أخبار عاجلة

خصوصية لغوية أمازيغية ..!

drhaloui_475442582_878320651
بقلم: د. عبد الله الحلوي

من الفرضيات الخِلافية التي قامت عليها لسانيات العالم اللغوي المعروف نوعام شومسكي أن التركيب (أي تلك الآلة العقلية التي تجمع الكلمات في جمل باستعمال قواعد مخصوصة) هو المكون المركزي للغة الإنسانية. إلا أن هناك من علماء اللسانيات من انتقد هذا الفهم كاللساني والفيلسوف الأمريكي ”راي جاكيندوف“ الذي حاول أن يبين بأن التصورات العقلية للعالم هي مركز اللغة والمبدأ الذي تقوم به معاني المفردات. من هؤلاء النقاد أيضا عالم صيني اسمه ”يان هوانغ“ حاول أن يبين أن هناك أن نوعين من اللغات: تلك التي تعتمد في تعابيرها اللغوية على التركيب أكثر من أسلوب التداول (كالإنجليزية) وتلك التي تعتمد على أسلوب التداول أكثر من التركيب (كالصينية).

الهدف من هذا المقال أن أوضح بأسلوب يفهمه غير المتخصص أن المعجم (أي الخزان الذهني لمباني المفردات في اللغة ومعانيها) يلعب دورا محوريا في اللغة الأمازيغية.

فعل الغسل في الأمازيغية

من مظاهر مركزية التركيب في بعض اللغات كالإنجليزية أن لزوم الفعل (كونه لا يتوفر على مفعول به) أو تعديه (كونه يتوفر على مفعول به) أو انعكاسيتة (توفره على مفعول يعود على الفاعل) يتحدد بسياق الفعل لا بصورته المعجمية. من ذلك مثلا أن الفعل الذي يدل على معنى “غسل” بالإنجليزية هو wash فنقول: John washed الملاحظ أننا عندما نستعمل هذا الفعل على اللزوم فإن المعنى يكون هو “اغتسل جون” أي “غسل نفسه”. إلا أن هذا الإستعمال الإنعكاسي لا يجوز بالنسبة للفعل hate “يكره” فلا نقول John hates بمعنى “كره جون نفسه”. ومقابل الفعل الإنعكاسي wash غير موجود في الهولاندية فلا يجوز إلا إذا أضفنا إليه نوعا من الضمائر المنعكسة فنقول Jan waste zich أما في الأمازيغية فإن استعمال فعل “ئسّيرد” يفيد اللزوم والإنعكاس معا، فيكون معناها “غسل” و”اغتسل” كليهما. لكن ما يعقد المسألة أننا إذا أردنا أن الشيء مغسول بذاته بحيث لا نعرف من غسله، استعملنا فعل “يارود”. وإذا قصدنا أن المغسول شيء موضوعي استعملنا فعل ‘إڭُّا”. وإذا كان الغسل بالصابون أو ما يقوم مقامه استعملنا فعل “إسفلولو”. وإذا كان الغسل بدون دَلْكٍ أو فرْك نقول: “ئسليل” … مقابل كل هذه الكلمات في الإنجليزية هو فعل wash لذلك أعتقد أن الأمازيغية من اللغات التي يلعب فيها المعجم دورا أكبر بكثير من المساحة الصغيرة التي توهم شومسكي أن المعجم ينحصر فيها.

ما معنى نيت؟

ومما يشهد لمركزية المعجم في اللغة الأمازيغية أن الظروف، وهي ألصق الوحدات المعجمية بالتركيب، لا يتحدد معناها بالسياق التركيبي الذي ترد فيه بل بالعلاقة الخِطابية بين المُلقي والمتلقّي. من ذلك مثلا استعمال الظرف “نيت” كما في قولك “نتّا نيتْ” التي يترجمها متكلمو الدارجة المغربية ب”هو نيتْ”. ما معنى “نيتْ”؟ عندما تستعمل هذه العبارة، فإنك تفترض بأن المستمع ربما يفترض بأن الأمر الذي تتحدث عنه متعلّق بأشخاص آخرين غير”هُ” .. فتستعمل “نيت” لتنفي هذا الإفتراض وتثبت أن هذا الأمر متعلق ب”ه” أيضا.

تخيل مثلا أنك نظمت اجتماعا ودعوت له شخصا اسمه أنير فقلت” نتّان نيت ئمّڭنت …” (ئمڭن = حضر). تخيل أن أنير (وهو الشخص الذي تشير إليه بالضمير “نتّا”) شخص مهم جدا حتى إن المستمع لا يتوقع بل لا يصدق إمكانية حضوره. في هذه الحالة “نيت” تتحدى عدم توقعك وعدم تصديقك. فقد كان المستمع يفترض أن الحاضرين هم فقط أناس أقل شأنا من أنير، لكنك، باستعمالك ل”نيت” ستنفي افتراض المستمع لتثبت بأن أنير أيضا كان من بين الحاضرين.

يسمي المتخصصون التعابير اللسانية التي تؤدي وظيفة “نيت” ب”أدوات التأكيد المنعكسة reflexive emphatics. تستعمل أداة التأكيد المنعكسة في الأمازيغية مع الأسماء (“مرّاكش نيت”: افتراضك بأن مراكش ليس هو المعني هو افتراض غير صحيح) والأفعال (“ئرول نيت”: افتراضك بأنه لم يهرب افتراض غير صحيح) والنعوت (“ئمّيم نيت”: افتراضك بأنه غير حلو هو افتراض غير صحيح) وأسماء الإشارة (“غُّاد نيت”: افتراضك بأن المعني ليس هو هذا هو افتراض غير صحيح) …

كلما استعملت عبارة “نيت” ففي استعمالي لها علامة على موقف ما ممّا يعتقده المستمع أو لا يعتقده، ما يفترضه أو لا يفترضه .. عندما أتحدّاك قائلا “زريغ أنير نيت” (بالدّارجة: “شْفْتْ أنير نيت”) فإني أقف أمامك متماهيا مع ( = متحدا بِ) وَعْيِكَ (لأني أفترض أني أعلم ما تفترضه أو تعتقده ..) وخالقا فين نفس الوقت مسافة بيني وبينك (لأني أعتقد أن افتراضك، اعتقادك … ليس صحيحا). بهذا المعنى ف”نيت” هي لحظة ميليمترية للإتصال والإنفصال … إنها نوع من الپروكاتاليپسيس المعجمي. الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار ما تدل عليه “نيت” من علاقة بين الملقي والمتلقي.

وفرة المفردات وتمايزها

من مظاهرة مركزية المعجم في الأمازيغية أيضا أن معجم هذه اللغة شديد الغنى من حيث المفردات المتقاربة الدلالة التي تتآلف من حيث معناها العام وتختلف من حيث معانيها الفرعية. مثال ذلك أن المعجم الأمازيغي لا يقف عند حد وصف تخلُّق الفرد باستعمال نعوت مجردة ك”طيب” و”شرير”، بل يدقق في الوصف فيصف الوديع ب”أسْكلالاف” والحيِيَّ ب”أمنّيرست” و”أسلّاغت” والبارّ ب”ئمحدي” و”أسنامّار”. ويصف اللطيف ب”أمسّولغّو” ومن يجمع بين اللطافة والظرافة ب”أمجّول” و”أمسڭول”، وإذا كان لطيفا وذا ملاحة، وُصف ب”أزنكوش”. وإذا لطف كلامه من حيث اللهجة والتعبير، نسند له فعل “ئسّفلتس”. أما إذا لطفه من حيث النبرة والصوت، نسند له فعل “ئسڭلّس”. أما إذا لطف الكلام وألانه، استعملنا فعل: “ئسّيوي”. والعَدْلَ من الناس “أمزلالاغ” (أمزّارفو)، والمستقيم “أماغْتاو”، والنبيه “ؤنزيز” (بتفخيم الزاي) و”أسنّْڭرا”.

من دقة المعجم الأمازيغي أيضا أنه يميز بين دلالات خاصة مختلفة لنفس المعنى العام. من ذلك مثلا أن باكورة الثمار عامة تسمى ب”أسمضي” وباكورة التين خاصة تسمى “أغُنداف” (أقنداف، ألزّڭ، أرڭل). والبكر من الإبل “أكعاوْ” (تطلق أيضا على صغير الإبل بصفة عامة) والبِكر من الإنسان عامة “أمنزْوي” (أمْنزو) والبِكر من الذكور خاصة “ئفخْيدّي” (و”ئخْفيدّي”).

خلاصة

لندرس لغة من اللغات ينبغي أن ندرس كل مظاهرها (الأصوات، والتراكيب، والمعاني …). لكن يبدو أن مفتاح الفهم العلمي العميق للأمازيغية هو معجمها.

شاهد أيضاً

زواج الفقر والسياسة

يخفي اللغط الكبير بشأن زواج المال والسياسة، زواجا آخر يحيطه محترفو السياسة بكل الكتمان والسرية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *