سوس والبحر من خلال أعلام سوس البحرية

91e92bfa-f9b5-46ce-a94c-95fcdba15f98

في البداية، أود أن أشير إلى أنني لا أمتلك عن هذا البحث الكثير من المعلومات لأنه بحث حديث بالنسبة إلي، على الرغم من أنني مهتم بالطوبونيميا بصفة عامة منذ مدة، إلا أن هذه الأماكن ذات علاقة بالبحر في سوس لم أشتغل عليها كثيرا، وقد اطلعت على بعض مما أصدره الأستاذ عبد الرحيم العطاوي(1) في مجال الإشتيونيميا (Ichtyonymie)(2)، أستاذي في اللغة الروسية بكلية الآداب بالرباط، في بداية السبعينات. لن أتناول الموضوع من خلال إشكالية معينة، إذ ما أمتلكه مدخلا إليه هو فقط بضع تساؤلات، وليس أسئلة حتى. وهذه التساؤلات هي التالية:

– إذا كان الإخباريون والجغرافيون والمؤرخون، عبر التاريخ، قد اختلفوا حول مجال سوس الجغرافي فهل يمكن تحديد مجال سوس البحري اليوم؟
– إلى أي حد يمكن أن تسعفنا أعلام سوس البحرية على استكناه مختلف أوجه علاقة سوس وسكان سوس بالبحر ؟
– وهل يمكن اعتبار ”العلاقة بين سوس والبحر“، عبر التاريخ، علاقة نعمة أم علاقة نقمة على المجال وعلى السكان؟

فما هي المقاربة التي سنعتمدها لتناول هذه التساؤلات؟
لمعالجة هذه التساؤلات، سيتم اعتماد “المقاربة الأعلامية البحرية” دون ”التطفل“ على مختلف المقاربات الأخرى التي لها علاقة بالموضوع؛ علما أن ”الأونوماستيكية“ (Onomastique) (أي علم دراسة الأعلام) تعتبر اليوم ”العِلْم والمُساعد“ لمختلف العلوم الإنسانية على فهم مختلف الظواهر الطبيعية والاجتماعية والثقافية.

أولا : “سوس” بين التحديدات الجغرافية والتاريخية والثقافية وبين بعده البحري:

لقد تعددت دلالات مصطلح “سوس”، عبر التاريخ واختلفت مرجعيات هذه الدلالات، فمنها الجغرافية ومنها التاريخية ومنها الثقافية. كما شهدت التعاريف التي قدمت من أجل تحديد مجال “سوس”، عبر التاريخ، تطورات وتراجعات، خاصة منذ العصور الوسطى حيث ظهر هذا المصطلح عند أغلبية الجغرافيين والإخباريين والمؤرخين الذي كتبوا عن المغرب. لكن ما يهمنا الآن هو “سوس” الحالي وبُعده البحري، وهو البعد الذي يسمح بلمّ خيوط المقاربة وربطها بموضوع هذه الندوة. ويمكن القول منذ الآن أن هذا البعد يتجسد في الشريط الساحلي الممتد خلال فترات تاريخية مختلفة، من قطاع الصويرة شمالا إلى ما وراء سيدي “وارزيكَ” (الشاطئ الأبيض) جنوبا، استنادا إلى مجموعة من الخرائط القديمة والحديثة وخاصة إلى مختلف التقطيعات الإدارية التي كانت تتشكل خلال القرن الماضي.

فماذا عن مصطلح “سوس”؟
يقول محمد الفاسي: “لقد رأيت أن أساهم (…) ببحث عن القطر السوسي عند الجغرافيين العرب. ومن أهم من كتب منهم عن سوس البكري والإدريسي وياقوت وأبو الفداء وابن خلدون. وأما المؤرخون فأكثرهم من المغاربة وإن كان غيرهم قد تعرض للكلام عن سوس ولو بإيجاز.
أما المستشرقون من فرنسيين وألمان وغيرهم الذين كتبوا عن القطر من سائر النواحي الجغرافية والتاريخية واللغوية والاجتماعية فعددهم لا يحصى ومؤلفاتهم لم يتصد لها بعد من يترجمها إلى العربية حتى يستفيذ منها الجميع. وعلى سبيل المثال نذكر هانري دي كاستر في المجموعة الفريدة “أصول تاريخ المغرب” وشارل دي فوكو وبروبستر في كتاب “سوس الأقصى” بالألمانية وروني باسي ولاوست وجوستنار وغيرهم كثير. وفي مجلة هيسبيريس (Hespéris) التي مر الآن على صدورها ستون سنة من المقالات عن سوس ما يخرج في مجلدات.
وإنني في هذه العجالة أريد أن أوجز ما قاله المؤلفون عن سوس بدون الإتيان بنصوصهم حرفيا خصوصا أنهم ينقلون عن بعضهم بعضا.
وأول ما تجب الإشارة إليه أن هذا المصطلح الجغرافي سوس يطلق عند الجغرافيين العرب على كل القطر المغربي من طنجة إلى الصحراء وهومقابل ما كان يسمى به الرومان بلادنا أي لفظ “موريطانيا” والذي أطلقه الوالي العام الفرنسي بالسنغال كوبودولاتي على إقليم شنقيط سنة 1905، وكانوا يقسمون سوس قسمين: سوس الأدنى ويمتد من طنجة إلى سفح الأطلس المتوسط، وسوس الأقصى وهو يضم كل نواحي وسط المغرب وجنوبه. وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان أنه يلزم لقطع المسافة بين القسمين شهران كاملان. ولكن مع الزمن خصص هذا المصطلح فقط للقسم الجنوبي في حين أطلق على سوس الأدنى لفظة الغرب بل صار هذا اللفظ، أعني سوس، يطلق فقط على النواحي الواقعة جنوب مراكش وغربها. وعلى هذا سقط الاصطلاح سوس الأقصى إذ لم يبق له موجب وأكتفي بلفظة سوس للقطر الذي يعرف بهذا الإسم اليوم والذي يضم قبائل كثيرة ومدنا مهمة مثل أكادير وتارودانت وتيزنيت (…) وكذلك مراكز أخرى مثل ماسة وأكلو وتافراوت”(3).
وجاء في كتاب: تاريخ المغرب: تحيين وتركيب. الذي نشره المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب(4): “لقد أطلقت عبارة المغرب في البدايو على مجموع البلاد الواقعة غرب النيل. وبعد إنشاء القيروان سنة 50/670، تميزت إفريقية والمغرب عن ولاية مصر؛ وإثر ذلك تبلورت الحدود الفاصلة بين الإقليمين في أحواز تيهرت، قاعدة إمارة الرستميين. وبذلك تطابقت المضامين الجغرافية للمصطلح الجديد مع التسمية الموروثة عن العهد القديم وأصبحت بلاد المغرب هي بلاد طنجة. أما في لسان أهل البلد ولدى الإخباريين الأوائل، فقد ظل المغرب معروفا باسم طنجة من ساحل بحر سبتة إلى أول بلاد السودان حسب رواية محمد بن يوسف الوراق القيرواني، صاحب أقدم كتاب في مسالك وممالك إفريقية. كما تمتد عرضا من البحر الأخضر (المحيط الأطلسي) إلى أحواز تاهرت. وتشمل على كورتين، الأولى تشرف على بحر المغرب، أي البحر الأبيض المتوسط، وتسمى كورة طنجة(5)، والثانية تتعمق نحو الداخل وتعرف بالسوس. وتتفرع كورة السوس بدورها إلى إقليمين كبيرين: يعرف الأول بالسوس الأدنى وهو بلاد تامسنا التي تمتد من نهر أسمير، وهو نهر سلا، إلى جبل دَرَن (دْرَن) المعروف بالأطلس الكبير؛ ويعرف الثاني بالسوس الأقصى وهو بلاد ماسة المتصلة بالصحراء”.

ماذا يمكن أن نستنتج من هذه النصوص ومن الإشارات إلى نصوص كثيرة غيرها ؟

أولا: أن مصطلح “سوس” قد تقلص جغرافيا (مجاليا) مما كان يصطلح عليه ب “المغرب” إلى حدود أواخر القرن التاسع عشر إلى ما يصطلح عليه اليوم ب”سهل وادي سوس” و”سوس الكبير” (أي ما يصطلح عليه اليوم إداريا: “سوس – ماسة – درعة”.
ثانيا: أن مصطلحات: “سوس الأدنى”و”سوس الأقصى”، قد اختف استعمالها تاريخيا.
ثالثا: أن “سوس البحري” أو الشريط البحري الذي يرتبط بمجال سوس؛ والذي تحدده مختلف الخرائط التي تتحدث عن الصيد البحري في سوس؛ يمتد من جنوب “تيمزكَيدا أوفتاس” إلى جنوب “سيدي وارزيكَ” (أي الشاطئ الأبيض).
رابعا: أن “سوس الثقافي” هو عبارة عن تاريخ ديناميكي وتنوع ثقافي وتنوع إثني؛ هو”سوس العالمة”؛ وهو أيضا سوس التداخل بين التاريخي والأسطوري (موقع دفن “سيدنا دانييل”، وأرض استقبال “النبي يونس”، وفضاءات أضرحة الأولياء والصلحاء، الرجال منهم والنساء ومجالات كرامات الأولياء، الرجال منهم والنساء).
خامسا: أن مصطلح أو عَلَم “سوس” يبدو؛ من حيث الدلالة؛ أن له علاقة بالأعلام التالية: “سايس”، “تامسنا” و “أمسنا” …

وماذا عن “أعلام سوس البحرية”؟
في البداية لابد من توضيح المقصود ب “أعلام سوس البحرية” من الناحية الاصطلاحية. نحن نعلم أن “الأونوماستيك” (Onomastique)، التي تعني دراسة الأسماء، تنقسم إلى فرعين رئيسيين: “الطوبونيميا” (Toponymie)، التي تعني دراسة أسماء الأماكن، و”الأنتروبونيميا” (Anthroponymie)، التي تعني دراسة أسماء الأماكن. وهدين الفرعين ينقسمان، كل منهما، أيضا إلى فروع أخرى. من بينها “الإثنونيميا” (Ethnonymie)، وهي دراسة أسماء القبائل؛ و”الأجيونيميا” (Hagionymie)، وهي دراسة أسماء الصلحاء والأولياء والأضرحة وبصفة عامة الأماكن “المقدسة”؛ و”الإيدرونيميا” (Hydronymie)، أي دراسة الأعلام المائية. وهذه الفروع الأخيرة هي التي تهمنا في دراسة الموضوع الذي نحن بصدد معالجته. وأريد فقط أن أوضح، بالنسبة لهذه الخطاطة، أن ما يهمني في هذا المجال ليس هو أسماء الأشخاص، بل ما يهمني هو أسماء القبائل وأسماء “الأماكن المقدسة” كالأضرحة المتواجدة على ساحل البحر والتي كان عندها دور مهم في العلاقة بالبحر من جهة وبالصيادين من جهة أخرى، وتهمني أيضا أسماء الأماكن المختلفة(6).

ف”سوس”، حاليا، هي كما هي محددة بالمغرب اليوم وكما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه؛ غير أن ما يهمنا منها هو فقط الجانب الساحلي. هذا الجانب الساحلي الذي تدعمه مجموعة من الخرائط القديمة والحديثة. فلدي في خزانتي الخاصة مجموعة من عشرين خريطة قديمة وضعت على أساس ما ورد في كتابات الفينيقيين واليونان واللاتينيين وكذا البرتغاليين والإسبان وغيرهم من الأوروبيين الذين سعوا لاستطلاع طبيعة هذه السواحل أو مارسوا فيها أنشطة تجارية أو عسكرية. وسأعرض عليكم منها اثنتا عشر وحدة لأبين كيف بدأ هذا الساحل، وكذا موقع سوس في هذه الخرائط وفي الكتابات القديمة التي وضعت على أساسها.
ونرى، من خلالها، أن ما كان معروفا بشكل كبير هو جهة البحر الأبيض المتوسط، وما كان يهم واضعي هذه الخرائط في المحيط الأطلسي أو ما كان يسمى ب”بحر الظلمات” أو “البحر الأخضر” أو بحر “الأقيانوس” هو الخلجان والرؤوس بالخصوص، لأن الفينيقيين، كما غيرهم، ممن كانوا يركبون البحار، لم يكونوا يستعملون القوارب الصغيرة، وهي لا تصلح للتبادل التجاري وللأغراض الأخرى التي كانوا يبحرون من أجلها، ولذا فحاجتهم كانت لوديان كبيرة كأبي رقراق وغيره، للرسو بها ولقضاء مختلف أغراضهم، ولهذا اهتموا فقط بالرؤوس والخلجان، وفي البداية كانت الأسماء التي تقدمها الكتابات القديمة والخرائط التي وضعت على أساسها قليلة جدا، وفيها اختلافات كبيرة، وفيها أيضا تحريفات مما يصعب قراءتها لأن واضعيها كانوا يسمعونها وينطقونها أو يكتبونها على غير ما هي عليه.
فالخرائط الأولى التي وضعت للمنطقة، وعلى الرغم من أننا لا نعرف تواريخ جلها بالضبط، فهي على الأقل تثبت أنه تم الوصول إلى الأطلس الكبير وهو ما يظهر ممثلا عليها بكتل، وتثبت هذه الخرائط أيضا أن في فترة وضعها بدأ تحديد مواقع الخلجان بدقة والإشارة إلى جلها.
ومن هذه الخرائط ما هو واضح أكثر من الناحية الجغرافية، وتتضمن إشارات دالة والنموذج الذي تحدثت عنه يعود تاريخه إلى سنة 1595، وهي (أي الخريطة) تحمل رمزا لحوت ربما كان قد لفظه البحر بمنطقة سوس في وقت معين أو أن المكان صالح للصيد البحري. وهذه الخرائط توطن أيضا للرؤوس والخلجان والوديان وحتى لموارد المياه العذبة التي يحتاجها البحارة للشرب.
إلى جانب هذه الخرائط القديمة نجد خرائط حديثة لشريط سوس البحري. من بينها خريطة وضعها إميل لاوست، ويعود تاريخها إلى سنة 1923، فهي تمثل الرقعة الجغرافية من “إمسوان” إلى “الشاطئ الأبيض”، وتتضمن 33 مرفأ للصيد. كما أن موقعا خاصا بالصيادين في سوس (بأكادير- إنزكان) نشر خريطة سنة 2009 نلاحظ من خلالها العدد المتزايد للمرافئ والذي يبلغ 150 مرفأ(7).
وإذا ما أضفنا إلى هذه الأعلام المستقاة من هاتين الخريطتين، ما توصلت به من الأستاذ جامع بنيدير (55 إسما)، رئيس مركز أكَلو للبحث والتوثيق وأحد منظمي هذه الندوة؛ ومن السيد محمد أشفوض، أحد الصيادين بمنطقة تيزنيت (40 إسما). وبذلك نتوفر على متن يضم 178 إسما “بحريا”؛ لكن بإزالة الأسماء المتكررة في اللوائح، وانطلاقا من اعتماد اللوائح القديمة، من حيث تاريخها أو تاريخ التوصل بها، أصبح لدينا مثن يتكون من 105 اسما “بحريا” (أي أسماء المرافي والمراسي)؛ هو المعتمد في القراءة الأولية لأعلام سوس البحرية.
وبذلك تكون المقاربته المعتمدة في معالجة ثاني التساؤلات، هي كوني عمدت إلى جرد أسماء الأعلام الجغرافية لسوس البحرية، أي للشريط الساحلي لإقليم سوس، وذلك في لوائح طويلة ضمت العدد المشار إليه من أسماء الأماكن التي تعامل معها إنسان المنطقة، وكان في علاقات معينة معها على مدى الحقب والأزمان، وأنسنها لذلك بتسميتها بأسماء مختلفة مستعارة من حقول متنوعة، بحيث يحيل بعضها على أشياء البر أو البحر (أزرو، أمدا، بوتاسرا، تاغرابوت، تاغازوت… الخ)، أو تنسب إلى حيوانات برية أو بحرية (بيماشيون، بيمزاين، بيصيغاغن، بو والبوحن… الخ)، أو إلى أولياء الله ( سيدى احمد السايح، سيدي وساي، سيدي بوالفضايل، سيدي بونوار…الخ)(8)، و أخرى تحيل على مسميات لسنا متأكدين من دلالاتها اللغوية، ( بعرور، تاصلديحت، امرضيدسن… الخ).
معظم الأسماء التي تحملها هذه الأماكن أسماء أمازيغية، أو ذات بنية أمازيغية(9)، وقلة منها عربية أو ذات بنية عربية ( الدويرة، لمضربة، بولمداول، لمصيدة…الخ)، مع قلة قليلة جدا من أسماء ذات بنية غير أمازيغية وغير عربية ( فريك ريك، ﮔ-;-رايزيم… الخ)، وهو ما يزكي الأصول الأمازيغية لساكنة المجال ولثقافة هذه الساكنة، ومن شأن مقاربة متأنية لهذا الكم الهائل من أسماء الأعلام التي تنتظم على امتداد الشريط الساحلي لسوس أن تكشف عن تنوع لأشكال العلاقات التي نشأت على مدى الحقب والقرون، بين البحر وبين سوس مجالا وساكنة، مما لابد أن يطبع الحياة الاقتصادية(10) والاجتماعية(11) والثقافية(12) والسياسية(13) لسوس البحرية ولساكنتها بخصوصيات ومميزات في أنماط العيش، وأساليب التفكير والسلوك، أساسها هو البحر، ومجاورة البحر، والرهان على اتخاذ موارده مصادر رئيسية للعيش، بحيث إن ارتباط هذه الساكنة بالبحر هو قدرها أكثر منه رهان منها.

أما التساؤل الثالث فهو عن منحى هذا الارتباط / القدر، الذي تمت صياغته على الشكل التالي: “هل يمكن اعتبار ”العلاقة بين سوس والبحر“، عبر التاريخ، علاقة نعمة أم علاقة نقمة على المجال وعلى السكان؟”

وهو تساؤل إشكالي يقتضي مقاربة هذه العلاقة من حيث هي نعمة، وبأي معنى وإلى أي حد، وكذا مقاربتها من حيث هي نقمة، وبأي معنى وإلى أي حد. فالبحر نعمة بالنظر إلى ما يغدقه من خيراته اللامحدودة على المجال وساكنة المجال، وهو في ذات الوقت نقمة بالنظر إلى الضحايا التي توقعها غضباته الهوجاء في البحارة والصيادين وكل من أقدم على اغتنام خيراته تلك، فكأنه يقتص من هؤلاء وأولئك فيأخذ منهم بيده اليسرى ما كان أعطاه لهم بيده اليمنى، ولا مفر من هذه المفارقة الوجودية سوى اللجوء إلى العناية الإلهية، وذلك على نحو مباشر أحيانا، وغالبا من خلال شبكة من الوساطات التي تعزى إلى أولياء الله الصلحاء المبثوثين على امتداد الشريط البحري لسوس، وهم لذلك ضمن أسماء الأعلام على أماكن كثيرة في مختلف جهات سوس البحرية.
يقول مثل أمازيغي: “الذي يذهب إلى البحر يعتبر مفقودا والذي يعود كمن ولد ثانية”(14)؛ وهذا “الذهاب” إلى البحر هو يدل عليه التعبير الأمازيغي الذي يؤكد على أنه عوض: “را نكشم س لبحر” (سندخل إلى البحر)؛ يقول الصيادون : “را نفّوغ س لبحر” (سنخرج إلى البحر).
لكن لهذا الخوف ما يبرره فقد قال أحد المهتمين الأروبيين بالصيد البحري في المغرب في أواخر القرن العشرين: “لعل الرعب الوراثي الذي يوحي به البحر للمسلمين أقوى لدى المغاربة منه عند بقية السكان الآخرين لإفريقيا الشمالية. وقد عمل على تقوية هذا الشعور الفطري أمران الأول العظمة الخفية للمحيط الأطلسي والثاني يتمثل في طابع التمنع للشواطئ الأطلسية. فطوال الأيام تضرب الأمواج العالية الشاطئ وتسد الأجراف المهيبة العاتية موانئ الأنهار، وباختصار فالملاح الذي يجوب البحر جنوب رأس مارتيل، تكون اليابسة العارية من أي مأمن طبيعي بالنسبة إليه، خطرا ماحقا أكثر من ملجأ محتمل”(15).
وقال أيضا على لسان ابن خلدون: ” إن البحارة لا يحاولون المغامرة في المحيط لأنه إذا غابت الشواطئ عن أعينهم فلن يمكنهم قط العودة إلى نقطة انطلاقهم”(16).
وهي الملاحظة التي أبداها ابن خلدون حين قال: “… وهذا كله مفقود في البحر المحيط. فلذلك لا تلج فيه السفن لأنها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها”(17).
ولذلك نجد البحارة ملتزمين بمسافات لا تغيب فيها عن أعينهم رؤية مناطق اليابسة والشواطئ. ويبدو أن عدم المغامرة هذه لها ما يبررها، منها:
– عظمة المحيط الأطلسي مقارنة بالبحر البيض المتوسط،
– عدم وجود غابات، في المنطقة، ذات أشجار في وسعها أن تصنع منها مراكب كبيرة أو سفن كبيرة يمكن المغامرة بها في المحيط الأطلسي،
– الوعي كل الوعي بأن “أعظم مغامرة هي عدم المغامرة”.
– “وانّا ئتبّين ئسافّن، أر فلاّس تّرخون لبحور”(18).

لكن لا ينبغي أن ننسى بأن “للمغرب (…) أسطول تخشى صولته، وتُتَّقى في البحار دولته، فتح به طارق بن زياد الأندلس، وقام بالمواصلة بين العدوتين، وجمع بين الضفتين مدو تزيد على ثمانمائة عام. فحمل الجيوش والغزاة والعدد والميرة، والبضائع التجارية إلى إسبانيا من المغرب، زمنها إليه، وجزر البحر الأبيض المتوسط، وسائر المراسي البحرية الإسلامية التي كانت عامرة زاهرة على شواطئه.
وهو الذي ساعد على نشر حضارة الشرق بين أمم البحر الأبيض المتوسط، فامتزجت بحضارة الغرب، وتكزنت منها حضارة إسلامية بالبلاد الأندلسية، وسائر إفريقية الشمالية.”
وعليه عبر المرابطون والموحدون والمرينيون إلى الأندلس، وبواسطته استطاعوا أن يمدّوا سلطانهم عليها وعلى المغرب الأوسط، وتونس وطرابلس، إلى الحدود المصرية”(19).
كما لا ينبغي أن ننسى أن لكل من المرابطين والموحدين والمرينيين أساطيل بحرية مشهورة في التاريخ وقد كان لسوس نصيبها في أسطول المرينيين. فقد “ذكر تيراس بأنه من باب المريسة كان المرينيون يعلنون الجهاد. وفي سنة 1279 أعطى أبو يعقوب ابن أبي يوسف أوامره، بقصد الإغارة على الخزيرات، بتجهيز سفن سلا وسفن المدن الشاطئية الأخرى وجمعها في سبتة وطنجة وسلا. وقد جهزت سبتة بمفردها حسب ما ذكره ابن خلدون خمسة وأربعين سفينة بينما لم يمكن لمدن طنجة وأكادير وسلا وأنفا والدار البيضاء أن تجهز بمجموعها سوى خمسة عشر”(20).

الهوامش:
(1) LATOUI, Abderrahim (1999) Ichtyonymie marocaine, étude historico-linguistique des noms des poissons marins au Maroc -;- Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Université Mohamed V, Rabat.
(2) دراسة أسماء الأسماك.
(3) الفاسي، محمد (1982) “سوس عند الجغرافيين والمؤرخين قديما وحديثا”، مجلة المناهل، عدد 23، السنة 9، ص. 10 – 12؛ المقال: ص. 9 -26

(4) محمد القبلي (إشراف وتقديم) تاريخ المغرب. تحيين وتركيب، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الرباط، 2011، ص. 145.
(5) الكورة معناها: يؤدي افظ الكورة إداريا وفي المصطلح الجغرافي الوسيط لدى العرب ما تؤديه نفس الكلمة اليونانية (chora) ويطلق على مجال ترابي يقابل أحيانا ما يعنيه لفظ الجهة أو الناحية وأحيانا أخرى ما يعنيه المجال الحيوي لمدينة معينة. محمد القبلي (إشراف وتقديم) تاريخ المغرب. تحيين وتركيب،؛ الهامش رقم 1، ص. 145.
(6) مثل أسماء الأودية والمرافئ والمراسي والعيون وغبرها مما قد تقام به طقوس لها علاقة بالبحر أو وقعت عندها أحداث تاريخية لها علاقة بالاتصال أو التواصل عبر البحر.
(7) http://www.hassan-peche.com/content/view/435/1/(
http://www.hassan-peche.com/content/blogcategory/40/59/
Carte générale des zones de pêche (Aga-dir-)
خريطة ساحلية جديدة لأسماء أماكن لصيد الأسماك وضعت في 28 شتنبر 2009 بعد الكثير من الزيارات الميدانية لجميع نقط الصيد التي على الخريطة من كاب سيم قرب الصويرة إلى كاب درعة قرب اوربورا شمال طنطان.
وألان هاهي بين أيديكم هده الخريطة الميدانية الساحلية والتي تعرف بدقة وتفصيل أسماء اكتر من 112 نقطة من المصايد مع إضافة رسم لجميع الطرق الساحلية المعبدة باللون الأحمر زيادة على أسماء الدواير المجاورة لشريط الساحلي.

(8) صلحاء مرافئ ومراسي سوس : كل واحد تدور حوله مجموعة من الحكايات التي يتداولها السكلن المحليون عامة والصيادون خاصة تقام في أضرحة صلحاء مرافئ ومراسي سوس طقوس احتفالية تسمى : “لفيشطا ن لبحر” (كلمة “لفيشطا” كلمة أصلها برتغالية تعني ” العيد أو الاحتفال” (Festa).
أغلبية هؤلاء الصلحاء هم من أصل ركراكي. أغلبهم شيدت لهم أضرحة في مصبات الأنهار أو الوديان، وهذه المصبات يطلق عليها الصيادون بالأمازيغية “ئماون ن لبحر” (ومعناها الحرفي “أبواب البحر”) حيث يعتبرونها، في معتقداتهم وفي طقوسهم بمثابة “الأبواب” التي يلجون منها البحر والتي يخرجون منها من البحر!
(9) يشير لاووست (1923) إلى كون كل الصيادين بسواحل سوس هم أمازيغ باستثناء تيفنيت حيث لا يتم التحدث بالأمازيغية.
(10) يذهب البعض إلى “أن النفوذ النفوذ التجاري الفنيقي/ القرطاجي قد شمل عددا من المراكز بالساحل السوسي، وامتد هذا النشاط إلى عدد من المراكز الداخلية، والتي من المرجح أن تكون لتارودانت ضمنها مشاركة ما في هذه التجارة، خاصة وأنها تقع وسط سهل سوس، وعندها تلتقي الطرق الرابطة بين شمال الأطلس والصحراء”؛ نور الدين صادق عن أحمد بزيد الكنساني، تاريخ تارودانت في العصر الوسيط حتى القرن الثامن الهجري، منشورات نادي الغد الأدبي، تارودانت 1999 ،ص. 20 – 23
(11) هذه الأعلام البحرية والمرافئ والمراسي تدل على كثافة السكان المعتمدون على البحر وتشبثهم بهذه المجالات والحفاظ عليها بمختلف الوسائل المعتمدة في ذلك مثل بناء الأضرحة بتلك المواقع وإقامة مواسم بها وربط الملكية العقارية البرية بالملكية العقارية البحرية من سمك وفواكه البحر وغيرها، الخ…
(12) من بين هذه الجوانب الثقافية مجموعة من الطقوس التي تمارس في كثير من هذه المواقع البحرية نذكر منها على سبيل المثال مجموعة من المواسم التي تقام في بعض هذه المواقع وتامغرا ن ؤغرّابو التي يقول عنها الأستاذ الحسين جهادي:”عندما يصنع الزورق يطلى بالقطران المطبوخ، وعندما يبرد يقام له عرس يسمى “تامغرا ن ؤغرّابو” أي “عرس القارب”، حيث يحلى القارب مثل العروس بجميع أنواع الحلي، ثم يتناوب الرجال على حمله إلى البحر، والنساء حوله يزغردن ويغنين مثل العرس إلى أن يصل إلى البحر” (الحسين جهادي: المغاربة والبحر: نموذج أيت باعمران، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، عدد 26، 2006، ص.145 – 155.
(13) يمكن العودة إلى مقال حول “المغاربة والبحر: أيت باعمران” للوقوف على كثير من الأحداث التاريخية والسياسية والعسكرية التي ارتبطت بمجموعة من المرافئ والمراسي على الشريط البحري لسوس الحسين جهادي: المغاربة والبحر: نموذج أيت باعمران، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، عدد 26، 2006، ص.145 – 155.
(14) روجي كواندرو (1991) قراصنة سلا، ترجمة محمد حمود، المعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص. 18 (مصدر المثل: برونو Brunot في كتابه: البحر فن التقاليد والصناعات الأهلية للرباط وسلا، 1921، ص. 241.

(15) وجي كواندرو (1991) قراصنة سلا، ترجمة محمد حمود، المعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص. 47.
(16) روجي كواندرو، نفس المصدر ونفس الصفحة.

(17) ابن خلدون ، المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 1979، ص. 355.
(18) من اعتاد قطع الأنهار، يسهل عليه ركوب البحر”:
i. SBAI Larbi, 2002, Maximes et expressions maritimes, ONP, 2002, Rabat, p. 63-64, Maxime 0537.
(19) جعفر بن أحمد الناصري (2006) سلا ورباط الفتح، أسطولهما وقرصنتهما الجهادية؛ تحقيق أحمد بن جعفر الناصري، الجزء الرابع (من ستة أجزاء)، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة تاريخ المغرب، ص. 141.

(20) روجي كواندرو (1991) قراصنة سلا، ترجمة محمد حمود، المعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص. 29)
الملاحق:

ملحوضة: نظرا لعدم التمكن من إدماج بعض الملاحق (خرائط ومتن الأعلام البحرية المعتمدة)، التي تمت الإشارة إليها، يمكن العودة إلى الرابط التالي للاطلاع عليها:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10208134639540357&set=pcb.10208134660060870&type=3&theater
بعض من المصادر والمراجع المعتمدة:
– الفاسي، محمد (1982) “سوس عند الجغرافيين والمؤرخين قديما وحديثا”، مجلة المناهل، عدد 23، السنة 9، ص. 9 -26.
– القبلي، محمد (إشراف وتقديم) تاريخ المغرب. تحيين وتركيب، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الرباط، 2011.
– كواندرو، روجي (1991) قراصنة سلا، ترجمة محمد حمود، المعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص. 18 (مصدر المثل: برونو Brunot في كتابه: البحر فن التقاليد والصناعات الأهلية للرباط وسلا، 1921، ص. 241,)
– صادق، نور الدين عن أحمد بزيد الكنساني، تاريخ تارودانت في العصر الوسيط حتى القرن الثامن الهجري، منشورات نادي الغد الأدبي، تارودانت 1999 .
– الناصري، جعفر بن أحمد (2006) سلا ورباط الفتح، أسطولهما وقرصنتهما الجهادية؛ تحقيق أحمد بن جعفر الناصري، الجزء الرابع (من ستة أجزاء)، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة تاريخ المغرب.

BRUNOT, Louis (1921) La mer dans les traditions et les industries à Rabat & Salé, Edition Ernest Leroux, Paris.
CHASTEL, Robert (1994) Rabat-Salé : Vingt siècles de l’Oued Bou Regreg, Editions La Porte – Imprimerie El Maarif Al Jadida, Rabat
LAOUST, Emile., « Pêcheurs berbères du Sous », Hespéris, t. 3, 1933, pp. 237-264 et 297-361.
SBAI, Larbi (2002) Maximes et expressions maritimes, Presses des belles couleurs, Rabat
LATOUI, Abderrahim (1999) Ichtyonymie marocaine, étude historico-linguistique des noms des poissons marins au Maroc -;- Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Université Mohamed V, Rabat.
TMOULE, Abdelkader (1985) Evolution et potentialités de la pêche au Maroc, 1914 – 1985, Imprimé sur les Presses de la Société Nouvelle des Imprimeries Réunies (SONIR),Casablanca.
TIMOULE, Abdelkader (1989) Le Maroc à travers les chroniques maritimes, Tome 1: de la préhistoire à 1873, 2ème édition (revue et complétée), Imprimé sur les Presses de la Société Nouvelle des Imprimeries Réunies (SONIR),Casablanca.

http://www.hassan-peche.com/content/view/435/1/(
http://www.hassan-peche.com/content/blogcategory/40/59/
Carte générale des zones de pêche (Aga-dir-)

شاهد أيضاً

أسماء وأسئلة

إعداد وتقديم رضوان بن شيكار تقف هذه السلسلة من الحوارات كل اسبوع مع مبدع اوفنان ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *