سـر تعرقل تفعيل ترسيم الأمازيغية

Essafi Moumen Ali
بقلم: الصافي مومن علي

من المسلم به حدوث تأخر غير مبرر في إصدار القانونين التنظيمين المتعلقين  بتفعيل الطايع الرسمي للامازيغية، وبالمجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية، المنصوص عليهما في الفصل الخامس من الدستور.

ومن الواضح جدا أن الحكومة كانت تتذبذب في هذا الإصدار، وفي تفعيل ترسيم الأمازيغية  بصفة عامة، إلى درجة يبدو فيها هذا التذبذب قريبا من التخبط،  وهذا السلوك يتجلى حقيقة  في قراراتها المتضاربة والمتناقضة، ذلك انه بعدما أعلنت في تصريحها الحكومي سنة 2012، عن حزمة مهمة من التدابير المتعلقة بتنزيل الأمازيغية، من بينها إعطاء الأولوية لإعداد القانونين المذكورين، فقد خرج رئيسها في سنة 2015  بتصريح جديد مناقض للأول، زعم فيه أن ملف الأمازيغية أكبر من الحكومة، وبأنه سيحيله  على الجهات العليا، أي على المؤسسة الملكية،  ومع أن  هذا القرار كان غريبا ومفاجئا، بل ومضرا بحقوق الامازيغية، فقد استبشر به الجميع  أملا  في أن تعوض تلك الإحالة ما ضاع للأمازيغية من مكاسب في مدة الثلاث سنوات الأولى من ولاية هذه الحكومة، غير أن رئيس الحكومة تراجع مرة أخرى عن هذه الإحالة، مقررا الاحتفاظ لديه بأحد القانونين التنظيمين المشار إليهما أعلاه، وهو القانون الأول المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معلنا عن مبادرة غريبة أخرى تتعلق بفتحه بريد ا إليكترونيا  لتلقي المذكرات والاقتراحات بشأن إعداد هذا القانون، على اعتبار أن القانون الثاني المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية سبق للمؤسسة الملكية أن وضعت يدها عليه، منتدبة السيد إدريس خروز رئيسا للجنة خاصة هامة تتولى إعداده.

إذن ، أكيد أن هذا التضارب  أو هذا التخبط إن صح القول، قد جرد من الحيوية ما قصده صائغوا الدستور من ترسيم الأمازيغية من جهة، وما أوصى به من جهة أخرى جلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورتين الخريفيتين للبرلمان لسنة 2012، وسنة  2015.

ولذلك كان من البديهي –  والحال أن الأمازيغية بطبيعتها لا تقبل العبث بأي وجه من الوجوه، لحساسيتها وبعدها الاستراتيجي – أن يؤدي ذلك التخبط إلى فقد الثقة، الذي تجلى فعلا في مقاطعة كل الجمعيات الأمازيغية لتلك المبادرة، بل وأدى أيضا حتى إلى السخط الاجتماعي الذي انعكس في قيام أحد أعضاء هذه  الحركة بإحراق صورة رئيس الحكومة.

وبعد.

فما هو يا ترى السر  في تعرقل سير عملية تفعيل ترسيم الأمازيغية بشكل طبيعي سلس؟ علما بخطورة هذا الأمر على السلم الاجتماعي؟

هناك من يجيب إجابة سريعة وانفعالية على هذا السؤال، معتقدا أن تذبذب قرارات رئيس الحكومة مقصود، وأن دافعه هو سوء النية  الناتج عن مواقفه وكذا مواقف حزبه السلبية السابقة تجاه الامازيغية، ولكن هذه الإجابة في ما اعتقد  تبدو مردودة وغير سليمة من وجهين:

 الأول أن تصويت شعبنا كله بالإجماع على دستور 2011 ، قد  جب ما قبله، مثلما كان اعتناق الإسلام في السابق يجب ما قبله من كفر.

 أما الوجه الثاني فانه كما لا يحاسب الحزب الديمقراطي الأمريكي حاليا، على مواقفه السلبية السابقة من قضية مكافحة الرق  التي كان ضدها، فلا يمكن كذلك محاسبة أي كان على مواقفه السلبية السابقة إزاء الأمازيغية.

ومن هنا اعتقد أن الجواب الموضوعي الصحيح على ذلك السؤال  يكمن في شئ  آخر، يتمثل  بكل تأكيد  في وجود سوء فهم لملف تدبير الشأن الأمازيغي، إذ أن هذا التدبير لما كان منذ سنة 2001  يعتبر شأنا ملكيا محضا، مقررا بظهير ملكي خاص هو ظهير إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فأنه بعد صدور دستور 2011  وتنصيص هذا الدستور في فصله الخامس على تفعيل ترسيم الأمازيغية بقانون تنظيمي، اعتقد الجميع تقريبا من دون استثناء  أن الأمازيغية أصبحت شأنا حكوميا صرفا، بدليل أن الحكومة بادرت بمجرد تعيينها إلى ضم ملف الأمازيغية إلى اختصاصاتها المستقلة، والى إعلانها في تصريحها الحكومي الأول عن تعهدها بإدراج القانونين التنظيمين المتعلقين  بترسيم الامازيغية  ضمن القوانين المهيكلة التي تحظى من طرفها  بالأولوية في الإصدار، ولم تكن الحكومة وحدها هي صاحبة هذا الاعتقاد الخاطئ، بل شاركتها فيه كل مكونات الحركة الأمازيغية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وكذا بعض الأحزاب السياسية المنتمية الى الأغلبية، أو الى المعارضة، بدليل أن كل هذه التنظيمات، كانت تتوجه بمطالبها إلى الحكومة للتعجيل بإصدار هذين القانونين، غير أن ما رجح الميل أكثر نحو هذا الاعتقاد  لدى الكثير من المحللين السياسيين هو إعفاء أعضاء المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من مهامهم، إذ اعتبروا هذا الإعفاء تكريسا للقناعة التي تجعل تدبير الشأن الأمازيغي شأنا حكوميا خالصا.

أما سوء الفهم المرتبط بهذا التدبير فمرده في نظري هو ترسخ  الفكرة التقليدية في الأذهان،  التي كانت تقسم التشريع في بلادنا إلى نوعين اثنين من القوانين:

النوع الاول هو الظهائر، التي تدخل بطبيعتها في الشأن الملكي المحض.

والنوع الثاني هو القوانين، التي تتولى الحكومة إصدارها، ويصادق عليها البرلمان.

 فهذه الفكرة  هي التي اوحت بذلك الاعتقاد الخاطئ السابق، اذ ما أن رأى الناس الدستور يقوم بربط تفعيل ترسيم الامازيغية بقوانين تنظيمية، حتى اعتقدوا انه قد قرر إسناد مهمة هذا التفعيل إلى الحكومة، وليس إلى الملك.

والحق أن الدستور إن كان جعل تفعيل ترسيم الأمازيغية بقانون تنظيمي، وليس بظهير ملكي خاص، كما كان عليه الشأن من قبل، فإن هذا التفعيل لا يعتبر كذلك شأنا حكوميا صرفا، ينفرد به مجلس الحكومة تحت رئاسة رئيس الحكومة في إطار اختصاصاته المحضة المنصوص عليها في الفصل 92 من الدستور، بل يعتبر شأنا مشتركا بين المؤسسة الملكية من جهة، ومجلس الحكومة من جهة أخرى، على اعتبار أن  الدستور نص في الفصلين 48 و 49  على ضرورة تداول مشاريع هذه القوانين التنظيمية ، في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك  ويتألف من رئيس الحكومة والوزراء، وذلك قبل إحالتها على البرلمان للمصادقة عليها.

وبالفعل فالدستور الحالي لا يقسم التشريع إلى نوعين اثنين كما كان الأمر عليه في التقسيم التقليدي، بل يقسمه  إلى ثلاثة أنواع أساسية هي:

1 – الظهائر الملكية، وهي كما هو معلوم شأن ملكي خالص.

2 – القوانين العادية، وهي اختصاص حكومي صرف طبقا للفصل 92  من الدستور الأنف الذكر.

3 – القوانين التنظيمية وهي اختصاص مشترك، بين المؤسسة الملكية، وبين الحكومة طبقا للفصلين 48 و 49 من الدستور.

ومن هنا نفهم أن السر في إعاقة سير تفعيل ترسيم الامازيغية يرجع على ما يبدو الى جهل الحكومة بقصد الدستور الجديد الهادف الى جعل القوانين التنظيمية ميدانا مشتركا، يتعاون فيه الجميع، أي المؤسسة الملكية، والحكومة، والبرلمان بعد مصادقته على هذه القوانين، وانه نتيجة للجهل بهذا القصد، فقد كانت الحكومة تسعى الى الانفراد وحدها   بمهمة تفعيل ترسيم الامازيغية، اعتقادا منها ان الدستور يخصها بها بمفردها.

وما من شك ان مبادرة رئيس الحكومة الأخيرة تسير في نفس هذا الاتجاه المخالف لروح الدستور، الشئ الذي سيجعلها كمثيلاتها السابقة، أمام الطريق المسدود.

إذن الحل الأمثل في نظري لإخراج القانون الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للامازيغية من المأزق الذي يوجد فيه، هو التعامل معه بمثل الطريقة التي وقع بها حل القانون الثاني الخاص بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وهي أن تتفضل المؤسسة الملكية بوضع يدها كذلك عليه، وبان تقوم بتعيين لجنة خاصة لإعداده، تتكون من أذكى العقول ومن أنبل الشخصيات.

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *