من قتل أشهر جندي فرنسي مر بالمغرب؟

مصطفى ملو

يوم 25 مارس 1933 وضعت معركة بوكافر التي دارت رحاها بين قبائل أيت عطا من جهة والجيش الفرنسي من جهة أخرى في جبل بوكافر نواحي تنغير أوزراها، لكن دون أن تبوح بجميع أسرارها التي لعل أبرزها هو السؤال الذي يظل معلقا إلى اليوم والمتعلق بقاتل أشهر جندي فرنسي في تاريخ المغرب هنري دو بورنازيل.

القاتل المجهول..روايات متضاربة

تتضارب الروايات بخصوص قاتل الضابط الفرنسي بورنازيل بجبل بوكافر في 28 فبراير 1933، والذي كان قبل ذلك يعتقد أن مهمته بين تلك الفجاج لن تكون سوى نزهة لممارسة هوايته في تسلق الجبال كما ورد في رسالة أرسلها إلى زوجته قبل المعركة.

فبين قائل بأن بورنازيل قضت عليه نساء بوكافر بالحجارة الضخمة التي كن يدحرجنها على الجنود الفرنسيين والمتعاونين مع فرنسا فتحصدهم حصدا، هناك من يقول بأن القاتل هو مقاوم مجهول من فرع أيت عيسى وابراهيم برصاصة فضية كما تطرقنا إلى ذلك في مقال سابق.

أما الرواية الثالثة فهي رواية توفيقية بين الأولى والثانية، إذ مفادها أن مقاتلات أيت عطا أصبن بورنازيل بحجارة ضخمة دحرجنها عليه مما شل قدرته على الحركة، ليتم أحد المقاومين المهمة بالإجهاز عليه برصاصة فضية أردته قتيلا.

هذه الروايات لم تبق طي التداول الشفوي، بل أوردها عدد من الباحثين في مقالاتهم مع اختلافات طفيفة  من باحث إلى آخر، لا تمس جوهر ومضمون تلك الروايات في شيء، ومن هؤلاء الذين نقلوا الروايات الثلاث السالفة عن مقتل بورنازيل من الشفوي إلى المكتوب، نجد الباحث باعلي ابراهيم في مقال له بعنوان؛ ” بوغافر المعلمة البارزة للمقاومة المغربية ضد الاستعمار الحدث والنتائج” منشور من طرف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ضمن نشرة الذكرى 65 لمعركة بوكافر سنة 2001.

ومن بين الروايات الأكثر تداولا كذلك والأكثر ورودا عند باحثين آخرين، تلك التي تنسب قتل الجندي الفرنسي الأشهر خلال الثلاثينات والخمسينات من القرن الماضي إلى المقاوم حساين وعدي وسخوف، فمن هؤلاء الذين أوردوا هذه الرواية الباحث عبد المجيد الهلالي في مقال له بعنوان؛ “مقاومة الجنوب الشرقي للمستعمر الفرنسي: معركة بوكافر(1933) بين التاريخ والذاكرة منشور من طرف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ضمن ندوة موسومة ب “دور علماء تافيلالت وأدبائها وفنانيها وقبائلها وجيش التحرير في مقاومة الاستعمار”2013.

تقول العديد من الروايات إن حساين وعدي وسخوف، الذي قتل في نفس يوم مقتل بورنازيل من جراء قصف عشوائي فرنسي، بعدما جن جنون الجيش الفرنسي إثر فقدانها لواحد من خيرة ضباطها، كان من أمهر رماة أيت عطا وأنه كان يستعمل بندقيتين تقليديتين عثر عليهما بجانبه بعد مقتله، يستخدم الأولى حتى إذا سخنت ولم تعد تقذف الرصاص بعيدا سحب الثانية.

ونظرا لتجربته الكبيرة التي اكتسبها من مشاركاته في العديد من المواجهات والمعارك ضد فرنسا والتي جرت قبل معركة بوكافر، بل  إنه كان هو المخطط لبعضها، فإنه لم يكن غريبا أن يعترف له قائد تلك المعركة نفسه المقاوم عسو وبسلام ببسالته ومهارته في الرمي حسب رواية حفيده لحسن وبسلام،  وليس صدفة كذلك أن تتفق الكثير من الروايات على أنه قاتل بورنازيل.

وفي الوقت الذي تتجه فيه أغلب الروايات إلى اعتبار حساين وعدي وسخوف هو قاتل بورنازيل، نجد المؤرخ عبد الكريم الفيلالي في الجزء الثامن من كتابه “التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير” يختلف مع هذه الروايات ويورد اسما آخر لقاتل بورنازيل هو عمرو أوسعيد ويسعدن.

تكليف بالبحث وإصرار فرنسي على معرفة قاتل بورنازيل

حسب لحسن وبسلام حفيد قائد معركة بوكافر عسو وبسلام، فإنالقائد الممتاز المقيم ببومالن دادس بعد الاستقلال كلف جده بالبحث عن قاتل بورنازيل وذلك بطلب من فرنسا التي كانت ترغب في تدوين كل صغيرة تتعلق ببوكافر والاحتفاظ به في أرشيفها، فما بالك بحدث كبير من حجم مقتل بورنازيل وباسم عدو شرس تمكن من وضع نهاية له، خاصة وأنه رغم العداء الكبير للمقاومين، إلا أن فرنسا اعترفت بببسالتهم وكانت تحفظ أسماء قاداتهم وزعمائهم.

عمل عسو وبسلام كل ما بوسعه للتوصل إلى القاتل الحقيقي للرجل الأحمر، فاتصل بمختلف القناصة الذين لم تتمكن المدفعية الفرنسية من حصدهم وتحرى في الأمر كثيرا لكن لا أحد عرف ذلك القناص الذي وضع حدا لسفاح اسمه بورنازيل.

ويضيف لحسن وبسلام في شهادته المنقولة عن جده، أن الأمر الوحيد الذي لا شك فيه بخصوص مقتل بورنازيل أنه تم في مكان مقابل للمكان الذي كان مقاتلو وقناصة أيت عيسى وبراهيم يرابطون فيه، وهو ما يرجح أن يكون أحدهم هو من اصطاد بورنازيل.

ما يغلب هذا الاحتمال كذلك هو الرواية الشفوية التي سبق أن أوردناها، والتي تقول بأن مقاتلا من أيت عيسى وبراهيم هو من قضى على بورنازيل برصاصة فضية.

هناك من يرجح أن يكون عدم الإفصاح عن هوية قاتل بورنازيل للمقاوم عسو وبسلام الذي كلف بالبحث عنه، هو الخوف من انتقام فرنسي منه إن كان ما يزال حيا في ذلك الوقت أو من عائلته إن كان قد قتل في بوكافر، إلا أننا نستبعد ذلك، إذ لو كان الخوف من الانتقام هو سبب إنكار معرفة القاتل، لادعى عسو وبسلام ذلك لنفسه وهو الذي لم يكن يخشى انتقاما ولا ردة فعل فرنسية عنيفة، لأنها لو أرادت القيام بذلك لفعلت منذ الثلاثينات ولن تنتظر حتى حصول المغرب على الاستقلال للانتقام منه.

من أسباب تأخر مقتل بورنازيل..اعتقاد مقاتلي بوكافر أنه ولي صالح لا يجب قتله !

يحظى الشرفاء والصلحاء والمرابطون(إكرامن) بمكانة خاصة في الجنوب الشرقي كما في باقي مناطق المغرب، حيث يتمتعون بهالة من التوقير والاحترام تصل درجة التقديس والتبرك ونسج الخوارق حولهم.

ولأن الأمر كذلك، فإن مقاتلي بوكافر حسب ما ذكره لحسن وبسلام حفيد المقاوم عسو وبسلام، ظلوا لمدة من الزمن يتجنبون قتل الضابط الفرنسي بورنازيل الذي كان يرتدي سلهامه الأحمر أينما حل وارتحل، في وقت السلم كما في زمن الحرب، وهو ما جعل أيت عطا يتوهمون أنه وولي صالح، الشيء الذي دفع زعماءهم إلى إصدار أوامرهم الصارمة إلى القناصة بعدم استهدافه خشية أن تنالهم لعنة “أكرام ن إرومين” أو ولي النصارى الذي كانوا يلقبونه ب”أمرابو” وهو تحريف للكلمة الفرنسية Marabout.

كان بإمكان مقاتلي أيت عطا التعجيل بنهاية معركة بوكافر لو استهدفوا بورنازيل ولكن اعتقادهم بأنه ولي صالح جعل المعركة تطول، إذ لم يتفطنوا إلى أن بورنازيل لم يكن سوى سفاح فرنسي إلا عندما وقعت اشتباكات يوم الجمعة 28 فبراير 1933 التي كانت وجها لوجه، فاتضح لهم أن الذئب الفرنسي المتدثر بسلهامه الأحمر يستعمل سلاحه يقنصهم قنصا بعدما كانوا يظنون لمدة غير يسيرة بأنه شريف صالح يستحيل أن يسفك الدماء فكانوا يتفادون القضاء عليه حسب لحسن وبسلام.

شاهد أيضاً

25 فبراير 1989_25 فبراير 2024: دا مولود معمري، القوة الهادئة

بعد مسار طويل من النضال والكفاح المتعدد في الأبعاد والمعالم لفائدة الهوية الأمازيغية, انتهى الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *