صرخة العدد 154/يونيو 2013/2963

توجه صديق لي إلى إحدى المقاطعات الحضرية بمدينة الدارالبيضاء، لكي يصادق توكيل له من أمه ليتحصل مكانها مبلغ 500.00 درهم هو كل مبلغ تقاعد أبيه المتوفى، ولما وصل إلى الإدارة المعنية صحبة والدته، رفض الموظف المكلف وضع أختام المقاطعة على التوكيل، بحجة أن والدة صديقي لا تعرف العربية، وهو لا يعرف الأمازيغية (أي الموظف)، وبالتالي لا يمكن له أن يصادق على الوكالة، إلا باصطحاب أحد الأغيار ليقوم بعملية الترجمة من العربية إلى الأمازيغية والعكس، بين الموظف ووالدة صديقي، وبالفعل اصطحب صديقي أحد المارة من الشارع العام يتكلم العربية والأمازيغية، دون أن تتوفر فيه الشروط القانونية اللازمة ليقوم بمهمة الترجمة لدى الإدارات.

نفهم أن الموظف السالف الذكر لا يمكن أن يصادق على ورقة، ما دام يشوبه الشك في معرفة هل ولية الأمر بدراية كاملة لما تضمنته الوثيقة التي بين يديه. وبالتالي لابد من وسيلة يفهم من خلالها، أو بها، أن المرأة التي أمامه والتي لا تعرف العربية، تعرف وتعي مضمون الوثيقة. لأنه يضع في إعتباره احتمال تزوير الإبن لتوكيل والدته، مادامت لا تعرف القراءة والكتابة باللغة العربية، ولكن الغير المفهوم هو كيف لهذا الموظف بأن يثق بالمقابل في أحد المارة، مادام من المفروض أن يشمله نفس شك الموظف الذي سرى على صديقي، لأنه بكل بساطة يمكن لأي أحد أن يتفق مع أي كان، لتولي مهمة الترجمة من العربية للأمازيغية، في حالة كانت له نية للإحتيال على شخص أمازيغي لا يعرف العربية.

وفي حالة وقوع المرأة موضوع حديثنا، ضحية نصب واحتيال من سيتحمل المسؤولية في قرارات موظف يتصرف خارج القانون، لسد ثغرات في قانون لم يأخد بعين الإعتبار أن ثمة ملايين الأمازيغ لا يعرفون العربية، ولطالما ضاعت مصالح الكثير منهم أو عرقلت، لمجرد أنهم لا يعرفون العربية؟.

لكن المثير للإستغراب كون الإدارة المغربية، ورغم مرور سنتين على ترسيم الأمازيغية، مازالت مسرحا لمثل هذه الممارسات التمييزية، ولم يتم تفعيل ولو جزء بسيط مما التزمت به الدولة والحكومة، خصوصا ما يرتبط منه بالشأن اليومي المحلي للسكان في جميع المناطق.

ما المانع من توفير ولو مكتب صغير خاص بالإرشاد والترجمة في جميع الإدارات، إلى حين تكوين الموظفين والأطر الإدارية، بدل أن يستمر الأمازيغي في وطنه مقهورا، ومهمشا ومحتقرا، وهو أمر لا نرضاه. إذ كيف يعقل أن مدينة كالدار البيضاء العاصمة الأمازيغية بامتياز، لايوجد بإداراتها من ينطق بالأمازيغية. ألأن الأمازيغي يميل بطبعه إلى أن يشتغل حرا غير مقيد بأوقات إدارية ومساطر إدارية، أم هي سياسة مقصودة من طرف الدولة حتى لا يلج الأمازيغ إلى الإدارات العمومية، خصوصا وأن لولوج أي وظيفة كيفما كانت تخضع لمساطر، من قبيل ملأ استمارات وتقديم سير ذاتية، يفرض فيها أن تتضمن اللغة ومكان الازدياد والاسم واللقب، تلك المعطيات التي كثيرا ما تكون حاجزا أمام صاحبها للولوج إلى بعض الوظائف، لأننا مازلنا نعيش عنصرية وتمييزا مقننين ومؤسسين على النسب والإنتماء، و(بطائق الأدارسة) دليل لا يحتاج إلى برهان إضافي، ينم على العنصرية والتمييز، المفروض أن يوضع له حد انسجاما مع كل الشعارات المعلنة من قبل الدولة. ما دام استمرار منح تلك البطائق فيه خرق واضح للقانون وللمساواة المفروضة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، إذ يزين بها البعض واجهات السيارات، ليتجاوزوا السرعة القانونية، ويمروا تاركين من دونهم واقفين في الضوء الأحمر من دون حسيب ولا رقيب، أو يتجاوزون الأسبقية في مداخل الإدارات والمستشفيات مستغلين عبارة “يجب توقير واحترام وتقدير حامل هذه الشارة/البطاقة” و”بأمر من صاحب الجلالة نصره الله يجب احترام وتقدير آل البيت النبوي الشريف” لمنح جميع التسهيلات لحامل هذه البطاقة، وكأن بقية المواطنين غير ملزم توفير جميع التسهيلات التي يكفلها القانون لهم.

وأكثر ما يبين أن الممارسات العنصرية أصبحت في كل مكان ويحس بها الصغير والكبير ببلادنا، هذا مثال لأحد التلاميذ من معارفي، الذين أمرتهم معلمتهم بأن يصفوا لها مهرجانا فنيا، مباشرة بعد اختتام مهرجان موازين، فقام تلميذنا بوصف مهرجان فني ذو طابع أمازيغي، ولكن بعد خروجه من المدرسة أحس بتأنيب للضمير كأنه ارتكب خطأ شنيعا، وتمنى أن لا تكون المعلمة عنصرية لكي لا تمنحه صفرا، وتخوفه مفهوم وله أسسه ومبرراته التي تنبني على تراكمات عقود من التمييز والحكرة، والعنصرية المقننة، تمتد إلى المدارس والجامعات، كما إلى الوظائف السامية، التي لا يحظى بها إلا من له نسب شريف، ما حذا بأغلب الأمازيغ وهم معروفون بالتنصل والتنكر لجذورهم، والإنتساب إلى الأدارسة وآل البيت ضمانا لوظيفة سامية أوحياة كريمة، لكن كثير منهم يستمر في الشعور بعقد نقص بسبب أصله الأمازيغي، لأن القضية برمتها تعود إلى سياسة الرفع من قيمة كل ما هو عربي والحط من كل ما هو أمازيغي، لتسهيل تعريب الأمازيغ، ولأن بعض الأمازيغيين يبحثون عن حلول سهلة لواقع العنصرية، فإنهم يسارعون للإرتماء في حضن العروبة، بدل الدفاع عن أصلهم وحقوقهم، دفاعا كان له ولا زال ثمن ليس الكثيرين مستعدين لدفعه، لذا يستمر الوضع على ما هو عليه، رغم أن لدينا دستور ترد فيه عبارة أن الأمازيغية لغة رسمية، وبعد سنتين من إنتظار قوانين تنظيمية لا تلوح في الأفق، نتساءل كم سننتظر مجددا تفعيلها حتى لو وجدت.

وقديما قال الحكيم الأمازيغي:

ⴱⵓ ⵜⵡⴷⴰ ⵏ ⵓⵎⴽⵙⴰ ⵓⵔ ⴰⴷ ⵉⴳ ⴰⴱⵍⴰ ⴰⵎⴽⵙⴰ
bu twada n umksa ur ad ig abla amksa

صرخة العدد 154 / يونيو – جريدة العالم الأمازيغي

شاهد أيضاً

أمينة ابن الشيخ

صرخة العدد 277 فبراير 2024/2974

أثارتني بعض الردود “الغاضبة” من تصريحات الناخب الوطني المغربي، السيد وليد الركّراكّي، أثناء تدخله في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *