عودة لملف الحقيقة حول الاختطاف السياسي بالمغرب

مصطفى المنوزي

الحلقة الأولى

إن قضية الحسين المنوزي المختطف من تونس العاصمة في 29 أكتوبر 1972 والمحتجز بها إلى ثاني نونبر ، والفار من المعتقل السري / النقطة التابثة ثلاثة يوم 13 يوليوز 1975 تزامنا مع حلول ذكرى اعدام عمه الرائد ابراهيم المنوزي من نفس اليوم سنة 1971 ; لم تعد فقط قضية عالقة ، بل قضية رهينة ، وعنوانا للتسويف والتعذيب ، هي جريمة مركبة ومستمرة في الزمان والمكان ، فضدا على مأسسة النسيان سيظل الاختفاء القسري في ذاكرتنا اختطافا سياسيا واحتجازا مستداما و تعذيبا سرمديا ، وليعلم الجميع أننا نستلهم صمودنا من عدالة القضية ومن الحكمة الإلهية التي ، كالتاريخ ، تمهل ولا تهمل ، ليس بمعنى الانتقام والثأر ولكن بمعنى استيفاء الحق في معرفة الحقيقة ومحاكمة الجلادين ومن تخول له نفسه التستر عليهم وطمس الحقيقة.

فملف الحقيقة القضائية لازال في يد القضاء « المحلي » الذي لم يتسنى له التحرر من التبعية والخضوع كمسخر في يد الجهاز التنفيذي برؤوسه المتعددة ، عضويا ومزاجيا وتعسفا وتحكما ، ويبدو أن الانشطارية قد نالت من انسجام القرار الأمني والمخابراتي ؛ وكادت المقاربات الأمنية من داخل المربع تعرف تمايزا واختلافا ، وكأن الخلاف في منهجية تدبير الحاضر والمستقبل عادت لتتأثر بأرشيف الماضي الأسود ، مما يوحي بأن مسلسل الحقيقة والمصالحة قد تم وأده إلى الأبد.

وهذا ما يؤكد أن أي اختلال أو مؤشر لتكرار الانتهاكات الجسيمة على وشك الإنتعاش والفتنة النائمة ستنهض من تحت رماد جمر سنوات الرصاص ، من خلال النبش في ملفات سؤال ” ارتباطات ” الحركة الوطنية والتقدمية ، والمعارضات السياسية بالقوات المسلحة الملكية والخوارج ، بدعوى أن الانقلابات العسكرية الظاهرة والكمينة الفاشلة جرت على أساس تواطؤ بين عدة جهات ضد القصر الذي منذئذ ، لم يعد يطمئن لمؤسسة كقاعدة اجتماعية ، غير أن التسويات التي جرت تباعا وتوجت بما يسمى بالتناوب التوافقي كتفاعل ايجابي متماطل مع الرسالة الملكية بمثابة عرض سياسي ، خلال فترة الاستثناء ، وكان بيان ثامن أكتوبر 1972 جوابا على العرض الملكي ، تعزز مقتضياته بانتفاضة ثالث مارس 1973الموؤودة .

وبين تاريخي الواقعتين كان اختطاف الحسين المنوزي من تونس يوم 29 أكتوبر 1972 ، من طرف المخابرات المغربية كعملية سيادية سوداء وتحت إشراف الجنرال أحمد الدليمي ، والذي أشرف شخصيا على قمع واعتقالات واغتيالات أحداث مولاي بوعزة وخنيفرة ، وليشاع بأنه هو من أشرف على عملية اختطاف بعض الضباط العسكريين (عبابو وعقا ومن معهما) المشاركين في انقلابي صيفي 1971 و1972 من السجن المركزي بالقنيطرة ، وسينسب إليه أنه من سيودعهم شخصيا في المعتقل السري النقطة التابثة 3 ، لتتم تصفيتهم جميعا ومعهم المختطف الحسين المنوزي ، إثر محاولة فرارهم جميعا من المعتقل السيء الذكر في 13 يوليوز 1975. وجوابا على تفاصيل حقيقة ما جرى خلص تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة وبعده تقرير المتابعة ، الفوي خاصة ، إلى أن الحسين المنوزي ” اختطفته عصابة ” من الدولة واغتالته ، ليطرح سؤال مادية الوفاة وأسبابه وسياقها ، وفي ضوئه مطلب مدفنه .

ولأن حقيقة مصير الحسين ستظل الشغل الشاغل للعائلة الصغيرة والكبيرة والسياسية والدينوقراطية الكبرى ، فإن كل التصريحات التي ” يبوح ” أو ” يقر ” بها بعض قدماء الدبلوماسيين المخابراتيين والأمنيين ، ولو كانت مغرضة ومضللة كحق يراد به باطل لتشويه سمعة ومسار المناضلين الشرفاء ، فهي قد تفيد في بعض حيثياتها مطلب إجلاء بعض الحقائق للجواب على سؤال الحق في الحداد بتسليم الرفات والدفن الكريم ، ففيها تحد لمقتضيات قانون حصانة العسكر ، خاصة المادة السادسة التي تمنع قول الحقيقة والشهادة ؛ لأن الحقيقة مطلبنا الثوري الصامد والمقاوم لكل مخطط يروم إقبار الحقيقة ومأسسة النسيان وشرعنة الإفلات من العقاب ، والشهادة خاضعة لتقدير القضاء ؛ وفي أفق نقد الذاكرات المصطنعة يبدو أن دور النيابة العامة جدي ومطلوب بصيغة الواجب والحالة هاته ، خاصة وأن التصريحات صادرة عن ضباط ودبلومسيين يزعمون أن علاقتهم كانت مباشرة مع الدولة في شخص القيادات السامية للقوات المسلحة الملكية ، وإنه قد حانت الحقيقة القضائية لكي تمتحن مرة أخرى مزاعم ” الحقيقة الإعلامية ” وتختبر قدرات سلطتنا القضائية على إنصاف الذاكرة والحقيقة الوطنيتين .

شاهد أيضاً

مجموعة اهياضن من فرقة محاربين إلى مجموعة فنية راقصة وبهلوانية

الثقافة والفنون هما أشبه بعمارة مؤلفة من أبنية فكرية شعورية ولاشعورية، وأساسها القاعدي بناء تكاملي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *