«مغريضو»: مسلسل درامي تشويقي هادف يتخطى سؤال “من الشخص المجهول؟”

أتذكر أني قبل سنة تقريبا وبالضبط وقت إعلان فريق عمل مسلسل “مغريضو” عن الإنتهاء من تصويره وفي حديث دار بيني ونفسي، تساءلت: هل سيكون “مغريضو” عملا يُشعرنا أننا أمام إنتاج يستحق وقتنا وفكرنا ومتابعتنا؟.

خاصة في ظل اعمال نشاهدها “مرغمين”، مليئة بالأخطاء الدرامية ومكتوبة بأشكال سيئة للغاية، بل حتى الممثل فيها يجد عناء في أداء الأدوار التي تُسند له، لكونها مفتقدة لأشياء كثيرة منها طبعا الرؤية الدرامية… حتى أصبح من الصعب فعلا، مشاهدة بعض الاعمال الريفية الجديدة، التي أصبحت في أغلبها منسلخةً عن واقعنا؛ قصصها بعيدة عمّا نحن عليه، ووجوه كثيرة من ممثليها تحمل خذلانهم لنا..

اليوم وبعد مرور ما يقارب النصف من رمضان، يمكنني القول أن “مغريضو” تمكن فعلا من كسب ثقتي وثقة المشاهد الريفي، بل وأسال الكثير من الكلام وألهب مواقع التواصل الإجتماعي بالتفاعل والإعجاب.

استطاع مسلسل “مغريضو” من إخراج طارق الادريسي، وبطولة كوكبة من الفنانين الريقيين، والذي يعرض على قناة “الثامنة الأمازيغية” أن يلفت انتباه المشاهدين منذ الحلقة الأولى، بل والملاحظ فعلا أنه وعلى مدار الحلقات التي مرت استطاع الحفاظ على جمهوره الذي يزداد يوما بعد يوما.

وإن تباينت أحيانا بعض ردود الأفعال والمواقف تجاهه من قبيل أنه “ليس مسلسلا عائليا” فإن الكثير من أصحاب هذه الردود اتفقوا على الأداء اللافت لجل الممثلين بل والمبهر لبعضهَم (إيدير) وطبعا هذه المسألة لا تتحكم فيها قدرات الممثل فحسب بل أيضا عناصر تقنية أخرى خارجة عنه مثل جودة السيناريو وقوة الاخراج ..

بل ولم تتأثر شعبية المسلسل بتاتا، نظرا لتوفره على العديد من العناصر الجاذبة للمشاهد، من حيث قوة الاخراج وجودة السيناريو المثير بأحداثه وتساؤلاته ومع الآداء المختلف، والإخراج التقني المميز، وحمله لإسقاطات سياسية واجتماعية قوية كثيرة على الواقع الريفي والمغربي بشكل عام، هي كلها عوامل ساهمت في جعله أحد أبرز الأعمال المعروضة حاليا.

ولأن المسلسل اعتمد بشكل أساسي على عدد من الخيوط، ومجموعة من الحكايات والقصص المستقاة من واقع الحياة اليومية، ولم يقتصر الأمر على حكاية واحدة، فكنا نجد أنفسنا كل مرة وبعد كل حلقة شغوفًين بمتابعة المسلسل للتعرف على التفاصيل الأخرى لشخصياته، والتي كنا نجد أنفسنا أحيانا متورطًين مع حكاياتها بين التعاطف أو الغضب.

يمكن القول فعلا أن مغريضو مسلسل من العيار الثقيل بعيد كل البعد عن الأعمال التجارية التي تغلب على الأعمال الرمضانية،  ليس الأعمال الأمازيغية وحدها بل والمغربية بشكل عام، فمنذ الحلقة الأولى بالمسلسل تم تقديم معالجة درامية للأحداث بأسلوب متقن وملفت، كما تطرق المسلسل إلى قضايا كثيرة سبق وأخذت حيز من الإهتمام الإعلامي في الريف كما في باقي المغرب منها الهجرة السرية، التسيير الجماعي، دور المستشاريين، سلطة المنتخبين.. فساد، استغلال، اغتصاب، عنف وغير ذلك من المعضلات الاجتماعية اليومية.. وهي قصص مستوحات من الواقع ومبنية على أحداث مرتبطة بالحياة اليومية للمواطن الريفي… بمواضيع آنية يعيشها المجتمع بمنطقة الريف على وجه الخصوص..

أمور وأخرى كثيرة ساهمت في أن يكون لكل لحظات المسلسل تأثير شديد على المشاهد، فمن الحلقة الأولى لم يقل مستوى السيناريو ولا التمثيل بل ازدادا قوة. وهذ راجع لكون المسلسل مكتوب بشكل جيد ومتقن، وفي حلقات معينة ممتاز… سلسلة متتابعة من الأحداث والحوارات والمشاهد شكلت ورسمت خطوط المسلسل وهيئته العامة بطريقة احترافية، وحوّلت الأفكار والرسائل التي أراد كاتب العمل محمد بوزكو إيصالها لنا إلى قصص ممتعة محبوكة تجذب اهتمامنا.

وطبعا لم يكن ليصل إلى ذلك لولا حسًّه الأدبي العالي، وخبرته في تحويل الأفكار إلى سيناريوهات ذات حبكة مناسبة .. وإيمانه الشديد أن السيناريو الجيد هو أساس أي عمل ناجح، مهما كانت طبيعته.

وتمثل فكرة تحالف كل المظلومين والمهمشين في المسلسل ضد “الظالم الفاشل المستبد” مثلا، صيغة رائعة لتطوير الأحداث ولتفجير كل المظالم في وجه “السلطة الظالمة” التي تطغى، تنهب وتهجر الناس في الريف وتقضي على أحلامهم بلا حساب..
في مشاهد تثلج الصدور نعيش مع أحداث المسلسل كيف جعل السيناريست ومعه المخرج الجميع والواحد تلو الآخر يلتئمون ويتضامنون مع بعضهم البعض ليثوروا بالتالي على الفاسدين أو رؤوس الفساد، في إشارات واضحة إلى أنه سيأتي يوم سيلتئم فيه جميع المظلومين والمهمشين والمستَغَلين الضعفاء الذين أصبحوا على دراية أن حقوقهم لن تضيع مهما طال الزمن أو قصر.. ولا يمكن لأي جبروت أو طغيان مهما طال أمده أن يطمس الحقيقة أو ينتزع منهم تعايشهم وانسجامهم المجتمعي ..

أما الإخراج فهو عبارة عن مغناطيس استطاع أن يجذبنا به المخرج طارق الادريسي بكل تقة وبكل قوة لمشاهدة المسلسل، فالثقة بالإخراج والإتقان بعدسة المخرج أعطت فعلا رونق إضافي للمسلسل… فتميز العمل بحضور رؤية واضحة أطرته، رؤية تدخل ضمن تصور إخراجي نجده في مسار المخرج طارق الادريسي، إضافة إلى أداء الممثلين الذي كان جيدا ومختلفا..

فعلى مستوى الكاستينغ، كان اختيار الممثلين موفقا، بل إن التشخيص كان قوة المسلسل، بفضل قوة أداء بعض الممثلين الذين أبانوا فعلا عن قدرة هائلة على اللعب المتقن والأداء الجيد، ومنهم من وظف أحاسيسه الداخلية من نظرات وملامح وحركات وحضور جسدي للتعبير عن حالات نفسية معينة..

وكذلك على مستوى التعامل مع أسماء معروفة على الساحة الريفية، جعل العمل متميزا، وأكسبه القوة اللازمة، عكس ما ذهب إليه البعض الذين عابوا على المخرج وشركة الانتاج الاعتماد على وجوه معتادة، سبق لها أن شاركت معهم في أعمال سابقة، بل وتعاملوا معها -تقريبا- طيلة مسارهم الفني.. هي صحيح وجوه ألفناها لكنها أيضا أبانت عن طاقات اكتشفناها بل أن بعض الوجوه التي أثبتت موهبتها زادتنا تأكيدا وإقناعا.

فكل الممثلين أبانوا عن تقنية كبيرة في الأداء، مع استثناءات بسيطة لبعض الوجوه التي أثبتت عدم كفاءتها وعدم قدرتها على تقمص الأدوار التي أسندت لها، بل ومنها من أبانت فعلا عن ضعفها الكبير في مجال التمثيل… (ومن الأفضل لها أن تتوجه لميادين أخرى فقد تنجح فيها أكثر).

خلاصة الحديث، يمكن القول أن مسلسل مغريضو من أفضل الأعمال الدرامية التي تعرض برمضان هذا الموسم من ناحية ثالوثً متقن بامتياز السيناريو والتمثيل والإخراج.

آخر السطر..

شكرا لكل فنان يحترم نفسه ومشاهديه وقدر ذكاءهم وفكرهم وعقلياتهم.

  بقلم: محمد بوتخريط – هولندا

شاهد أيضاً

حول أمازيغ الأندلس

ينظم الكرسي الدولي للثقافة الأمازيغية ندوة عن بعد حول موضوع “مساهمة الأمازيغ في تاريخ الأندلس” ...

تعليق واحد

  1. مسلسل فيه كل المواصفات ليكون مسلسل عالمي ،لا ينقصه الا الترجمة لاحد اللغات العالمية، يعالج قضايا اجتماعية سياسية ويعطي دروس لا يمكن أن تعطى في أماكن أخرى
    تمرد نوال على صالح غانشو، خيانة جابر لايدير، والاجمل هو تحالف رحوسين وبيكانتي، لا يمكن أن يكون هناك تشويق اكثر من اللذي خلقته هذه العناصر …
    تحياتي لكل من ساهم في هذا العمل ✌✌✌👍👍👍

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *