“شيوخ “جيل كورونا !

عزيز رويبح

قدرنا ان نكون نحن اول جيل على هذه الارض شاهد بأم عينيه و تتبع بالصوت و الصورة غزو الشعوب وطي ابنائها تحت حديد الدبابات و حمم جحيمها كما شاهدنا عن قرب تدمير وسرقة اقدم الحضارات و أعرقها وجودًا و تاريخًا.

بكل حزن نحن أول جيل تلقى بدون استئذان، بخبث و تشفي و احتقار وبكل مؤثرات الفرجة الاحتفائية الممكنة تجويع الشعوب و التنكيل بها و إعدام الرؤساء و الزعماء و سحلهم على خشبة مسرح أمة واحدة في يوم احتفائها بعيد لازالت تعاند في وصفه “بالكبير “!

نحن جيل، بعيون جواحظ تفرجنا من قبل و على الهواء مباشرة على ” مناطحة” طائرات محملة بوابل من الحقد و ” الكيروسين لناطحات السحاب و لأبراج الاقتصاد و المال و ما نتج عن ذلك من دمار و قتل اخرج العدوان المحتشم ليستحيل قتلا و غزو ا ممنهجا غير الخرائط و أجْلى البشر و انتزع بالحديد و الدم الارض و الحجر و الشجر ..

نعم شاهدنا على هواتفنا الذكية و على شاشاتنا المحمولة اكثر درجات القتل قسوة في الإخراج “الديني” السادي الحاقد، بإعدام الناس في أقفاص القصاص بالتحْريق و الغرق دون رحمة و لا شفقة…

هذا صديقاتي أصدقائي نزر يسير من شرائط العنف والبشاعة التي صنعها الإنسان عن قصد ضد أخيه الإنسان تحت مبررات و مسميات في غاية السريالية و العبث و التي أكيد ستبقى حاضرة في ذاكرتنا الفردية و الجماعية و خالدة على صفحات تاريخنا كغيرها من مآسي مضت و خلدت لعُقد الإنسان و ظلمه و طغيانه و جبروته ..و منعطفات انهياره …

ليس هناك من خيط ناظم قد يبدو، لكن المأساة واحدة ما دام الانسان هو الضحية الاولى في مواجهة فيروس خرافي لا مرئي ينقض على الانسان خلسة، يتسرب و يتغلغل ثم قد يقتل دون رحمة و لا تمييز، دوخ العالم، أغلق المدارس و الأسواق و الشوارع و الساحات كما اغلق الكنائس و المساجد و المزارات و الأضرحة، ضرب في كل الاتجاهات عن قصد مسبق و تحد معلن لهزم الانسان في عقر قوة اقتصاده و علمه و تنظيمه و تحكمه ….الضحية واحد و الفاعل مختلف والإخراج متشابه في كل عناصر التراجيديا المتعارف عليها … القنوات التلفزية تنقل لنا بالصوت و الصورة و من مسرح الأحداث في ذروتها نتائج الحرب الاحادية- الهجوم و على خط الدفاع الأطباء و ممتهني الصحة في المستشفيات و المركبات الصحية و علماء البيولوجيا في مختبرات اوطانهم المعدة سلفا استشرافًا وتحسبا … يعملون باخلاص وتفاني و عيونهم مع ذلك على قرارات السلطة و احترازاتها السياسية ! في الغرب كما في الشرق اذ تقلصت التمايزات امام جلال الموت و رهبته و روع الفيروس و مساواته !

نحن “شيوخ ” ! جيل الكورونا أضيف لسجل مشاهداتنا الدرامية، إذن ،صراع جديد مصدره الطبيعة حيث أضحى الاعلام “جوقة” مصاحبة تحمل إلينا في كل مساء الى عمق حجرنا الصحي العازل اجواء بورصة الوجود بمتواليات و ثنائيات الحياة و الموت، الورطة و الخلاص، الهزيمة و الانتصار … و بدت الأرقام رغم صراخها و سوادها باردة برودة الموت المنتشر في كل مكان و باردة برودة المدافن الجماعية التي اضحت حزاما لمدن الفرح و المتعة و السهر و الشهرة كما مدن القهر و الفقر و الظلم …

ونحن جيل كل هذه المآسي قد نكون ربحنا ربما مناعة لم تتأت لغيرنا. ربحنا حيزًا كبيرًا من قوة الامل رغم كل السواد الذي احاط و يحيط بنا. أمل في ان نرى عالما جديدا ينبعث بقيم انسانية و اخلاقية اعمق و ارقى و اشمل. أمل في ان نخرج، نحن و جيل المستقبل، من ويلات حصار الكورونا بتضامن و تقارب انساني اكبر يقرب بين الدول و الشعوب و يعطي للأوطان و الانتماءات ابعادا مغايرة تعلي من شأن الانسان و تثمر قيمًا تنير طريقنا الإنساني المشترك نحو الحرية و العدالة و الكرامة للجميع على هذه الأرض .

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *