صرخة العدد 262 نونبر 2022/2972

كان لي شرف الحضور في فعاليات اللقاء الذي نظمه نادي الصحافة بالمغرب والمركز المغاربي للدراسات والأبحاث في موضوع: “محتويات منصات التواصل بين حرية التعبير والتفاهة“. فقبل الخوض في أبعاد هذه القضية، لابد من الوقوف عند مصطلح التفاهة في واحد من معانيها الذي يدل على الحقارة والدناءة، وهي بالتالي نقص في الأصالة والإبداع والقيمة أو القيم، كما يمكن ان نصف بها كل ما لا أهمية ولا طعم له ولا قيمة له أيضا.

إلا أنه في كثير من الأحيان، حين نقدم على وصف شيء ما بالتافه قد يعتبر حكم قيمة، ولو يبقى دائما الوصف نسبيا في كل الظروف والمقامات، فما أراه تافها لا يراه غيري بالضرورة كذلك.

ومن الأسئلة التي تفرض نفسها علينا في هذه السياقات، لماذا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بـ”التفاهات” وما طبيعة هذه التفاهات؟ وما المقصود بالتافه في مواقع التواصل الاجتماعي، وهل يعني فقط ما يعرف بروتيني اليومي تحديدا؟.

وماذا نقول عن محتويات المنصات التي تقدم نصائح في التغذية وفي التجميل والتطبيب بدون مرجعيات علمية وطبية؟ وما موقع منصات الإفتاء والدعوة التي يديرها الشيوخ والفقهاء الذين يفتون في الدين دون تكوين في علم الأديان وفي التراث الفقهي الإسلامي؟.

ومن يتحمل المسؤولية فيما وصل إليه المجتمع من فساد أخلاقي وانحلال قيمي؟ هل الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الإعلام؟ أم الأحزاب السياسية أو المجتمع المدني؟ أم المسجد؟.

أعتقد أنها أسئلة لن نجد لها أجوبة إلا في حالة ما التزمنا بالكثير من الموضوعية في تحليل الوضع والتزامنا بالمزيد من الجرأة لوضع الأصبع على مكامن الداء، وتسمية الأشياء بمسمياتها، ونحمل المسؤولية لمن يجب أن يتحملها فعلا، كما يجب تحديد أدوار كل المؤسسات السالفة الذكر، كل واحدة ودرجة مسؤوليتها الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ومن هذا المنطلق لابد من طرح سؤال جوهري وهو من له سلطة التربية أو بكل بساطة من يربي؟.

أعتقد أن الأسرة لها حظها في التراجعات الأخلاقية، ومثال واحد قد يدل على أن مؤسسة الأسرة لها يدا في هذا التفسخ القيمي، بالنظر إلى ما يقوم به آباء وأمهات التلاميذ والتلميذات الذين يثورون في وجه الأساتذة المكلفين بالحراسة أثناء الامتحانات بحجة أنهم لا يتركون أبناءهم يغشون في الامتحانات، ويبحثون لهم عن مشجب يعلقون عليه فشلهم ورسوبهم، والدرس الذي يمكن استخلاصه من سلوكات مثل هؤلاء الآباء، هو أن الأسرة قدمت استقالتها وتخلت عن واجبها الأساسي في التربية والتقويم.

هل المدرسة هي السبب؟ فجميعنا يعلم أن اللبنة الأساسية لبناء تعليم جيد هي الأستاذة والأستاذ باعتبارهم الحلقة الأساسية في سلسلة التكوين والتربية الأخلاقية والوطنية. إلا اني لا أعتقد أن المدرسة تؤدي وظيفتها في التربية كما يجب، ذلك حين نرى بعض الأساتذة يروجون لمقاطع فيديو من داخل القسم لا علاقة لها بالتربية والتكوين، أو حين نجد أستاذا يتباهى بالوجه المكشوف في مواقع التواصل الاجتماعي بكون تلامذته الفتيات يتنافسن على الظفر بعلاقة عاطفية معه، أو حين تتطلع إلى أخبار الاغتصاب في المدارس وفي رياض الأطفال تتصدر صفحات الجرائد وتعج بها غرف المحاكم.

هل الأحزاب السياسية؟ أشك في ذلك كذلك حين تجد زعماء الأحزاب وممثلي الأمة الذين من المفروض فيهم أن يلعبوا دورهم الأساسي في تأطير المواطنين والعمل على الترافع من أجل الرقي بهم أخلاقيا واقتصاديا، يتنابزون فيما بينهم بالألقاب ويسبون بعضهم البعض ويتلونون كالحرابي بألوان تتغير حسب مصالحهم، متنصلين من الوعود والالتزامات التي التزموا ووعدوا بها.

هل المجتمع المدني؟ أشك في ذلك خصوصا أن المجتمع المدني للأسف الذي يتفق الجميع ان دوره الأساسي هو التأطير والترافع والتثقيف وو …، أصبح يغرد خارج السرب، شغله الشاغل هو التهافت على وضع مشاريع، أغلبها لا علاقة له باهتمامات المواطنين، ولا بقيم مجتمعنا، بل يضعها فقط ليتنافس بها من أجل تمويلات أجنبية ودعم خارجي.

الإعلام؟ أشك في فعالية دوره في التحسيس والتأطير والتثقيف وحتى الإخبار، لأنه إعلام مستلب ليس في مضامين البرامج التي يبثها فقط، بل كذلك في اللغات التي يستعملها وهي لغات خشب، لغات جافة لا يفهمها المواطنون وبالتالي فهي لا تؤدي وظيفتها.

هل المساجد؟ لا أظن لأن فقهاء المساجد منهمكون ومشغولون فيما يدر الأموال من رقية شرعية وكتابة تعويذات، يستغلون بها ضعفاء النفوس والمرضى النفسيين للسطو على أموالهم؟.

للأسف كل هذه المؤسسات قدمت استقالتها من فعل التربية والتوجيه، وتركت المجال لمواقع التواصل الاجتماعي في تأطير الأبناء. واستحضر هنا رد شاب صغير حول سؤال الصحفي، حول ما تلفظ به المسمى “طوطو” أثناء الحملة ضد هذا الأخير، فقال الشاب أنه وأقرانه لم يفاجئهم هذا الكلام لأنهم ألفوه ويجدونه كلام عادي وبالتالي فهو قدوتهم.

إذن لمن تعود مسؤولية التربية والتكوين في بلادنا؟.

إنها مسؤوليتنا كلنا، وليس لنا الحق في التخلي والتنصل منها لأننا معنيون جميعا، أبناء وبنات هذا الوطن، وأباء وأمهات هذه الاجيال الصاعدة.

وقديما قال الحكيم:

aslham umlil ur agh iskar gh gar urgaz ttalb
ⴰⵙⵍⵀⴰⵎ ⵓⵎⵍⵉⵍ ⵓⵔ ⴰⵖ ⵉⵙⴽⴰⵔ ⵖ ⴳⴰⵔ ⵓⵔⴳⴰⵣ ⵟⴰⵍⴱ

البرنس الأبيض لايجعل من الرجل فقيها.

صرخة العدد 262 نونبر 2022/2972 – جريدة العالم الأمازيغي

شاهد أيضاً

أمينة ابن الشيخ

صرخة العدد 278 مارس 2024/2974

المرأة نصف المجتمع، إن لم تكن المجتمع كله، نقول هذا الكلام ليس اعتباطا، بل استنادا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *