تداول السلطة بين الحقيقتين الثورية و الإعلامية

مصطفى المنوزي

على سبيل التذكير ، نشير إلى أنه في مثل هذا اليوم من سنة 1789 قررت الجمعية الوطنية بفرنسا إلغاء النظام الفيودالي ؛ فهل لدينا فعلا بورجوازية وطنية صافية وغير هجنة لاتخاذ نفس القرار التاريخي ؟ وما هي حظوظنا لبلوغ نفس الغاية ؟

إن المغاربة جربوا كثيرا من الأشكال ، إبتداء من العنف الثوري أوالكفاح المسلح إلى العمل الإصلاحي المسمى تجاوزا بالمسلسل الدمقراطي أو الخيار الدمقراطي ، بعد عديد من الانتكاسات والمراجعات والتسويات ، وكان آخرها وليس بأخير ، تجربة التناوب التوافقي ، والتي لا يمكن تبخيس نتائجها أو تعظيمها ، لأن المهم ، في ظل الهشاشة التنظيمية والسياقات العامة ، بعد سقوط جدار برلين وتمثال صدام ( رمزا المنظومة الإشتراكية وكذا رأسمالية الدولة القومية ) ، المهم هو أن التناوب كان مفيدا ، و إن كان قسريا أو توافقيا ، والمهم هو وعي بعضنا بمحدودية مردوديته ووقعه الاجتماعي.

ورهاننا كان مجرد مدخل تجريبي لقياس إرادة التجاوب مع مطلب الملكية البرلمانية ، المقترح منذ 1975 ، كمقابل للقطع مع الإزدواجية، ولم يكن أبدا رهانا قطعيا او خيارا استراتيجيا ! ومع ذلك فعلى علته كان مزعجا وتمت الحيلولة دون استمراره ، بذريعة انه كان مجرد تهيئة الأجواء لانتقال سلس للحكم من ملك الى ملك ، بدليل ان مهندس التناوب أعفي مع الإحتفاظ بحزبه ليلعب دور ” الإطفائي ” عند الإقتضاء !

وما دامت الملكية البرلمانية مجرد خط مرحلي فهي مطلب ، والدمقراطية خيار استراتيجي ولا تكون مجرد مطلب الا لدى من يختزلها في كذا وسيلة (الانتخابات ) فقط ، وقد نتفق مع الذين يعتبرون أن مطلب الملكية البرلمانية هو ثمرة تسوية سياسية وثقافية ، لكن ما هي عروض الأطراف وضغوطاتها أيضا ، أو على الأقل ما هي تنازلات كل طرف على حدة في ظل موازين قوى واضحة ؟ وهل يمكن تعديل الاختلال بناء على حصة الأصوات أوالمقاعد أم لابد من قياس الإمتداد الجماهيري .

ولأن النضال محتوى قانوني وقيمي وفعل جماعي وميداني لا معنى للتبجح بأية ديموقراطية إذا لم يتم احترام القانون الذي ينظم العلاقات فيما بيننا ، فالقانون تعاقد ومعبر عن أسمى الإرادة والحرية اامؤطرتين لأشكال تواصلنا وطريقة إبرام قراراننا وتحديد مصيرنا المشترك . فعدم الانضباط لما ابرمناه فيما بيننا من التزامات متبادلة ، فوضى لا يمكن ان تبرر سلوكاتنا المخالفة للضوابط التي تعاهدنا والتزمنا معا بالخضوع لها ، وهي موثقة ضمن القانونين الأساسي والداخلي ، كشريعة بين المتعاقدين . من هنا فإن كل اشتغال خارج الضوابط القانونية لا يعتد به وهو والحالة هاته والعدم سيان ، لذلك فالسياسة قد تكون مزدهرة بفضل نعمة التواصل المنتج للتوافق حول الحد الأدنى المشترك ، بفضل الحوار السلمي المباشر الخالي من الوصم و التكفير والتخوين ، فالسياسة هي فن الممكن وإبداع الحلول لما هو يبدو مستحيلا بعقلانية وتبصر وواقعية.

فقديما نصحنا مؤطرونا بأن نتمرن على تجريب التحليل الملموس للواقع الملموس ، لكن أغلبنا فشل عند محطة التحليل المحسوس للواقع المحسوس ، رغم أنه لا احد منا يملك الحقيقة الثورية ، والحق في الكرامة حقيقة تتبلور عند الاحترام المطلق للحق في الإختلاف ، والصراع كالهوية لا تؤطره التوابث المبنية على الجمود العقائدي ، والتي لا يمكن للفعل المدني أن ينوب وكالة عن الفعل الحزبي ، خاصة في ظل غرور السلطة الرابعة التي تحاول السطو على أداور الفاعلين السياسيين وكذا الحقوقيين دون موجب دستوري ولا قانوني ولا مؤسساتي حتى ، في ظلال معركة أخلاقوية محضة لن تنتج إلا مزيدا من الغبن السياسي والتدليس الثقافي .

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *