دراسة أكاديمية: تلاميذ المغرب أكثر تقبلا للأمازيغية.. وأكثر من نصفهم يرتاحون لاستخدام تيفيناغ في القراءة والكتابة
استبيان شمل 152 تلميذا من مستويات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بإقليم الجديدة
الدراسة، التي أنجزتها الباحثتان كوثر الصابري وضاوية العبودي، ونشرت في مجلة European Journal of Language Policy تحت عنوان: “إحياء اللغات الأقلية عبر السياسات التعليمية: مواقف المغاربة تجاه الأمازيغية في السياسة التعليمية”، تناولت واقع سياسة إدماج الأمازيغية في التعليم، من خلال دراسة مواقف الفاعلين الأساسيين في هذه السياسة، وهم التلاميذ وأولياء أمورهم.
واعتمدت الدراسة منهجية تجمع بين البحث الكمي والكيفي، إذ استندت إلى استبيان شمل 152 تلميذا من مستويات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بإقليم الجديدة، إلى جانب مقابلات شبه موجهة مع 15 من أولياء الأمور، بهدف تحليل تصوراتهم بشأن تدريس الأمازيغية كمادة إلزامية، واعتماد حرف تيفيناغ باعتباره نظام الكتابة الرسمي للغة.
وأظهرت نتائج البحث أن أغلبية التلاميذ يتبنون مواقف إيجابية تجاه تدريس الأمازيغية، حيث اعتبر 89.5 في المائة منهم أن تعلمها في المرحلة الابتدائية كان تجربة جيدة، فيما عبر 63.2 في المائة عن رغبتهم في مواصلة تعلمها في مستويات دراسية لاحقة.
كما بينت الدراسة أن غالبية التلاميذ لا ينظرون إلى الأمازيغية باعتبارها عبئا دراسيا إضافيا، إذ رفض أغلب المستجوبين فكرة حذفها من المناهج التعليمية، وهو ما اعتبرته الباحثتان مؤشرا على تغير واضح مقارنة بدراسات سابقة رصدت مواقف أكثر سلبية تجاه تدريس اللغة الأمازيغية.
وفي ما يتعلق بحرف تيفيناغ، سجلت الدراسة قبولا ملحوظا لدى المتعلمين، حيث عبر أكثر من نصف المشاركين عن ارتياحهم لاستخدامه في القراءة والكتابة، رغم أن نسبة مهمة منهم اعتبرته الجانب الأكثر صعوبة في تعلم الأمازيغية. وترى الباحثتان أن هذه الصعوبة ترتبط بكون التلاميذ يتعاملون مع نظام كتابي جديد، ولا تعكس بالضرورة رفضا للحرف أو للسياسة التعليمية المرتبطة به.
وأظهرت قياسات الالتزام التي اعتمدتها الدراسة أن 94.1 في المائة من التلاميذ مستعدون لتعلم الأمازيغية في المرحلة الابتدائية، بينما تتراجع هذه النسبة إلى حوالي 50 في المائة عند الانتقال إلى التعليم الثانوي، وهو ما ربطته الدراسة بارتفاع الضغط الدراسي وتغير أولويات المتعلمين مع تقدمهم في المسار التعليمي.
كما خلص التحليل الإحصائي إلى وجود علاقة ذات دلالة بين مواقف التلاميذ تجاه الأمازيغية وبين عاملَي العمر والمستوى الدراسي، في حين لم تسجل الدراسة أي علاقة بين عدد حصص الأمازيغية التي تلقاها التلميذ وبين موقفه من اللغة، ما يشير إلى أن المواقف لا تتشكل فقط عبر مدة التعلم، بل تتأثر أيضا بالوعي الثقافي والنضج العمري.
في المقابل، كشفت مقابلات أولياء الأمور عن مواقف أكثر تعقيدا؛ إذ أكد معظم المشاركين أن الأمازيغية تمثل جزءا من التراث والهوية المغربية، وأن الحفاظ عليها أمر مشروع، غير أن هذا الاعتراف لم يكن دائما مصحوبا بقناعة قوية بضرورة تدريسها بشكل إلزامي.
وأبرز عدد من الآباء أن تعلم الأمازيغية يحمل قيمة ثقافية ورمزية، لكنه لا يوفر، حسب تصورهم، نفس الفرص التي توفرها لغات أخرى مرتبطة بالتعليم العالي وسوق الشغل. كما اعتبر بعضهم أن تدريسها قد يشكل عبئا إضافيا على التلاميذ، خصوصا في المناطق غير الناطقة بها.
ورغم ذلك، لم تسجل الدراسة مواقف رافضة بشكل صريح، بل وصفت مواقف الآباء بأنها “براغماتية وسياسيا صحيحة”، حيث يتجنبون معارضة السياسة الرسمية، مع استمرار مسافة بينهم وبين اللغة من الناحية العملية والاستعمال اليومي.
أما بخصوص حرف تيفيناغ، فقد أظهرت الدراسة أن موقف الأسر كان أكثر إيجابية مقارنة بموقفهم من تدريس اللغة نفسها؛ إذ اعتبر أغلب المشاركين أن الأمازيغية ينبغي أن تكتب بحرفها الخاص، ورفضوا فكرة استبداله بالحرف العربي أو اللاتيني، رغم أن معرفتهم بتيفيناغ ظلت محدودة.
وترى الباحثتان أن هذه النتائج تعكس انتقالا تدريجيا في مواقف الأجيال الجديدة التي نشأت في ظل الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، إذ أصبحت أقل ارتباطا بالصور النمطية السلبية التي رافقت اللغة خلال فترات سابقة. في المقابل، تظل مواقف الأجيال الأكبر متأثرة بسياق تاريخي عرفت فيه الأمازيغية تهميشا في المجال المؤسساتي والتعليمي.
وفي خاتمة الدراسة، دعت كوثر الصابري وضاوية العبودي إلى تجاوز المقاربة التي تختزل نجاح سياسة إدماج الأمازيغية في توفير الكتب والمناهج والأساتذة، مؤكدة أن ترسيخ مكانتها يتطلب أيضا العمل على تغيير التصورات الاجتماعية، وإشراك الأسر في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، حتى تنتقل من الاعتراف القانوني إلى حضور فعلي داخل المجتمع والتعليم.
رابط الدراسة/
https://liverpooluniversitypress.co.uk/doi/full/10.3828/ejlp.2026.7





