرين سنة، وبعد كان محكوما بالإعدام وتم تحويل العقوبة بمقتضى عفو ملكي إلى السجن المؤبد ثم المحدد في 20 عاما. كان استقبالا رائعا وشهيرا حيث عبأنا لاستقباله مناضلات ومناضلي الشبيبة الاتحادية بالدارالبيضاء (ما يفوق 130) وكذا بعض قدماء المعتقلين من أجيال مختلفة (التفاصيل لاحقا) .

وقد تفرغ عمر منير لتدبير بعض القضايا التنظيمية، وهو المعروف بشجاعته ونزاهته وتكوينه، ورغم وجهة نظره الخلافية مع بعض قياديي “الجناح” فقد ظل وفيا للفكرة الاتحادية ومضحيا بالغالي والنفيس في سبيل دمقرطة حزب القوات الشعبية، جريئا ومستقلا في ممارسته وتفكيره، ولحد يومه لم يتخل عن دعم المناضلين، في منطقة بني ملال / أزيلال، فعندما زرت صديقا لي بجماعة آيت أومغار، قريبة من مغارة “إيمي نيفري” نواحي دمنات، حكى لي عن عمر منير ومساندته الدائمة لساكنة المنطقة عبر جمعيتهم التنموية المحلية، بإعتباره أحد مؤسسيها. فقد خصص وجيبة شهرية كريمة. وقد تعرفت عليه كثيرا، يوم كان مكلفا بإحياء التنظيم بالدارالبيضاء.

وقد راكم سمعة طيبة لدى قدماء مناضلي بنمسيك / سيدي عثمان، (أحمد المنوزي واحمد طريق البزيوي وسلام الحلاب ومحمد اوكادا ومحمد بنموسى بوحق وانتظام مبارك وعبد الكبير مرسلي …) والذين أعجبوا بتواضعه و تكوينه ومعاملته الإنسانية المتميزة، فقد كان يذكرهم بالشهيد عمر بنجلون، القيادي الوحيد الذي كان يزورهم ويطمئن على أحوالهم وساعدهم على تدشين مقر فرع الحزب بالمنطقة بالشارع الذي اغتيل فيه شيخ العرب، فالفرع كان خطا أحمر بالنسبة للمخابرات، منذ تشريعيات 1963، يوم أطر
عبد الرحمان اليوسفي مهرجانا انتخابيا لفائدة الفقيد عبد القادر الصحراوي، باسم الاتحاد، في ملعب “لازونيس” اي الشبيبة بالفرنسية، منافسا لمحمد رضا كديرة باسم الفديك. وكذلك منذ واقعة اغتيال الشهيد أحمد أكوليز الملقب والمشهور بشيخ العرب، سنة 1964، بحي سيدي عثمان بطريق أولاد زيان ( شارع 10مارس حاليا، وهو تاريخ أول زيارة للحسن الثاني، 1982 لسيدي عثمان كملك، محاولة منه التصالح مع سكان “وراء الشمس” المهمشة بعد انتفاضة 20 جوان 81، حيث سبق له أن رافق الراحل محمد الخامس كولي للعهد عند تدشينه لمسجد باكستان).

لقد كان عمر منير ولازال يشتغل في صمت، قبل انسحابه في أحد مؤتمرات حزب الطليعة، بجدية وتفان، ودون ان يتباهى بمنجزاته، ولم يكن معروفا لدى أغلب الرأي العام السياسي والإعلامي، إلا بعد نشرنا كتعاضدية بكلية الحقوق لبيانات كثيرة تدين إختطافه سنة 1980، وتطالب بإطلاق سراحه، رفقة الفقيد أحمد بنجلون، والهاشمي فجري و اليزيد البركة ومنية شادي ( المشهورة كإعلامية بمنية البستاني)، واحتجازه لأكثر من شهر.

تبين، بعد الإفراج عنهم، أنهم كانوا محتجزين في “الكومبليكس” وهو معتقل سري بالرباط، حيث كانت الإستنطاقات، خلال فترة الاختطاف والاحتجاز تدور حول موضوع علاقتهم “التنظيمية والسرية” المفترضة مع تنظيم “الإختيار الثوري “بالخارج.

ورغم تظاهر الأجهزة الأمنية بمنحهم صك البراءة من شبهة ” الانتماء المزدوج”، فإن لعنة هذه الشبهة، ستظل تطاردنا جميعا كشرفاء و “متجدرين” إلى يومه، لأن العقل الأمني لازال يحتفظ في أرشيفه، بملصقات مدرجة فيها بالحروف البارزة “منظمة الاختيار الثوري ” المحظورة ، كامتداد ل” المنظمة السرية ( الجناح المسلح )للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، التي كان مناضلوها ( أغلبهم منحدرون من أسر المقاومة وجيش التحرير ) موضوع متابعات واعتقالات ومحاكمات واغتيالات واختطافات، منذ 1956.

فرغم المراجعات السياسية والفكرية، ستظل الشبهة تلازم جميع الاتحاديين الشرفاء والتائبين، مادام صمت “القبور” يطوق بوحنا الجماعي المحجور، ويلتف حول عنق الحقيقة الحزبية والتاريخية، وما يمكن الإقرار به، هو أننا كنا ضحايا شبهة العلاقة مع “الاختيار الثوري”، وما ذلك في الحقيقة الحقيقية سوى تمثل خفي لدى جهات كثيرة لشبهة تماهي العلاقات التاريخية “الملتبسة” والمتوارثة، افتراضا أو مجازا او حقيقة، بين القوات الشعبية والقوات المسلحة.

صحيح أن بعض شبابنا كانوا يتباهون بقراءتهم لجريدة “الاختيار الثوري”، والتي تبعث إلى جميع الهيئات والجمعيات، في بريدهم المعلوم أو غيره، و كان بعضهم يتبجح باتصاله او لقائه ببعض قياديي التنظيم، بل إن البعض كان يزعم انه ممثل او امتداد، وفي نفس الوقت يتهم مخالفيه، كما كان يتهم الوطنيون بمناصرتهم ل “عيشة قنديشة”. و وعلى هذه الوتيرة المبتذلة، ستخضع هذه الفزاعة للتوظيف، ليل نهار، من قبل العقل الأمني سواء كما العقلية الحزبية، حسب كل ظرفية او سياق .

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *