
رد على مقال “خرفان أخنوش” ليونس مسكين.
تابعت كما تابع كثير من المغاربة الحوار التلفزيوني لرئيس الحكومة عزيز أخنوش مساء الأربعاء 10 شتنبر، وما أعقبه من تفاعلات، كان أبرزها مقال الزميل يونس مسكين المعنون بـ”خرفان أخنوش”، وهو مقال زاوج بين النقد السياسي والسخرية اللاذعة، مستعرضاً جوانب شتى من اللقاء التلفزيوني، بدءاً من الشكل وانتهاءً بمضمون الأرقام، مروراً بمحطات من التسيير الحكومي، وملفات شائكة كالتقاعد وتحلية المياه والانتخابات.
وإن كان المقال قد حظي بتفاعل واسع، واستفاد من براعة الكاتب في التحليل واللغة، فإن بعض خلاصاته تقتضي رداً متوازناً يعيد النقاش إلى سياقه المؤسساتي والدستوري، بعيداً عن الانطباعية أو إسقاط الرغبات الذاتية على واقع ديمقراطي قائم، وإن كان ناقصاً أو قابلاً للنقد.
أولاً: بين “التحالف” و”الخيانة الانتخابية”
يرى يونس مسكين أن الحديث عن “الشرعية الانتخابية” للأغلبية الحكومية الحالية هو “كذبة كبيرة”لأن المغاربة، حسب قوله، لم يصوّتوا على تحالف مكوّن من التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال. وهذا استنتاج يخلط بين الشرعية السياسية كما تُمارس في كل الديمقراطيات، وبين تصورات مثالية أو متعسفة حول النوايا المعلنة.
في الواقع، الديمقراطية التمثيلية تقوم على منح الثقة للأحزابوبرامجها، لا على شكل التحالفات التي قد تنشأ لاحقاً بعد إعلان النتائج. الناخبون صوّتوا يوم 8 شتنبر 2021، ومنحوا الأغلبية النيابية لأحزاب ثلاثة، تم تكليف الحزب الأول بتشكيل الحكومة، وحدث التحالف مع الحزبين الثاني والثالث. أين الكذب في هذا؟بل إن ما وقع هو ما تنص عليه الممارسات الديمقراطية في كل الأنظمة البرلمانية: لا يُشترط إعلان التحالفات مسبقاً، بل تُشكّل بناء على نتائج صناديق الاقتراع، وفق التوازنات الممكنة.
والقول بأن هذا التحالف “خيانة لثقة الناخبين” هو حكم سياسي لا سند له في المنطق الدستوري، وإلا لوجب علينا تجريم أي تحالف حكومي يتم بعد الانتخابات في دول مثل ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا، وغيرها، حيث تُبنى الحكومات على تفاهمات ما بعد التصويت، وليس بالضرورة بناءً على تحالفات معلنة سلفاً.
ثانياً: التشكيك في الحكومة = التشكيك في إرادة الناخب.
من غير المقبول في سياق بناء ديمقراطي هش أن يتحوّل الاختلاف السياسي إلى تشكيك في شرعية الحكومة ومؤسساتها المنتخبة. الحكومة الحالية جاءت عبر صناديق الاقتراع، ونالت ثقة البرلمان. هذه هي القواعد. أما إقحام عبارات مثل “فقدان الثقة” و”تآمر الدولة العميقة” و”التواطؤ”، فهي عبارات لا تسهم إلا في تغذية الإحباط الجماعي، وإضعاف الثقة في المسار الديمقراطي نفسه.
ولا يعني ذلك أبداً أن الحكومة معصومة من النقد. بل العكس: النقد البناء مطلوب، وضروري، وواجب وطني.لكن ما الفرق بين نقد الأداء التنفيذي ونقض شرعية المؤسسات؟ هنا بيت القصيد.
ثالثاً: أخنوش والتواصل.. بين الشكل والمضمون
نعم، الحوار التلفزيوني لم يكن عرضاً مبهراً من حيث الإخراج أو الأداء الخطابي. هذه ملاحظات مقبولة. رئيس الحكومة بدا في كثير من اللحظات محافظاً في نبرته، ميالاً إلى القراءات الورقية، بعيداً عن التفاعل الديناميكي مع الصحفيين. لكن، هل كان اللقاء خالياً من الرسائل؟
الجواب: لا.
ففي مجمله، كان اللقاء فرصة لتقديم الحصيلة، ومخاطبة الرأي العام بلغة الأرقام والمعطيات، لا بلغة الشعارات. نعم، لم تكن هناك كاريزما سياسية طاغية، لكن المسؤولية لا تُقاس دائماً بالكاريزما، بل بالنتائج. وقدّم رئيس الحكومة أرقاماً مهمة عن التوازنات المالية، وتدبير كلفة الزلازل، وتمويل المشاريع الاجتماعية، والحد من التضخم، وهي معطيات قد لا تُقنع المتضرر يومياً من غلاء المعيشة، لكنها تؤكد وجود رؤية اقتصادية على المدى المتوسط.
رابعاً: ملفات الخلاف.. لا شيء مقدّس
أثار المقال ملفات حساسة: التقاعد، تحلية المياه، تضارب المصالح، تضخم القطيع. وهي مواضيع مشروعة للنقاش والنقد، لكن من الظلم اختزالها في كاريكاتير سياسي.
– إصلاح التقاعد ورثته الحكومة الحالية من حكومات سابقة، ووضعت أرقاماً واقعية أمام النقابات والفاعلين. لا أحد يريد اللعب بشعبوية في ملف تهدده الإفلاس.
* تحلية المياه موضوع أكبر من “شركة رئيس الحكومة”. يجب فتح نقاش حول الإطار القانوني المنظم لتفويت الصفقات، ومتى يصبح تضارب المصالح واقعاً؟ دون أن ننسى أن القانون يمنع الجمع بين المهام التنفيذية وتدبير المقاولات، وهو ما يفرض مراقبة قانونية، لا سياسية فقط.
* الأغنام؟… نعم، الأرقام مثيرة للريبة، وقد خان رئيس الحكومة التعبير. لكن هل نُسقِط مشروعية حكومة بأكملها بسبب ارتباك في إجابة؟ أم نصوّب الخطأ، ونطالب بتوضيح من وزارة الفلاحة؟
ختاماً: لا نُريد ديمقراطية منزوعة النتائج
نحن في مغربٍ لم يبلغ بعد ديمقراطيته المثالية، لكننا نعيش حراكاً سياسياً، ومؤسسات منتخبة، وانتقالات متدرجة. وقد نختلف حول السياسات، والوجوه، والتحالفات، لكن ما يجب ألا نختلف عليه هو احترام قواعد اللعبة الديمقراطية.
الاختلاف مع عزيز أخنوش لا يبرر إسقاط الشرعية عن حكومته. والخلط بين الأداء السياسي والإرادة الشعبية هو خطر على مستقبل الثقة في الانتخابات.
قد ننتقد “خرفان أخنوش”، لكن يجب ألا نذبح السياسة بسكين التبخيس.
ملاحظة ختامية:
الديمقراطية لا تقوم على كاريزما الزعماء، بل على البرامج والمؤسسات والتعاقدات. فلنصوّب السياسات، لا أن نحرّف قواعد اللعبة.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر