دسترة الأمازيغية…مساهمة أمغار أحمد الدغرني

د. محمد كوزغار

تبدو الكتابة التجزيئية لفكر الكبير سي أحمد…جريمة لمن يعرف الرجل وعطائه، نظرته ومكتوبه…فالراحل جمع بين الأدب الرفيع، والدراسة القانونية، والتمرس على المرافعة ومصاحبة جيل من السياسيين من اليمين إلى اليسار، فمتابعة قريبة للأحداث وطنيها ودوليها، فأتى فكره فياضا، معطاءا، عطاء المناهل المتعددة التي يستقى منها، وعكسه في كتاباته الأدبية: مدينة الفناء، ودموع الغولة، وسلسلة روايات تاريخية (بان تومرت وعبد المومن بن علي الكومي)…وكتاباته ذات النفس السياسي: حكومة الديمقراطية أم حكومة التناوب، الكتل المجتمعية بالمغرب، والانتخابات والأحزاب السياسية المغربية، حراك الريف…أو تلك التي خص بها القضية الأمازيغية: العمل الأمازيغي بالمغرب، الكونغرس العالمي الأمازيغي  بالمغرب…أو ترجمته للأدب العالمي: ترجمة روميو وجولييت إلى الأمازيغية…ويبقى كتابه “البديل الأمازيغي” متوجا لهذا المجهود الفكري، بتقديم بديل، المؤطر في جزء كبير منه لأطروحة الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي…

لهذا فإن نظرة سي أحمد إلى دسترة الأمازيغية، لم تكن ضيقة، قانونية صرفة…بل يؤصل لها تأصيل المؤرخ، واللسني العارف، والسياسي المجرب، والمفكر ذو الأفق المقارن الواسع…لهذا كانت القضية بالنسبة له، ليست مسألة اعتراف في وثيقة وانتهى الأمر…بل كان يعتبر الدسترة، مطلبا ضمن مطلب أعم وأكبر جسده في البديل الأمازيغي…لهذا كانت نظرة سي أحمد إلى قضية دسترة الأمازيغية مغايرة، ومع ذلك، فإنه شارك الجميع الحد الأدنى المتفق عليه في حينه، فناصر “وطنية” اللغة، حين كانت سقف الحركة الأمازيغية، وطور الموقف نحو “الرسمية”، حينما نضج…ثم تحول إلى فكرة “الحكم الذاتي” أو “الأوطونوميات” كما يحب أن يسميها…

فكل المحطات التي كانت محور الدسترة، شارك فيها سي أحمد، باستثناء صياغة “ميثاق أكادير”، فقد شارك في الوفد الذي قابل المستشار الملكي أندريه أزولاي لتسليم مذكرة لجنة التنسيق سنة 1996، وكان حاضرا في ما بعد لحظة ميثاق شفيق، ثم شارك في صياغة وثيقة “المطالب الأمازيغية”، وأشرف على صياغة مذكرة المطالب الدستورية التي رفعها الحزب الديمقراطي الأمازيغي…وفي كل هذه المحطات، كان فاعلا، مقترحا، متابعا…لكن بنظرة مغايرة للجميع، لقد أكسبته ثقافته الواسعة، وحسه السياسي، وتوقعية آرائه واستشرافها…حدسا، وحسا غريبا، لا يشاركه فيه أحد…فقد كان يقرأ دسترة الأمازيغية، في دراسة لوضعية اللغات في الدول التعددية الأوربية والأفريقية…ويناقشها في ارتباط مع هواجس القوميين والإسلاميين والفرنكفونيين…ويستحضر ردة فعل النخب السياسية والحزبية…كما يضع هذا الملف في إطار تنافسية تدبيره بين المغرب والجزائر…

سيكتشف الجميع بعد دستور 2011، عمق أطروحة سي أحمد، التي لم تكن ترى في الترسيم لوحده حلا لمشاكل الأمازيغية، ولا لحلا لقضية كبرى مرتبطة بالإنسان، وبالأرض وبالهوية الأصيلة…وأن حل الأمازيغية، باعتبارها قضية لن يكون سوى حلا سياسيا، وبعدما جربت الأمازيغية أن تكون مطية أحزاب للحكم، ودفتر مطالب مدني…اقترح أن يمتد التفكير، فتتغير الأداة التنظيمية لتصبح منسجمة مع طبيعة الإشكال…فالإشكال السياسي لا بد له من أداة سياسية…لم يتفق الكثيرون مع هذا الطرح…أنصار الخيار الثقافي…مقدسي إطار الجمعيات…الحالمين بتيارات داخل الأحزاب القائمة…فهل نجحت هذه الخيارات؟ أم انها تعيش موتا بطيئا؟ مساهمة في أزمة الأمازيغية فكرة وتنظيما؟؟؟

شاهد أيضاً

المهرجان الدولي “مغرب الحكايات” الدورة 19

تشرف السيد محمد اليعقوبي والي صاحب الجلالة على جهة الرباط سلا القنيطرة وعامل عمالة الرباط ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.