من الخطاب إلى التنفيذ: الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة ومنطق ولاية جديدة
الملخص
يحلل هذا المقال الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 9 أكتوبر 2026 أمام مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة. ويذهب إلى أن النص ينقل النقاش العمومي من صياغة الطموحات إلى تنفيذها الترابي، وأنه يقوم على ثلاثة توترات: النمو والعدالة، والمركز والجهات، والسيادة والشراكة. ويتناول السيادة الاستراتيجية، ودور القطاع الخاص، والشباب، والجهوية، وإعادة صياغة التعاون في مجال الهجرة، والمسؤولية البرلمانية. نُقلت مقتبسات الخطاب عن نصه العربي المنشور، وتُرجمت الاقتباسات المأخوذة من مراجع بلغات أجنبية إلى العربية.

مقدمة
في 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وجّه الملك محمد السادس إلى مجلسي البرلمان خطابًا يتجاوز مداه الإطار الضيق للولاية التي تبدأ. فالنص أقرب إلى خارطة طريق بالمعنى الدقيق: ترتيبٌ للأولويات، وتشخيصٌ للاختلالات، ومطلبٌ في المنهج. ويؤكد الملك فيه أن هذه الولاية تأتي «في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر» (محمد السادس، 2026). وتحكم هذه الصيغة بنية الخطاب كلها: الفرصة نادرة، والنافذة ضيقة، والتقاعس خيارٌ مكلف في ذاته.
يذهب هذا المقال إلى أن الخطاب ينقل مركز الثقل في النقاش العمومي من صياغة الطموحات إلى تنفيذها. فالطموح مؤكَّد بلا شك: طموح المغرب «كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية» (محمد السادس، 2026). غير أن النص يلحّ أساسًا على الحلقة المفقودة، أي العمل الترابي، وقدرة الإدارة على تحويل الاستراتيجية الوطنية إلى خدمة تصل إلى مواطن بعينه.
وتتحكم في الخطاب ثلاثة توترات: بين النمو والعدالة، وبين المركز والجهات، وبين السيادة والشراكة. ويبدأ التحليل بتحديد جنس الخطاب، ثم يعالج تباعًا السيادة الاستراتيجية، ورهان القطاع الخاص والشباب، والتنزيل الترابي، وإعادة صياغة التعاون في مجال الهجرة، قبل أن يقف عند المسؤولية البرلمانية التي تشكل خاتمة النص.
خطاب الافتتاح: الجنس الخطابي والظرفية والاعتزاز الوطني
يضيء التمييز بين السجل الاحتفالي والسجل العملي هذه القراءة. فخطاب العرش يكرّس، بنبرة خارج الزمن، وحدة الجسم السياسي حول الملك؛ أما الخطاب الذي يفتتح الدورة البرلمانية فيخاطب مؤسسة ويسند إليها مهام (Chtatou, 2026b). والخطاب موضوع الدراسة من النوع الثاني بوضوح، وإن استعار من الأول استهلاله الديني وخاتمته القرآنية. وقد وصفت Rabia Naguib (2019) «الاستمرارية الانتقالية» التي تعرض بها السلطة الملكية حركة دائمة من الإصلاح مع الحفاظ على بنية سلطتها. ويقدم خطاب أكتوبر مثالًا على ذلك، مع فارق: فالإصلاح لا يُعلَن فحسب، بل يُستوجَب، إذ توصف التأخيرات بأنها غير مقبولة.
ويستحق الاستهلال التوقف عنده. فالملك يذكّر بما قاله من المنبر ذاته سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، ثم يحدد أن الاعتزاز بالوطن «ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني» (محمد السادس، 2026). وهذا التمييز خصب تحليليًا. فهو يستبعد منذ البداية القراءة المتساهلة، ويرسي اقتصادًا أخلاقيًا: فعراقة الأمة، وإمارة المؤمنين، و«الهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها» ليست رأسمالًا يُتأمَّل، بل رصيدًا يُسدَّد نتائجَ. وهكذا يشتغل السجل الهوياتي كمنصة إطلاق نحو الأجندة المادية التي تليه.
وتُقرأ الظرفية المستحضَرة على مستويين. فعلى المستوى الدولي، يشير النص إلى «تسارع التحولات الجيو – اقتصادية»؛ وعلى المستوى الوطني، يستند إلى «مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، غيرت وجه المغرب» (محمد السادس، 2026). والحصيلة هنا تُستعمل أساسًا، لا خاتمة.
السيادة الاستراتيجية: جيل جديد من السياسات
يتلخص القلب الاقتصادي للخطاب في جملة واحدة: «إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي» (محمد السادس، 2026). وهذا التعداد ليس عابرًا. فهو يجمع ثلاثة أنواع من الأمن، المائي والطاقي والغذائي، تتعلق بتدبير الهشاشة، وثلاثة مجالات للإقلاع، الصناعي والرقمي والذكاء الاصطناعي، تتعلق بالتنافسية. فالسيادة المقصودة ليست اكتفاءً ذاتيًا، بل تقليص التبعيات الحرجة مع الارتقاء في سلاسل القيمة.
ويمدّ هذا المنطق الدعوة إلى «التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية». وهي تندرج في سياق سبق أن أبرزه خطاب العرش في يوليوز 2026، الذي أشار إلى عودة الحمائية وتأمين سلاسل الإمداد (Chtatou, 2026b). والجديد يكمن في الوظيفة المسندة إلى هذه الانشغالات: فهي تتوقف عن أن تكون معطيات ظرفية لتصبح موضوعات للتخطيط.
يبقى سؤال القدرة. فالأدبيات حول السياسة الصناعية تذكّر بأنها لا تنجح بحسن اختيار القطاعات ابتداءً بقدر ما تنجح بجودة عملية تعلّم مشتركة بين الدولة والمقاولات، مقرونة بالتزام بالمساءلة (Rodrik, 2004). وقد صاغ Peter Evans (1995) ذلك بمفهوم «الاستقلالية المنغرسة»: جهاز دولة مستقل بما يكفي ليضبط، ومنغرس في النسيج الإنتاجي بما يكفي ليستعلم. وعليه فإن «جيلًا جديدًا» من الاستراتيجيات يفترض مؤسسات للقيادة ومؤشرات علنية وآليات للتقييم، وإلا أعاد إنتاج تراكم المخططات القطاعية الذي دعت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي (2021) إلى تجاوزه حين جعلت الثقة وفعالية العمل العمومي في صلب التغيير.
ولا يخلو هذا الطموح من صلة بمقتضى العدالة. فالأمن المائي والأمن الغذائي سلعتان اجتماعيتان قبل أن يكونا قطاعين، وترابيتهما شرط للإنصاف في الولوج إليهما. وهنا يجد «التوازن والانسجام» بين النمو والعدالة أكثر ميادينه ملموسية.
القطاع الخاص والشباب: رهان التشغيل
يهيب الملك بالقطاع الخاص الوطني «للارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير» (محمد السادس، 2026). والانزياح ملحوظ. فقد حملت الطلبية العمومية والبنية التحتية والتحفيز الجبائي الدينامية زمنًا طويلًا؛ أما الخطاب فينقل عبء الإثبات إلى المقاولة. وهو أقرب إلى ميثاق ضمني منه إلى نقد: لقد هيأت الدولة الأرضية، وعلى الفاعلين الخواص أن ينتجوا فيها التشغيل والتصدير.
ويأتي هذا النداء المباشر إلى الهيئات الوسيطة امتدادًا لخطاب العرش، الذي خاطب القطاع المالي بشأن ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، مجسدًا ما يمكن تسميته ازدواجية مؤسساتية يتخذ فيها الملك موقع الحَكَم دون أن يتماهى مع السلطة التنفيذية (Chtatou, 2026b). وحدّ هذه الإهابة أنها تخلو من الإلزام: فبغياب شروط واضحة، وتمويل متاح، ومنافسة فعلية، قد تبقى أمنية. وسيتوقف نجاح الرهان على آليات تربط المزايا العمومية بنتائج قابلة للقياس في مناصب الشغل.
ويحتل الشباب في هذا الاقتصاد موقع الغاية. فبحسب النص «يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي». والمقصود تعزيز «الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم» (محمد السادس، 2026). ويلتقي هنا مفهومان: المصعد الاجتماعي، متغير الحركية، والثقة المؤسساتية، متغير الشرعية.
الأول هو الوجه المادي لمشكلة تصفها الدراسات حول المنطقة منذ زمن بعيد باسم «جيل في الانتظار»، أي الجيل الذي تقدم تعليمه أسرع من منافذه (Dhillon & Yousef, 2009). والثاني وجهها السياسي: فشباب متعلم وحضري ومتصل رقميًا، يواجه البطالة وتطلعات محبطة، يشكل عامل ضغط دائم على التوازنات المؤسساتية (Chtatou, 2026a). وقد شهد خريف 2025 احتجاجات شبابية جمعتها حركة GENZ212، ربط التحليل بينها وبين الزبونية (Chtatou, 2025). والخطاب لا يسميها، لكنه يقلب منطقها، إذ يبني سياسة الشباب على تكافؤ الفرص لا على توزيع الامتيازات، وهو تحول في القواعد.
التنزيل الترابي: «الرهان الحقيقي» للمرحلة المقبلة
لعل المقطع الأكثر هيكلة في الخطاب هو التالي: «إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها» (محمد السادس، 2026). والتشخيص الذي يليه لا لبس فيه: «التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين». ومن ثم هذا التشديد: «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات.»
غير أن الإطار المعياري قائم. فدستور 2011 ينص على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة (الفصل 1)، ويقرر مبدأ التفريع (الفصل 140)، ويُحدث صندوقًا للتأهيل الاجتماعي وصندوقًا للتضامن بين الجهات (الفصل 142). وقد حدد القانون التنظيمي رقم 111.14 نظام الجهات، واعتُمد الميثاق الوطني للاتمركز الإداري سنة 2018. فالمشكلة إذن ليست عجزًا في النصوص بل عجزًا في التنفيذ، على ما علّمه Pressman وWildavsky .(1973) منذ زمن: فبين النية والنتيجة سلسلة من القرارات يمكن أن تختل كل حلقة منها
ويشير الخطاب إلى ثلاث حلقات. الأولى اللاتمركز، أي النقل الفعلي للسلطات والوسائل إلى مصالح الدولة في الأقاليم. والثانية توضيح اختصاصات الجهات، التي يريدها النص «أكثر وضوحا»، مع الرفع من مواردها البشرية والمادية. والثالثة التعاقد: فقد أصبح «من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات»، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد «لتمكين الجهات، من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع» (محمد السادس، 2026). وهذه النقطة الأخيرة أكثرها ابتكارًا، لأنها تحل منطق الالتزامات المتبادلة محل الوصاية.
ويكشف تحليل مسار الجهوية عن ازدواجية يبدو أن الخطاب يريد تقليصها. فقد وصف Stig Bergh (2012) مسارًا رسميًا، هو الحكامة الجهوية المنتخبة، ومسارًا غير رسمي، هو التدبير التقنوقراطي للمشاريع الأكثر استراتيجية. وتعكس هذه الازدواجية إصلاحًا يتضمن «توسيعًا حقيقيًا للقدرة المؤسساتية الرسمية على المستوى دون الوطني، يقترن باستمرار إشراف مركزي كبير» (Chtatou, 2026a). والمطالبة بنقل الموارد فعليًا «من المركز» تعني طلب أن يكف المسار الثاني عن تعطيل الأول.
وتذكّر الأبحاث حول اللامركزية بأن آثارها رهينة شرطين: القدرة التقنية للمستويات المحلية ومساءلتها أمام المواطنين (Faguet, 2014). فالأول يحدده التأطير والتكوين، والثاني الشفافية والتقييم. ومعجم النص، الذي يجمع بين «العدالة الاجتماعية والمجالية»، يلتقي على طريقته بفكرة العدالة المجالية التي ترى أن الجغرافيا نفسها عامل في توزيع الفرص (Soja, 2010). ومعيار النجاح إذن بسيط: على ساكن أبعد جهة أن يلج خدمات عمومية بجودة مماثلة، دون المرور عبر الرباط.
الهجرة ودبلوماسية الشراكة
يحدث الثلث الأخير من الخطاب منعطفًا في نبرة القول. فبعد التذكير بأن المملكة رسخت مكانتها «كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل»، يقرر الملك أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة «أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك». ويطبق هذا الحكم على إسبانيا، التي «عرفت شراكتنا» معها «تطورات مهمة»، لكنها تواجه «بعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية» (محمد السادس، 2026).
ولا يسمي النص سبتة، لكن السياق شفاف. ففي نهاية يوليوز 2026 نقلت الصحافة دخول نحو 49 ألف شخص في يوم واحد، مقابل نحو 8 آلاف في أزمة ماي 2021 (bne IntelliNews, 2026)، وتتفاوت التقديرات بحسب المصادر. وكانت عمليات الدخول البري إلى سبتة قد تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة، في حين تراجعت الوافدين غير النظاميين إلى إسبانيا بأكثر من الثلث (Hespress, 2026). وربطت السلطات الإسبانية الموجة جزئيًا بإشاعة نشأت عن قرار للمحكمة العليا يشترط مساطر فردية قبل أي إعادة لمهاجرين وصلوا عن طريق (Dispatch Risk, 2026). وهذا بالضبط نوع «القرارات القضائية» التي يعيبها الملك
ومن الناحية التحليلية، يستند نقد «نموذج التعاون» إلى أدبيات راسخة. فالتعاون في مجال إعادة القبول يقوم غالبًا على ترتيبات غير رسمية، تتوقف صلابتها على استمرار تقارب مصالح الأطراف (Cassarino, 2007). أما نقل السياسة الأوروبية للهجرة إلى المغرب، فقد أنتج آثارًا متباينة وغير متكافئة، أقرب إلى الأولويات الأمنية للشركاء منها إلى حاجات التنمية (Wunderlich, 2010). وبخصوص فكرة «التنمية المشتركة»، يعلن النص أن المغرب سيقدم لشركائه «وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي». وهي تستدعي توضيحًا: فنظرية التحولات الهجرية تبين أن التنمية قد ترفع الهجرة على المدى القصير قبل أن تخفضها (de Haas, 2010). ومن ثم فإن سياسة موثوقة للتنمية المشتركة ينبغي أن تربط بين التنقل القانوني وحاجات اليد العاملة في بلدان الاستقبال ومحاربة الشبكات، بدل أن تَعِد بانخفاض فوري في التدفقات.
وتتباين القراءات حول طبيعة هذه الأزمات: فبعض المحللين يرون فيها رافعة دبلوماسية، وهو ما يرفضه النص الملكي حين يندد بـ«التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية»، ويؤكد أن «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز» (محمد السادس، 2026). وللصيغة وظيفة مزدوجة: فهي تخاطب الجمهور الأجنبي، لكنها ترسي أيضًا، للجمهور الداخلي، مبدأ أن السيادة تقاس بالقدرة على التفاوض دون إكراه.
الانتداب البرلماني “تعاقدًا أخلاقيًا“
تعود خاتمة الخطاب إلى البرلمانيين: «فالانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين»، وهي مسؤولية يتحملونها «أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ» (محمد السادس، 2026). وهذه المساءلة الثلاثية، الدينية والمدنية والتاريخية، توسع المسؤولية إلى ما بعد الرقابة الانتخابية. ولها سند دستوري في اختصاصات البرلمان، الذي يصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيّم السياسات العمومية (دستور 2011، الفصل 70). وتجد الأجندة الترابية هنا أداتها الطبيعية: فمجلس المستشارين، الذي يمثل الجماعات الترابية ضمن فئات أخرى، هو الفضاء الملائم لمتابعة تنفيذ اللاتمركز والتعاقد.
غير أن القراءة النقدية تلاحظ ما في الصيغة من التباس. فنظام يعيد باستمرار ضبط علاقاته بالمؤسسات المنتخبة حفاظًا على مركزيته، مع الاستجابة لضغوط الإصلاح، يندرج فيما يمكن تسميته حكامة تكيفية (Chtatou, 2026a). والخطاب يقدم مثالًا عليها: فهو يوكل إلى المنتخبين عبء التنفيذ، ويحتفظ بتحديد الأولويات والأجندة. والخطر هو مسؤولية منتشرة، لا يُعرف فيها من يجيب عن ماذا. فوضوح الإسناد، شرط كل تقييم، يشكل إذن رهانًا قائمًا بذاته للولاية الجديدة.
خاتمة
لا يبتكر خطاب 9 أكتوبر 2026 برنامجًا؛ بل يرتّب، ويستعجل الزمن، ويعيد توزيع المسؤوليات. فهو يرتّب حين يضع السيادة الاستراتيجية وتشغيل الشباب والعمل الترابي في المقدمة. ويستعجل الزمن حين يتحدث عن فرص «قد لا تتكرر». ويعيد توزيع المسؤوليات حين يوجهها تباعًا إلى المقاولات والإدارة والجهات والشركاء الأجانب والمنتخبين.
وثلاثة اختبارات ستقيس مداه. الأول مؤسساتي: فعلية نقل الاختصاصات والموارد البشرية والوسائل إلى المجالات الترابية، إذ بدونها تبقى الجهوية المتقدمة بناءً بلا ساكنين. والثاني اقتصادي: قدرة الاستراتيجيات الجديدة في الماء والطاقة والغذاء والرقمنة على إنتاج مناصب شغل للشباب، الغاية المعلنة للمجموع. والثالث دبلوماسي: مصداقية الوثيقة الاستراتيجية التي سيقدمها المغرب لشركائه، وفي مقدمتهم إسبانيا، لإحلال شراكة مشاريع محل تعاون الأزمات.
وما قيمة الطموحات الوطنية إلا بتنفيذها. وبهذا المعنى، لا يصف الخطاب خارطة طريق فحسب، بل يحدد لكل فاعل المعيار الذي سيحاسَب وفقه. وعلى البرلمان والحكومة والجهات الآن أن تحوّل هذا المطلب إلى عادة في الحكم.
المراجع
أولا: المراجع بالعربية
- دستور المملكة المغربية. (2011). ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011
- القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات. (2015). ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليوز 2015).
- اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي. (2021). النموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرخاء للجميع [التقرير العام]. المملكة المغربية.
- محمد السادس. (2026، 9 أكتوبر). خطاب صاحب الجلالة بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة [النص الكامل]. الموقع الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية. https://www.pjd.ma/234923-نص-الخطاب-الملكي-السامي-في-افتتاح-الول.html
- مرسوم رقم 2.17.618 صادر في 26 دجنبر 2018 بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري.
ثانيا: المراجع بلغات أجنبية
- Bergh, S. I. (2012). Inclusive neoliberalism, local governance reforms and the redeployment of state power: The case of the National Initiative for Human Development (INDH) in Morocco. Mediterranean Politics, 17(3), 410–426.
- bne IntelliNews. (2026, 31 juillet). At least 19 die as 49,000 migrants cross from Morocco into Spain’s Ceuta. https://www.intellinews.com/at-least-19-die-as-49-000-migrants-cross-from-morocco-into-spain-s-ceuta-458252/
- Cassarino, J.-P. (2007). Informalising readmission agreements in the EU neighbourhood. The International Spectator, 42(2), 179–196.
- Chtatou, M. (2025, 7 octobre). Aspects of clientelism due to neo-tribalism in Moroccan political system: Preeminence of this state of affairs and current protests by GENZ212 group – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/07102025-aspects-of-clientelism-due-to-neo-tribalism-in-moroccan-political-system-preeminence-of-this-state-of-affairs-and-current-protests-by-genz212-group-analysis/
- Chtatou, M. (2026a, 27 mai). The political process in Morocco: Monarchy, reform, and incremental democracy – Analysis. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/27052026-the-political-process-in-morocco-monarchy-reform-and-incremental-democracy-analysis/
- Chtatou, M. (2026b, 30 juillet). The rhetoric of continuity: A discourse analysis of King Mohammed VI’s 2026 Throne Day speech. Morocco World News. https://www.moroccoworldnews.com/2026/07/331997/the-rhetoric-of-continuity-a-discourse-analysis-of-king-mohammed-vis-2026-throne-day-speech/
- de Haas, H. (2010). Migration and development: A theoretical perspective. International Migration Review, 44(1), 227–264.
- Dhillon, N., & Yousef, T. (Éds). (2009). Generation in waiting: The unfulfilled promise of young people in the Middle East. Brookings Institution Press.
- Dispatch Risk. (2026, 1er août). Morocco: Mass migration at Spain’s Ceuta prompts crisis response. https://www.dispatchrisk.com/?p=20494
- Evans, P. (1995). Embedded autonomy: States and industrial transformation. Princeton University Press.
- Faguet, J.-P. (2014). Decentralization and governance. World Development, 53, 2–13.
- Hespress. (2026, 22 juin). Spanish interior: Irregular entries into Ceuta jump 215% as Canary arrivals fall 71%. https://en.hespress.com/140442-spanish-interior-irregular-entries-into-ceuta-jump-215-as-canary-arrivals-fall-71.html
- Naguib, R. (2019). Legitimacy and “transitional continuity” in a monarchical regime: Case of Morocco. International Journal of Public Administration, 43(12), 1054–1065. https://doi.org/10.1080/01900692.2019.1672733
- Pressman, J. L., & Wildavsky, A. (1973). Implementation. University of California Press.
- Rodrik, D. (2004). Industrial policy for the twenty-first century [Document de travail]. Harvard University, John F. Kennedy School of Government.
- Soja, E. W. (2010). Seeking spatial justice. University of Minnesota Press.
- Wunderlich, D. (2010). Differentiation and policy convergence against long odds: Lessons from implementing EU migration policy in Morocco. Journal of Ethnic and Migration Studies, 36(2), 249–272.





