من عقدة الهيبة الأمنية إلى عقيدة البعد الإجتماعي (2)

الشطر الثاني : التأمل خلال زمن ماقبل كورونا

في الشطر الثاني الحالي، مضطرون للعودة الى مرحلة ما قبل جائحة كوفيد 19، لبسط موقفنا ومحتوى محاولة استشراف مستقبل وطننا وكيفية تجاوز منطق اللادولة و ملامسة متخيلنا السياسي حول مشاريع وممكنات دمقرطة الحياة العامة.

لقد كانت من بين مطامحنا و توجساتنا، قبل حلول الكورونا وتقرير خوض حرب شرسة عليها وكذا حصول أمر واقع جديد، و من أجل إصلاح عميق لابد من نقاش عميق، فلا أحد يدعي أن النظام تغيرت طبيعته، ولا حتى جوهر سلوكه، فهو يتكيف تفاديا لأن يتحول، وكيف له أن يتغير، إيجابيا، خارج العملية الدمقراطية، والتي تقودها الجغرافية السياسية بأفق فكري محين ومستقل عن توابث القدرية التاريخانية، المسماة تجاوزا بحتمية قانون الصراع، وكأن الأمر مثل لدى البعض بما يشبه بالجبرية القضائية التي لا تسأل السموات عنها سوى لطفا على طريقة كم من حاجة قضيناها بتركها.

قبل سنوات، وفي خضم تداعيات الحالات النضالية المنفلتة من “التأطير الحزبي و المؤسساتي”؛ بسطنا على الأرض توجسنا كحقوقيين في صيغة تساؤل عن مصير “الدولة” الفكرة والعقل؛ المفترضة كدولة لحظة ما بعد الصدمة؟ خاصة بعد عقد ونصف من التجريب، تجريب المفهوم الجديد للسلطة، هذا التوجس الذي أكدته بعض “التحليلات” من داخل المربع ومن خارج خارج دواليب الدولة، والتي أفادت “أننا لا نتوفر على دولة وإنما مجرد إدارات تابعة للمخزن”، وما تبعه من نقد أكاديمي وسجال سياسي
مفيدا “انتقادا”: أننا لم نعد نتوفر على «الوطنية»، وفي هذا الصدد ارتأينا (آنذاك) انتظار أن تتبلور لدى مهندسي العهد الجديد و “المعارضين” على السواء، بعض الأفكار للتفاعل مع ما قيل لأنه مثير للسؤال و الرغبة في الحجاج قبل السجال، نتساءل في ظل نمط حكم يسير شؤونه بشؤوننا، هل نتوفر على حيوية حقوقية وثقافية لتساعدنا على تشكيل محصنات في أفق بناء ممانعة لدى هذه الأجهزة الإدارية / السياسية المعقدة، كشخصيات اعتبارية، لمواجهة تحديات العولمة السياسية والثقافية، وكذا تداعياتها على مستوى تطبيق مشروع الشرق الأوسط العريض؟

وقد راودتني (حينئذ) فكرة افتراض أن الطرح الأول على حق، ولربما يقصد أننا لا نتوفر على دولة قوية، أي إنها غير ضعيفة تجاه مواطنيها بمقارباتها الأمنية والمخيفة، لكنها غير قوية بالشكل المتطلب لمواجهة تدفق وديان الإملاءات والقرارات الدولية. وبنفس الحس الوطني أمكننا ان نستشعر منحى المقاربة الثانية، فلعلها تروم رد الاعتبار، من خلال استفهام المختصين الإنكاري، للسيادة الوطنية ، وهو توجس يلتقي فيه، بعض الأكاديميين والمؤرخين معا ربما، فالمخزن لديهم، اهتزت قدراته التدبيرية الوطنية، بل إن قسطا كبيرا من هذه القدرات يمتح من معين القرار الأمني المعولم. وكان قد انتابني منذ أكثر من نثف عقد إحساس عميق بأن التاريخ قد يعيد نفسه في شكل «تظلم حمائي» أو «مطلب مظلومية»، وبذلك سنكره على ان نغامر بإبراز كل ما تم تخزينه من قوة للانخراط في المواجهة المباشرة، ضمن قواعد لعب مؤطرة بمناورات تدليسية، حيث تهزم الحيلة القوة وفق مقتضيات وتعاليم قانون «أمير» ميكيافيلي.

إنه نقاش “شبه نخبوي” ينبغي أن يكون تشاركيا مع الجميع ، بمن فيهم الفاعلين السياسيين الذين لا يؤمنون بوصايا «أمير» غرامشي، والذين يتصيدون كل الفرص لإعادة تحقيق سيناريو خطايا الخيانات التي يجبها الغفران، فيتحول الضحية جلادا والوطني خائنا. لذلك من حقنا أن نتساءل هل لحظتنا (العمومية) لحظة تأمل لصدمة ما بعد الدولة ؟

علينا ان نعيد ونحين السؤال، ونحن نضع أقدامنا في بحر العقد الثالث من الولاية المحمدية، والتي أفضى تحليلنا بصدد العقدين المنصرمين، أن العملية السياسية التي صاحبتهما استنفذت، واقترحنا على حلفائنا التفكير في بلورة جيل جديد من الإصلاحات!
و إذ نذكر أننا عشنا لحظة صدمة مع الطرح الذي نفى وجود دولة مغربية، فهي في نظره مجرد جهاز لتسيير وتوجيه إدارات تقوم بوظائف محددة.

قد نتفق، وتساءلنا: أليست تلك الإدارة العليا هي الدولة، مادام الرئيس المدير العام لهذه الإدارة العليا، المسماة مخزنا منذ السعديين، هو السلطان، الذي اجتهدت الحركة الوطنية لتكييف شخصيته مع مطلب «عودة الشرعية» قبل «نيل الاستقلال»، وبالتالي فضلوا لقب «ملك» لينسجم، في آخر التحليل، مع الدور التاريخي الذي لعبه الماريشال ليوطي، كمهندس مفترض لمأسسة إرهاصات الدولة الحديثة؟ لذلك فالدولة هي جهاز تدبيري للشأن العمومي، بتملك القوة العمومية “مفوضة” إفتراضا بيعة او تعاقدا، من قبل المجتمع، يؤطرها العرف أو القانون، توج خضوعها للدستور الذي صيغ، بعد إلغاء الحماية، وكانت مقتضياته حمالة أوجه، عند التطبيق والتأويل، وهما سلطتان مستمدتان من «الوضعي» اقترانا مع «الشرعي/الديني»، رغم أنه، حسب علماء الاجتماع السياسي و خبراء القانون الدستوري، ليس بدستور، ما دام لا يدقق في فصل السلطات، فتماهي المسؤوليات و تماهي السلطات والصلاحيات، كان ولا زال يشكل قلقا فكريا، ويطرح سؤال المخاطب من حيث إثارة المسؤليات. فنحن نقر افتراضا بوجود الدولة ومع ذلك تتيه الرقابة والمحاسبة وبالتالي المساءلة السياسية، فهل يكفي القول بأن «المخزن» هو المسؤول عن كل ماجرى من تخلف وتقهقر وانتهاكات، وهو شيء يثير سؤال اللادولة.

إن وجه الغرابة و المصادفة هو أن أغلب السياقات، كما تمت الإشارة سابقا، تذكي الشعور والتوجس، بأن مؤشرات موت الدولة/الأمة قد وشكت على استنفاذ دورتها، فالحقوقيون مهووسون بسؤال الدور والمهام لمرحلة ما بعد الدولة، فقد سبق أن لمحوا في عديد من الندوات الحقوقية، إلى أن بعض الدول، ومنها المغرب نفسه، قد تصير ضحية لحلفاء الأمس، فهل سيحل الحقوقيون محلها، وما هي إمكانية التعاون لاستكمال تنفيذ التعاقدات والالتزامات الدولتية، ذات الصلة بحقوق الإنسان؟ أليس مثال «داعش» صارخا في هذا الصدد، ويبرز مدى خطورة حلول اللادولة والفوضى محل الدولة والقانون. ولهذا يطرح سؤال الشرعية والمشروعية، الذي حان الوقت لتمثل أهميتهما، في مرحلة يفترض فيها انتقاء مسار الشرعية، حيث جدوى انسجام تحصين المكتسبات الحقوقية «الوضعية » مع الحرص على تطبيق القوانين في تطابق مع التعليمات والإجراءات التنظيمية.

في حين يمكن التريث في استكمال «إبداع» حقوق جديدة، لا يمكن لمجتمع التمثلات التقليدانية أن يتجاوب معها، في ظلال مد محافظ متصاعد؟؟ ووفق تحليلاتنا كنا نقر بأنه قد نكون متخلفين اذا لم نستحضر “هدنة” مفترضة خلال تلك السياقات، أي قبل حلول جائحة كوفيد 19، ولم نستغل رغبة بعض النخب في إدخال تعديلات على الدستور، من أجل التفاعلى و الإجابة على التوجس من فزاعة الفوضى المرافقة لهاجس “اللادولة”.

فالخصاص الاجتماعي لن تفيده السياسات التنموية الإحسانية في شيء، بل لا مناص من رد الاعتبار للطابع الالزامي للبعد الاجتماعي في الهويات الحزبية، باعتبار أن الاحزاب من يصنع السياسات العمومية، مما يستدعي ضرورة تأهيل العمل الحزبي وكذا مأسسة الوساطة الدستورية والمدنية، ودمقرطة المشاركة السياسية، وتطهير تدبير الشأن العام من الأبوية والوصاية، بتكريس المشروعية وسيادة القانون، بدلا عن تنازع الشرعيات الدينية او التاريخية أو الديماغوجية الشعبوية، وهي مطالب ينبغي أن يؤطرها الحق في الاختلاف، مما يقتضي معه دسترة حرية المعتقد والضمير، وفي آخر التحليل وجب التأكيد على أنه علينا أن نواصل حروبنا العادلة عموديا.

ولكن النصر التام يشترط علينا عدم الاستهانة بالصراع الأفقي الذي دونه، لن نفلح في تحييد التمثلات الثقافية المناهضة للتقدم والحداثة، صراع لن نخوضه بالوكالة عن المظلومين ولا عن الظالمين، بنفس القدر الذي لن نراهن فيه على “علاقات مباشرة مع الدولة” دون وساطة وتأطير ل”الدكاكين” السياسية على علتها، مادامت النتيجة ستكون افضع من توجساتنا من “اللادولة”.

شاهد أيضاً

لماذا يصر الحزب الحاكم “العدالة والتنمية” على عرقلة الأمازيغية والاستخفاف بالدستور؟*

كما هو معروف، مرت 20 سنة على إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حيت كان الإشكال ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *