كتاب وآراء

فخ اليعقوبية: جذور الإقصاء عند اليسار المغربي التقليدي

بقلم: أحمد بودهكات.

عندما ينعث فاعل يساري كرنڤال “بيلماون” الشعبي بالممارسات “الوثنية”، ثم يعود داخل قبة البرلمان ليعترض على تخصيص دعم مالي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، فإنه لا يرتكب مجرد خطأ عابر، بل يكشف عن أزمة عميقة يعاني منها الفكر اليساري التقليدي. هذا الموقف يعكس تورط نخب تحسب على صف التنوير في تبني الفكر اليعقوبي الذي يقدس مركزية الدولة والوحدة المفروضة بالقوة وينبذ الاختلاف، وهو ما يجعله يتناغم بشكل غريب مع التيارات المحافظة التي تعادي التراث والثقافة المحلية. وفي المقابل، تبرز الحركة الأمازيغية كملاذ حقوقي ومجتمعي يؤمن بفلسفة الوحدة في التنوع، ويعتبر الحقوق الثقافية واللغوية جزءا أساسيا من كرامة الإنسان وبوابة للعدالة المجالية.

​تتغذى مواقف هذا التيار اليساري من روافد مزدوجة تصب في خانة المركزية المطلقة؛ فمن جهة، ساهم التكوين الفرنكفوني في تلقي مفاهيم الدولة الحديثة عبر القالب الفرنسي الكلاسيكي الذي يعتبر التنوع اللغوي والإثني عقبة أمام الاندماج الشامل. ومن جهة أخرى، تداخل هذا الانتماء مع أدبيات التيار القومي العروبي، لينتج فكرا يقدس المركز ويقصي الخصوصيات. هذا المزيج يدفع بعض اليساريين للتحالف مع خصومهم الأيديولوجيين للحفاظ على نفس المركزية المعادية للاختلاف.

​حين يناقش البرلمان دعم اللغات الرسمية، يبرر بعض النواب اليساريين موقفهم بالتحذير من تفضيل لغة على أخرى، مطالبين بمساواة ميكانيكية تتجاهل التاريخ الطويل للاضطهاد اللغوي والثقافي الذي تعرضت له الأمازيغية. تتعامل هذه المقاربة مع جميع المواطنين وكأنهم ينطلقون من نفس الخط، متناسية أن الأمازيغية عانت من التهميش لعقود، مما يجعل الدعم المالي الاستثنائي ضرورة للعدالة الانتقالية لا مجرد امتياز فئوي. هذا الخطاب يخفي خوفا دفينا من موت سردية الوجود، في حين تعتبر التعددية الحقيقية منطلقا لبناء الوحدة على أساس التعاقد والتوافق لا على الصهر والإقصاء.

​في مواجهة هذه النظرة الضيقة، تقدم الحركة الأمازيغية نموذجا حقوقيا وفكريا يقوم على ركائز واضحة تؤمن بأن الوحدة الوطنية لا تبنى بطمس الهويات، بل بالتفاعل بين روافد متعددة تشمل الأمازيغية والعربية والعبرية والإفريقية والمتوسطية. كما تقوم على أن حقوق الإنسان لا تقتصر على الحريات السياسية الفردية، بل تشمل الحقوق الثقافية واللغوية والذاكرة الجماعية باعتبارها مقومات للوجود الإنساني، معتبرة المركزية المفرطة هي سبب تهميش المغرب العميق، مما يتطلب لامركزية حقيقية تمنح الجهات حق تدبير شؤونها داخل وحدة الوطن.

​إن بقاء رواسب الفكر اليعقوبي الممركز داخل بعض أطياف اليسار المغربي يعكس قطيعة مع الواقع السوسيولوجي للبلاد، فاليسار الحقيقي ينشد التحرر والعدالة الاجتماعية ولا يمكنه أن يتبنى منطق الاستبعاد والنمطية. وإنصاف اليسار لن يتم إلا عبر مصالحة جذرية مع تنوع المجتمع، وإدراك أن قوة المغرب تكمن دوما في قدرته على نسج وحدته من خيوط التعدد والاختلاف التي تضمن كرامة المواطن وهويته أينما تواجد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى