أخبار عاجلة

سوسيولجية الخبز في فرنسا: صراع السواسة والتوانسة

مقال للصحافي عبد الله بوشطارت

أهل سوس في الجنوب المغربي، هم أسياد التجارة، لا ريب في ذلك، كما يمارسونها في كل مناطق المغرب، يتقنونها خارجه في بلاد المهجر خاصة في أوروبا…وفي كل بلدان العالم يميل الإنسان الأمازيغي السوسي إلى التجارة بكل أنواعها ويفضلها كنشاط اقتصادي للعيش والاستثمار. ..وفي فرنسا مثلا التي استقبلت افواجا هائلة من المغاربة تباعا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وارتفعت بعد الاستقلال…وبالرغم من ان السوسيين زاولوا أنشطة عدة في فرنسا واشتغلوا في المناجم والمعامل والشركات. ..إلا أنهم تعاطوا التجارة بكثافة وسيطروا عليها بشكل مطلق في بعض أحياء العاصمة وضواحيها…
في الآونة الأخيرة، ومع الجيل الثالث والرابع خاصة بعد سنة 2000 بدأ أبناء سوس يتحولون إلى قطاع آخر أكثر حيوية وهو قطاع المخبزة أو ما يعرف بصناعة الخبز …هذا المجال كان بطبيعة الحال في البداية يسيطر عليه الفرنسيين بحكم القيمة الكبيرة التي يولونها للخبز، حيث تعتبر فرنسا من بين البلدان التي لها ثقافة خاصة بالخبز، فالفرنسيون يقدسون خبزهم الذي لا يمكن ان تجده في مكان آخر في العالم…ولكن في أوساط المهاجرين كان التونسيون هم من يتعاطى لحرفة الخبازة في فرنسا، وكانت حنطتهم الأولى ومجالهم الذي يتحكمون وينشطون فيه ومع مرور الوقت أصبحوا يملكون مخبزات كثيرة ويستثمرون في الخبز بكل أنواعه …هذا قبل 20 سنة. ..اما الآن فقد اقتحم جيل جديد من المغاربة أبناء سوس هذا المجال الحيوي والحساس، فبعد نكوص التجارة بالتقسيط وتدهور رقم معاملات البيسريات بفعل التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي يعرفها المجتمع الفرنسي وانتشار الأسواق الكبرى والمتوسطة في كل الأحياء والأرجاء …تراجع السوسيون عن بيع الخبز ونزلوا إلى أسفل الفرن لتعلم كيف يتم عجنه وطهيه وتحضيره. ..واقتحم الشباب السوسي المهاجر حرفة الخبازة بكثير من الثبات والعزيمة والاثقان وتعلموا الحرفة بذل الجلوس داخل البيسري وانتظار الزبائن..وكانوا في أول الأمر يشتغلون عند التونسيين في مخابزهم ..وبعد حوالي 15 سنة من التراكم والتعلم واكتساب أصول الحرفة وأسرارها.. أصبحوا يشترون المحلات والأفران والمخابز من التونسيين الذين عجزوا عن المواكبة والتحدي …الآن يوجد عددا كبيرا من السوسيين يملكون مخابز عصرية ومتطورة ومجهزة تقدم كل أنواع الخبز الفرنسي وخاصة النوع التقليدي الذي يعشقه الفرنسيين وكذلك كل أنواع الحلويات…طبعا توجد أسباب كثيرة لهذه الطفرة أهمها الربح المادي الكبير الذي يوفره هذا القطاع سواء تعلق الأمر بالمهنيين اي الخبازين او بالنسبة لأصحاب المخابز…إضافة إلى عامل آخر مهم وحاسم يشجع السوسيون الاستثمار في هذا المجال وهو العامل الديني حيث ان صناعة الخبز وبيعه خالية تماما من المحرمات أو ما يسمى هنا بتجارة حلال عكس البيسريات التي توجد بها الخمور …
خباز تونسي اعترف لي ان شلوح ديال المغرب لا أحد يستطيع الآن منافستهم في صناعة الخبز الفرنسي، ويقول “أنا أشتغل 25 سنة في هذا المجال هنا في فرنسا كنت في البداية اشغل فقط التونسيون في هذه المخبزة ولكن قبل 8 سنوات أصبحت اشغل المغاربة الشلوح فقط..إنهم يشتغلون بروحهم وبالصبر ويثقنون عملهم ويحبونه….أصرح لك إنهم أسياد الخبز هنا..وحتى اذا أراد التونسيون منافستهم فلن يفلحوا …”
أما أنا فقط رأيتهم بأم عيني كيف يشتغلون وكيف يتطورون و يتقدمون …
في الصورة المعلم الشاب بلعيد من ايت باها..

 

شاهد أيضاً

إلى السيد أبو يعرب المرزوقي: من حقنا أن نختار “أخف الضررين”

لدكتور أبو يعرب المرزوقي رمز من رموز الثقافة الإسلامية في تونس، وإن كان البعض ينسبه ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *