صرخة العدد 256 ماي 2022/2972

أثار مسلسل “فتح الأندلس” الذي بثته القناة الأولى التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، موجة سخط عارمة من طرف فعاليات أمازيغية ومثقفين ومؤرخين مغاربة، بسبب ما تضمنه من تزوير ومغالطات وطمس للحقائق التاريخية في ما يتعلق بأصل وجغرافية فاتح الأندلس القائد الأمازيغي المسمى في المصادر التاريخية بطارق ابن زياد.

اختلفت ردود أفعال هؤلاء المستائين من سيناريو المسلسل، منهم من توجه مباشرة إلى مراسلة فيصل العرايشي الرئيس المدير العام للإذاعة والتلفزة المغربية، مطالبا إياه بوقف بث المسلسل، ومنهم من سلك طريق القضاء برفع دعوى قضائية استعجالية ضد الشركة المسؤولة على البث. الذين رفعوا الدعوى طالبوا القضاء بوقف المسلسل المذكور لما يتضمنه من أكاذيب وتزوير وإساءة لتاريخ وجغرافية المملكة المغربية وللمغاربة أيضا. وهي الدعوى التي قوبلت بحكم عدم الاختصاص.

فيما ذهب البعض الآخر إلى مراسلة المجلس الأعلى للسمعي البصري بصفته هيئة حكامة، تراقب مضامين الإعلام السمعي البصري، إلا أن رد الهيئة كان هو الآخر محبط لانتظارات المؤرخين الذين سلكوا تلك المسطرة، واعتبرت الهيئة في قرارها الانتاجات السمعية البصرية تدخل في إطار حرية التعبير والإبداع.

يجب أن نعترف أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها تشويه تاريخنا المغربي، إنما هي عادة ألفناها للأسف في البرامج التلفزية التي شوهت ليس فقط التاريخ ولكن الجغرافيا أيضا.

في البرامج التعليمية التي يشحن فيها المغربي ضد بلده وهويته، فأن يعتبر المنهاج الدراسي في التاريخ، الأمازيغ هم سكان المغرب الأولون، “أتوا من الشام عن طريق الحبشة ومصر”، فإن هذا المنهاج يزيل على المغاربة صفة السكان الأصليين لهذه الأرض وعامة شمال إفريقيا.

ما كرسه المنهاج المدرسي من تشويه للحقائق لا يختلف عن ما حاول المسلسل “المشرقي” تمريره أمام المواطنين الذين لم تطأ أقدامهم فصول الدراسة، من لم تدجنه المدرسة بالمضامين التعليمية البعيدة عن الأهداف العامة التي من المفروض أن يتم التركيز عليها في كل المراحل التعليمية وهي: المعرفة، المهارات ثم بناء المواقف، إلا أنه للأسف ما وصل إليه التعليم الآن من تدني مستوى الطالب أو التلميذ في القراءة والكتابة يقابله ضعف مستوى المعارف بل أكثر من ذلك، ضعف، إن لم نقل تدني الوطنية وحب الوطن.

إننا في المغرب، وكمغاربة لم نكن يوما أيتام التاريخ، بل إن أرضنا عرفت في جميع المراحل التاريخية، بأحداث بصمت ليس فقط نحن المغاربة، بل بصمت مسار الشعوب عبر العالم، تاريخ عميق بمعارك وحروب يشهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، تاريخ يجب علينا جميعا الإفتخار به ورد الإعتبار إليه وتصحيحه في المدرسة وفي الإنتاجات السينمائية والتوثيقية عبر تشجيع البحث العلمي في الجامعة وتشجيع البحث الأركيولوجي والأنثربولوجي، وإبراز تاريخنا العريق والمصالحة معه، ومع ما يزخر به من موروث حضاري وثقافي. إن المغرب ليس فقط بلدا أصليا للأمازيغ، إنما مهد الحضارة الإنسانية، وما برهنت عنه  الإكتشافات الأركيولوجية الحديثة على أن المغرب مهد الإنسانية، ولن يختلف عن ذلك إثنان و”أدرار ن ئيغود” بشموخه الأبدي شاهد على نمط حياة الإنسان العاقل الذي استوطنه منذ ما يزيد عن 315 ألف سنة، واكتشافات ايفري ن عمار بالريف والأطلس وحفريات سيدي عبد الرحمان بالدار البيضاء وأخرى بالصويرة وزاكورة وطاطا وغيرها من المناطق المغربية التي بدوره تتزين جبالها وصخورها برسوم وكتابات أمازيغية من حروف تيفيناغ كلها شاهدة على نبوغ السكان الأصليين الذين نحن منهم.

إن الأمل في العودة إلى جذورنا قائم وأبدي، وبدأت بوادره مع بداية الألفية الثالثة بالإعتراف الملكي بأمازيغية المغرب، عبر الخطب السامية وإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الأمر الذي توج بترسم الأمازيغية في دستور المملكة، هذه المواقف الملكية السامية التي تجاوز بها الأحزاب السياسية ومن يسمون مفكرين وحقوقيين، وها هو جلالته مرة أخرى يعطي إشارات أقوى يتجاوز بها من يسمون أنفسهم مؤرخين، وذلك في خطابه بمناسبة 20 غشت، ذكرى ثورة الملك والشعب، حيث أكد جلالته على أن “المغرب مستهدف لأنه دولة عريقة تمتد لأكثر من اثني عشر قرنا، فضلا عن تاريخها الأمازيغي الطويل”.

كم نحن محظوظون، بملك استباقي في مواقفه التي يتجاوز بها السياسيين والمفكرين والحقوقيين في طرح قضايا تعد طابوهات في مملكته، كما هو الحال بملف الصحراء المغربية الذي يعود له الفضل في طرح حل الحكم الذاتي سنة 2007، لحله وإنهاء النقاش حوله، في الوقت الذي كان فيه التفكير أو القول بالحكم الذاتي جريمة وينعت مروجوها بالإنفصاليين، نفس الشيء وقع كما أسلفنا مع القضية الأمازيغية، وهاهو الأمر نفسه يتجدد مع تاريخنا ورد الإعتبار له.

فإذا كانت دول كثيرة تبحث عن تاريخ لنفسها، فنحن لنا تاريخ وحضارة يشهدان علينا وعلى جغرافيتنا، فعلى الدولة تحمل مسؤولياتها في رد الإعتبار لهذا التاريخ الذي يعبث به كل من هب ودب.

وقديما قال الحكيم الأمازيغي:

ⴰⵥⵕⵓ ⵏ ⵜⵎⴰⵣⵉⵔⵜ ⴰⵙ ⵉⴱⵏⵏⴰ ⵢⴰⵏ
aZRu n tmazirt ass ibnna yan

صرخة العدد 256 ماي 2022/2972 – جريدة العالم الأمازيغي

شاهد أيضاً

صرخة العدد 258-259 يوليوز-غشت 2022/2972

شاركت رفقة وفد مغربي في اللقاء الدولي حول «استعراض واقع حرية الصحافة في ليبيا» وما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.