النموذج التنموي الجديد وإشكالية إعمال الحق في التنمية

عبد الله اكلا

التنمية أولا وقبل كل شيء هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، ويجب التعامل معها على هذا الأساس. وإلا فان أي مشروع تنموي لا يتضمن هذا البعد الحقوقي للتنمية، يكون مشروعا مخالفا للتوجهات الدولية المعبر عنها في إعلان الحق في التنمية الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 128/41 بتاريخ 4 دجنبر 1986، والذي على أساسه تم وضع أهداف الألفية الإنمائية 2000 و 2015.

فوفقا لهذا الإعلان يعتبر الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية، وينبغي أن يكون المشارك النشط في الحق في التنمية والمستفيد منه (المادة 2). والحق في التنمية باعتباره حقا من حقوق الإنسان الغير قابل للتصرف، يرتكز على دعامتين أساسيين، الدعامة الأولى تتمثل في حق كل إنسان وكل الشعوب في المشاركة والإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية إعمالا تاما، أما الدعامة الثانية فتتمثل في حق الشعوب الغير قابل للتصرف في ممارسة السيادة التامة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية (م.1).

وإذا كانت جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية متلاحمة ومترابطة (م 5)، فان إعمال الحق في التنمية، كما هو منصوص عليه في ديباجة هذا الإعلان، يستوجب القيام بعمليات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة، تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها. فالحق في التنمية إذن له وجهان مترابطان، المشاركة في الحق في التنمية والاستفادة من هذا الحق، وبدون ذلك يستحيل الحديث عن الحق في التنمية.

وطبعا فان الدولة هي المسئولة الرئيسية عن تهيئة الأوضاع الوطنية والدولية المواتية لإعمال الحق في التنمية، وتتحمل كامل المسؤولية عن هذا الإعمال (م. 3) نظرا لما تمتلكه من سلطة ومن وسائل. فالدولة ينبغي عليها إزالة كل العقبات التي تعترض سبيل التنمية والناتجة عن عدم مراعاة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية (م.6). كما ينبغي عليها اتخاذ جميع التدابير اللازمة لإعمال الحق في التنمية بجميع أركانه المتلاحمة والمترابطة، وذلك من قبيل ضمان تكافؤ الفرص للجميع في إمكانية وصولهم إلى الموارد الأساسية والتعليم والخدمات الصحية والغذاء والسكن والشغل والتوزيع العادل للدخل، وأيضا اتخاذ تدابير فعالة لضمان قيام المرأة بدور نشط في عملية التنمية، وإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية مناسبة قصد استئصال كل المظالم الاجتماعية (م.8).

ونظرا للدور الرئيسي للدولة في إعمال الحق في التنمية، فقد نصت النقطة الثالثة من المادة الثانية من إعلان الحق في التنمية على أنه من حق الدول ومن واجبها وضع سياسات إنمائية وطنية ملائمة، تهدف التحسين المستمر لرفاهية جميع السكان وجميع الأفراد على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها.

وفي هذا السياق أقدمت المملكة المغربية مؤخرا على إعداد تقرير مفصل حول ما سمي بالنموذج التنموي الجديد، أنجزته لجنة خاصة ترأسها وزير الداخلية السابق شكيب بن موسى، وذلك تنفيذا للخطاب الملكي ل 13 أكتوبر 2017، والذي أشار إلى الأهداف الكبرى لهذا النموذج التنموي، والمتمثلة في الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، والحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومواكبة التطورات الوطنية والعالمية (الخطاب الملكي ل 12 أكتوبر 2018). وقد تضمن هذا التقرير مستويين، مستوى تشخيصي للوضعية الراهنة للتنمية بالمملكة، ومستوى رسم معالم نموذج تنموي جديد لمغرب المستقبل، وطبعا بدون وضع قطيعة مع الماضي، وإنما بهدف وضع لبنة جديدة في المسار التنموي في ظل الاستمرارية، كما جاء في الخطاب الملكي ل 29 يوليوز 2019. وعلى هذا المستوى الثاني نسعى من وراء هذا المقال إلى إبراز مدى إعمال الحق في التنمية كما هو منصوص عليه في عدد من الإعلانات والاتفاقيات الدولية، وكما هي مسطرة في أهداف الألفية الإنمائية لما بعد 2015.

وهكذا وبالرجوع إلى الأطر المرجعية التي أسست عليها اللجنة تصورها للنموذج التنموي الجديد، كما تم التنصيص عليها في التقرير العام، لم يتم ذكر أي مرجع دولي، وإنما تم اعتبار الدستور كإطار مرجعي، بل أكثر من ذلك جعلت اللجنة من النموذج التنموي الجديد (امتدادا للدستور الذي يشكل إطاره المعياري من اجل ترجمة مبادئه إلى رافعات للتنمية وقيمه إلى مناهج للعمل). وبما أن الدستور يتضمن في تصديره، الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من الدستور، التأكيد على التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والالتزام بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء، وأيضا التزامه بجعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة. فان المرجعيات الدولية المؤطرة للحق في التنمية حاضرة ضمنيا حتى وان لم يتم التنصيص عليها صراحة.

هذا البعد الدولي يبرز بشكل واضح في المفهوم الذي أعطته اللجنة للتنمية، والتي اعتبرته مفهوما جديدا، وهو ليس كذلك، مادام مفهوم التنمية المستدامة دخل قاموس الخطابات التنموية الدولية والوطنية منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، فوفقا لما أوردته اللجنة في التقرير العام، فان مفهوم التنمية في النموذج التنموي الجديد ينبني على كونه مسارا شموليا ومتعدد الأبعاد، وقد سبق لنا أن أوردنا التعريف الذي وضعه إعلان الحق في التنمية لهذا المفهوم، حيث اعتبره عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة، وفي إطار الاستدامة أضافت اللجنة عبارة (الأخذ في الاعتبار لزوم تثمين الموارد والحفاظ عليها للأجيال القادمة). إلا أن الملاحظ بخصوص هذا المفهوم أن اللجنة لم تعتمد نفس الصياغة اللغوية المكرسة في إعلان الحق في التنمية بخصوص الهدف من عمليات التنمية، فالإعلان نص على أن هذه العمليات هدفها التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم، على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة، في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها. في حين لجأت اللجنة إلى صيغة فضفاضة بإشارتها إلى أن التنمية تعكس دينامية حميدة لخلق الثروة والتنمية البشرية لفائدة كافة المواطنين، ومع ذلك فان التعريف العالمي للتنمية حاضر بقوة في مضامين النموذج التنموي الجديد، فمما ورد فيه (ولا يستهدف هذا التحول الخلق الواسع للقيمة المضافة فحسب، ولكن كذلك توزيعا منصفا للثروة بين جميع المواطنين، كما لا يفضي هذا التحول فقط إلى تحقيق إنتاجية أكثر، بل أيضا، إلى توسيع نطاق الفاعلين المعنيين بعملية الإنتاج).

إلا انه بالرجوع إلى المكونات الثلاث التي أسست عليها اللجنة النموذج التنموي الجديد لمغرب الغد، نجد بأن مرتكزات إعمال الحق في التنمية غير حاضرة بقوة، وربما هذا ناتج عن عدم جرأة اللجنة في التشخيص الكامل للكوابح المعرقلة للتنمية، بالرغم من كون ملك البلاد انتظر منها (أن تباشر عملها بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول) مقتطف من خطاب الملك محمد السادس ل 29 يوليوز 2019. ذلك أنه كيف يمكن أن نتحدث عن طموح من اجل المغرب في أفق 2035 دون الحديث عن إزالة كل العقبات التي تعترض سبيل التنمية الناجمة عن عدم مراعاة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ فالإشكال لا يتعلق فقط بغياب الثقة في المؤسسات السياسية، وإنما وهذا هو الأخطر، الاشتغال السيئ لهذه المؤسسات (وقد أشارت اللجنة في تشخيصها لبعض أوجه الاخلالات في عمل بعض المؤسسات السياسية).

ومهما كان الأمر، فان الطموح الذي وضعته اللجنة لمغرب 2035 هو عموميته مهم للغاية، والاختيارات المرتبطة بهذا الطموح تبرز مداخل عديدة لتكريس الحق في التنمية، وبالتالي تحقيق الأهداف الخمسة المرجوة من هذا النموذج التنموي الجديد والمتمثلة في الرخاء والتمكين والإدماج والاستدامة والريادة الجهوية.

ومع ذلك فان إعمال الحق في التنمية، في ظل النموذج التنموي الجديد، لن يتحقق إلا عبر تهيئة كل الظروف المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في سيرورة التنمية. وأول مدخل لذلك يرتكز على تصفية عدد من الملفات الحقوقية التي تسيء لسمعة المغرب الدولية في مجال احترام منظومة حقوق الإنسان، وتؤثر بشكل سلبي في انخراط المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن العام. ويأتي على رأس هذه الملفات ملف معتقلي حراك الريف ومعتقلي الرأي، إذ يتوجب على الدولة إطلاق سراح كل المعتقلين، ونحن ننوه هنا بما تضمنه التقرير العام للنموذج التنموي بخصوص المرجعية الجديدة للتنمية، حينما أكد على أن (الأسلوب التقليدي لاشتغال الدولة القائم على دورها المركزي والرقابي…يبدو اليوم أقل وجاهة….)، إلا أننا نعتقد بأن الوظائف التي حددتها اللجنة للدولة الأفضل ينقصها ركن أساسي بدونه لن نتمكن من غرس الثقة لدى المواطنين والفاعلين، هذا الركن هو بناء دولة عادلة مكرسة للعدل وملتزمة بالاحترام التام للقوانين التي تصدرها.

وإذا كان التقرير قد أشار إلى توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، أثناء حديثه عن التاريخ كدعامة للتنمية، فإننا نعتقد بأن العمل الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة مهم للغاية، ويجب على الدولة تفعيل توصيات هذه الهيئة. أما اقتراحات اللجنة بخصوص التاريخ، وان كنا متفقين معها في بعض النقط، إلا أننا وجدنا تناقضا بينا في نظرة اللجنة إلى التاريخ، ففي الوقت الذي تتحدث فيه عن الاعتزاز والفخر بالجذور، تقترح التعامل مع التاريخ كمادة جافة لا تحمل في طياتها أية أبعاد هوياتية، وطبعا نحن ندرك جيدا الأسباب العميقة التي تحكمت في نظرة اللجنة إلى التاريخ، وقد سبق لبول فالري أن قال (التاريخ أخطر علم أنتجه الفكر البشري).

وفي الختام، نشير إلى أن العمل الذي أنجته اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، هو خارطة طريق يمكن اعتمادها في وضع الاستراتيجيات التنموية الكفيلة بإعمال الحق في التنمية. وهذا لن يتحقق إلا إذا توفرت الإرادة القوية لدى الدولة لإعمال هذا الحق.

شاهد أيضاً

لقى أثرية تنتمي للحضارة العترية في موقع الهرهورة

تم العثور على لقى أثرية بموقع مغارة المهربين بمنطقة تمارة، تعود إلى الحضارة العترية اي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *