خديجة المرابط أستاذة التحليل النفسي بجامعة أمستردام، في حوار مع “العالم الأمازيغي”

ولدت خديجة المرابط في هولندا، وعادت لمسقط رأس عائلتها في نواحي الناظور، بعد غياب دام 20 سنة. عادت خديجة لا لتبقى، بل لاقتفاء أثر جدتها “ماما علال”، التي حيكت حولها الكثير من الأساطير، عادت لتصالح ذاكرتها ووالدها الذي رحل على غير وفاق مع ابنته “المتمردة” التي اختارت أن تعيش حياة امرأة حرة في هولندا.

في هذا الحوار الذي أجرته معها “العالم الأمازيغي” تحكي خديجة المرابط تفاصيل مشوقة عن حياتها، وعشقها لجدتها “ماما علال” ولغتها “الأمازيغية.

مرحبا بك أستاذة خديجة المرابط، بداية نود أن نقرب قراء “العالم الأمازيغي” منك أكثر، من تكون خديجة المرابط؟

توفيت جدتي “ماما علال” سنة 1978، وبعد عام من ذلك قام والدي، على غرار ما فعله العديد من المغاربة المقيمين بأوروبا، باصطحاب أسرته المكونة من زوجة وطفلين، من مدينة مليلية التي كانو يقطنون بها، إلى العاصمة الهولندية أمستردام، وهناك رأيت النور وترعرعت واندمجت حتى أنني مكثت هناك أزيد من 20 سنة لم أقو فيها على زيارة المغرب.

رغم إتقاننا للغة الهولندية من خلال المدرسة وقوة الاحتكاك بالمجتمع الهولندي، إلا أن والداي كانا حريصين جدا على تعليمنا اللغة الأمازيغية، حيث أنه لم يكن مسموحا داخل البيت أن نتحدث بالهولندية، وكنت أنزعج من هذا الأمر كثيرا، ولم أفهم الأمر إلا بعد أن كبرت وسرت ناضجة، فأنا الآن جد سعيدة كوني أتحدث معك الأمازيغية، لغتي الأم، وبات بإمكاني زيارة أهلي بالريف والتواصل معهم بطلاقة.

التحقت بالمدرسة الهولندية في سن مبكرة، وفي المرحلة الجامعية اخترت دراسة فلسفة المنطق وفلسفة الرياضيات، حيث تحصلت على ماستر في التحليل النفسي من جامعة أمستردام، وكان أحد إخوتي أيضا قد درس بنفس الجامعة، إلا أن إمكانية متابعة الدراسة بالجامعة ليست متاحة لجميع المهاجرين، لأن الطلبة يتم توجيههم إلى التكوين المهني مبكرا، إذا ما كانت حالة والديهم المادية ضعيفة.

أشتغل اليوم “بجامعة أمستردام” أستاذة باحثة في قضايا التسامح والميز العنصري بالمجتمع الهولندي، خاصة مدينة أمستردام التي تتميز بتعايش أزيد من 150 جنسية من مختلف مناطق العالم، وأقوم بتعريف الطلاب الأمريكيين بمختلف الجامعات الهولندية، إلى جانب ذلك تم تعييني مؤخرا كمسؤولة عن انتقاء الطلبة الأجانب الراغبين متابعة دراستهم المعمقة بجامعة “free university” بأمستردام، كما اشتغلت قبل ذلك سائقة لميترو الأنفاق بذات المدينة.

كل هذا بالنسبة لي يعتبر نجاحا كبيرا، لكن هل إمكانية النجاح والاندماج في المجتمع الهولندي متاحة للجميع؟

ليس كل من يعيش في هولندا يحقق نجاحا في حياته، فإلى جانب العمل الجاد من أجل بلوغ الأهداف هناك أيضا جانب من الحظ يلعب دورا كبيرا، فالكثير من المغاربة هناك، رغم محاولات تسترهم عليها، يعيشون أوضاعا سيئة، حيث أنهم فقراء ولا تكفيهم تعويضات الحكومة الهولندية لتوفير مستلزمات أبنائهم لمتابعة الدراسة، ويضطر الكثير من الشباب للمزاوجة بين العمل والدراسة حتى يتمكنوا من مساعدة عائلاتهم.

لذلك فالكثير من أبناء المهاجرين الذين يعيشون بأوروبا يفضلون مغادرة مقاعد الدراسة مبكرا والاتحاق بمهن مختلفة من أجل الحصول على بعض المال لإنفاقه على أسرهم هناك في المهجر، وكذا مساعدة عائلاتهم هنا في المغرب، إلا أن هذا لا ينفي أن عددا من المهاجرين تمكنوا من متابعة دراستهم وحققوا لأنفسهم مراتب متقدمة في المجتمع الهولندي والأوروبي عامة.

تحدثنا عن الاندماج في المجتمع الهولندي، ألا يمكن أن يكون الميز العنصري أحيانا عائقا لهذا الاندماج؟

لا أحد ينفي وجود الميز العنصري ضد المهاجرين، سواء في هولندا أو في جميع بلدان الاستقبال، وأنا بنفسي رغم ازديادي بهولندا فقد ذقت مرارة هذا الميز، لكن صراحة ليس كل الهولنديين عنصريون فالكثير منهم منفتحون ويحبون الآخر، إلا أن تنامي المد اليميني المتطرف بات أمرا مقلقا لجميع المهاجرين.

أصبحنا اليوم نسمع حديثا عن الرغبة في الحد من عدد المهاجرين المغاربة، وهو أمر لم تكن لتسمعه قبل عشر سنوات أو عشرين سنة من الآن، لغة السياسة تغيرت وأصبحت تتجه نحو اليمين، لكن الأمر لا يتعلق بهولندا وحدها وإنما أصوات اليمين باتت تعالا في مختلف البلدان الأوروبية.

ما تفسيرك لهذا التغيير الذي طرأ على السياسة الهولندية تجاه المهاجرين، هل لذلك علاقة بالإرهاب مثلا؟

باعتقادي من وجهة نظر سوسيولوجية فإن هولندا التي كانت تعتبر عبر التاريخ بلدا للنفتاح والتعايش، واستقبلت عبر عقود مهاجرين من مختلف الجنسيات، فإن الأمر لا يعدوا أن يكون صورة تسوقها الحكومة الهولندية للعالم، لكن الحقيقة أن العنصرية كانت دائما متفشية في المجتمع الهولندي رغم كونها لا تظهر للعلن.

ويعتبر المغاربة أكثر تضررا من هذا الميز لأنهم يشكلون أكبر نسبة من المهاجرين بهولندا، كما أن الجزائرين يمثلون نسبة كبيرة في فرنسا ويعانون من الميز أيضا، ويمكن تفسير ذلك بتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، فهم يعادون المغاربة والجزائريين رغم وجود عدد من الجاليات المسلمة الأخرى، وتعتبر النساء أكثر تضررا من هذا الميز.

هل هذا السبب هو الذي دفعك لإنتاج الفيلم الوثائقي “رحلة خديجة” بمعية طارق الإدريسي؟

تعرفت على طاق الإدريسي خلال عرضه لفيلمه الوثائقي “brises le silence” بهولندا، حيث تأثرت كثيرا بمشاهد الفيلم، فقمت بمعية الشاعر عبد القادر بنعلي بالتحدث إلى مخرج الفيلم، وكانت فكرة بنعلي أن أشتغل معه ومع المخرج طارق الإدريسي من أجل الاشغال على شريط وثائقي يسلط الضوء على جزء من حياة المهاجرات المغربيات بهولندا فوافقت على الفكرة دون تردد.

في البداية كانت الفكرة أن نشتغل على حوارات أجريها مع عدد من النساء المهاجرات بهولندا والمغرب، لكن عبد القادر عندما سمعني ذات يوم أتحدث مع زوجته حول قوة جدتي “ماما علال” وبسالتها، فاقترح علي أن تكون جدتي هي محور الفيلم الوثائقي الذي سنشتغل عليه، ما يعني أن عائلتي كلها ستصبح معنية، ترددت حينها، خاصة وأنني لم أزر عائلتي بالمغرب منذ 20 سنة، لكن بعد تشجيعات عبد القادر وصديقاتي، اقتنعت بالفكرة.

بدأنا الاشتغال في أكتوبر 2015، حيث لم تكن قد مرت على وفاة والدي إلا ستة أشهر، بدأنا التصوير في هولندا، وكلي حسرة على فراق والدي الذي لطالما كنت على خلاف معه، فانطلقنا من صورة جدتي “ماما علال” حيث تحدثت في بداية الفيلم عن أملي في العودة إلى الريف لأشفي غليلي بما يكفي من معلومات عن جدتي البطلة وعن عائلتي بصفة عامة، ثم انتقلنا لتصوير مشاهد من عملي اليومي في سياقة الميترو، لنحلق بعدها إلى سماء الناظور التي لم أزرها منذ 20 عاما.

كيف كان إحساسك عند عودتك إلى الريف بعد 20 سنة من الغياب؟

فعلا لم أزر الريف منذ ما يزيد عن 20 سنة، إلا أنني كنت أزور المغرب خلال سنوات 2013 و2014 من أجل العمل، خاصة مدينتي الرباط والدار البيضاء، لكن بالنسبة للريف كان الأمر صعبا، ليس لأنني لم أكن أرغب في زيارة أهلي، لكن أمورا كانت تحول دون مجيئي إلى الريف في كل مرة أقرر فيها ذلك، وما رأيته من مشاهدة مفعمة بالأحاسيس في حضن عائلتي لم يكن تمثيلا ولا سينارو معدا من قبل، بل كل ما صور من مشاهد كان يحدث في اللحظة ذاتها، بل لم أعلمهم بمجيئي حتى.

لم أكن أطيق زيارة المغرب رفقة والدي، لأنه كان يتركنا في البادية أو في أحسن الأحوال بمدينة أزغنغان، بينما يسافر هو ويزور مختلف المناطق، بينما هناك بهولندا كانت لدي حرية أكبر، وكنت أسافر إلى مختلف جهات العالم، لذا فقد كنت أضيق ذرعا من زيارة المغرب. هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من الرجال كانوا يأتون لخطبتي في كل مرة أزور فيها المغرب، وكنت أنا لا زلت صغيرة على سن الزواج، فكان ذلك يضايقني.

إلا أنه بعد زيارتي الأولى للريف أصبحت اليوم أزوره أكثر من خمس مرات في السنة، إضافة إلى زيارة مختلف المدن المغربية، وبفضل إتقاني للأمازيغية فإنه لا أجد أي مشاكل في التواصل مع أبناء وطني.

حاورها: كمال الوسطاني

شاهد أيضاً

فدرالية رابطة حقوق النساء: فن الكاريكاتور في خدمة المساواة

نظمت فدرالية رابطة حقوق النساء بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية معرضا للوحات الكاريكاتورية، بمناسبة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *