أخبار عاجلة

هل للمغرب أن يلعب دوراً في حل الأزمة السورية

محمد أرسلان علي

تُعدُّ أنظمة الحكم المركزية سمة غالبة على العديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وقد أفرزت في سياقات مختلفة أزمات حادة ناتجة عن تهميش المكونات المحلية وغياب المشاركة السياسية الفعالة في إدارة شؤون التنمية. في المقابل، شهدت بعض الدول تحولات جوهرية سعت من خلالها إلى تجاوز هذه الإشكالية، ومن أبرزها المملكة المغربية، التي انخرطت في مسار تدريجي نحو تبني “الجهوية المتقدمة” كركيزة أساسية لنظامها السياسي والإداري. هذا المسار لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجةً لإصلاحات دستورية عميقة قوننت التنوع والتعدد، وفتحت المجال أمام اندماج طوعي وديمقراطي للمكونات الاجتماعية في نسيج المجتمع.

لربما تقدم لنا التجربة المغربية دروساً كثيرة، رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، وتقدم لنا مقترحات قابلة للاستلهام، وليس للتطبيق الحرفي، بكل تأكيد، وخاصة في معالجة إشكاليات الحكم وإعادة بناء الثقة في سوريا. فالفرق الجوهري بين السياقين يمنع الاستنساخ، لكنه لا يمنع التعلم.

حيث جاءت الإصلاحات الدستورية في المغرب لعام 2011 في سياق إقليمي وعالمي مضطرب، تميز بانطلاق ما عُرف بـ”الربيع العربي”. كان المغرب، مثل غيره من الدول، مسرحاً لحراك شعبي وسياسي واسع النطاق، بقيادة حركة 20 فبراير، التي طالبت بإصلاحات جذرية في النظام. لم يكن التفاعل مع هذه المطالب مجرد رد فعل، بل كان خطوة استباقية وذكية من قبل القيادة، مكنت من احتواء الاحتجاجات الشعبية وتجنب الانزلاق نحو حالة من الفوضى والعنف التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.

في خطاب يوم 9 مارس 2011، أعلن الملك محمد السادس عن إجراء تعديلات دستورية شاملة، تبعه بمشاورات واسعة النطاق مع كافة مكونات المجتمع المغربي، بما في ذلك الأحزاب السياسية، المنظمات النقابية، والجمعيات المدنية والشبابية. هذا المسار التوافقي، الذي أفضى إلى إعداد مشروع دستور جديد، شكل بداية تحول عميق في بنية الدولة. كان الهدف من هذه الخطوة هو استيعاب المطالب الشعبية في إطار إصلاحي مدروس، بدلاً من تركها تتصاعد إلى صراع مفتوح. هذه الاستجابة السريعة من أعلى هرم السلطة ميزت التجربة المغربية وقدمت نموذجاً فريداً للانتقال السياسي السلس والمنظم.

كانت إحدى أبرز نقاط التحول التي جاء بها دستور 2011 هي إحداث “قطيعة نهائية” مع الدساتير السابقة فيما يتعلق بتعريف الهوية الوطنية. فقد نصت ديباجة الدستور على أن المملكة المغربية دولة ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وأن هويتها الوطنية موحدة ولكنها غنية بروافدها المتعددة، بما في ذلك المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية. هذا الاعتراف المتعدد الأبعاد للهوية لم يكن مجرد إضافة شكلية، بل كان خطوة جوهرية نحو ترسيخ مبدأ “الدولة المتعددة” في بنيتها القانونية والفلسفية.

تأكيداً على ذلك، نص الفصل الخامس من الدستور صراحةً على أن “تعد الأمازيغية أيضاً لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء”. كما نص على أن قانوناً تنظيمياً سيحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفية إدماجها في مجالي التعليم والحياة العامة. كان هذا الإجراء بالغ الأهمية، حيث قدم الاعتراف الدستوري بالهوية الأمازيغية أرضية صلبة لتبني اللامركزية. فقوننة التنوع الثقافي والهوياتي على المستوى الوطني يسهل قبول فكرة توزيع السلطة على المستوى الترابي، وهو ما جعل من التجربة المغربية نموذجاً حيوياً يمكن استخلاص الدروس منه حول كيفية إدارة التنوع كقوة وليس كسبب للانقسام.

على الرغم من الإطار الدستوري التقدمي، فإن التطبيق الفعلي للجهوية المتقدمة واجه تحديات كبيرة. من أبرزها التأخير في إصدار القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، والذي استمر لعامين بعد إقرار دستور 2011، مما أبطأ عملية التفعيل على أرض الواقع. يبرز هذا التحدي حقيقة أن الإصلاح الدستوري وحده غير كافٍ، بل يجب أن يرافقه إصلاح إداري عميق يضمن فعالية القوانين على أرض الواقع. هذا ما يطلق عليه “فجوة التنفيذ” بين النص الدستوري والواقع العملي.

هذا كان سرداً سريعاً عن التجربة المغربية وكيف وصلت إلى هذه المرحلة والمشقات التي اعترت طريق هذا التحول. ولكن بمقارنتها مع الوضع السوري، نرى أنه لا يمكن المقارنة بين النظام الملكي المرن والجمهوري الاستبدادي الفظ الذي كان في سوريا. حيث تبقى الملكيات قريبة من المجتمع والشعب أكثر من الأشخاص الذين استولوا على السلطة في الجمهوريات عن طريق الانقلابات أو الثورات.

يُعتبر النظام السوري قبل عام 2011 مثالاً واضحاً على نموذج الحكم المركزي والاستبدادي. فقد كان يمتلك سلطة مطلقة، واحتكر مصادر القوة و”رفض جميع أشكال المشاركة”. أدت هذه المركزية المفرطة إلى تهميش المناطق والأقليات، وتسببت في تفكك اجتماعي وسياسي أضعف النسيج الوطني.

نشأ الصراع في سوريا أساساً حول قضايا توزيع السلطة والثروة. لكن فشل النظام في إدارة الأزمة، ولجوئه إلى الحل العسكري والعنف المفرط، سرعان ما أدى إلى عسكرة الصراع وتدويله، مما فتح الباب أمام التدخلات الإقليمية والدولية. تحولت سوريا من دولة ذات سيادة إلى ساحة صراع للقوى الخارجية، مما زاد من تعقيد الأزمة وأخرجها من أيدي السوريين أنفسهم. ولو أن النظام السوري قد قام بالانفتاح على الشعب ومطالبهم، بكل تأكيد لما وصلت الأمور إلى هذه المرحلة من التشتت والفوضى واستيلاء السلطة من قبل متطرفين وارهابيين يتم تعويمهم بشتى السبل من قبل قوى إقليمية ودولية، وذلك لغاية في قلب يعقوب، كما يقال، والذي لا نريد البوح به على الأقل الآن.

تواجه سوريا اليوم تحديات غير مسبوقة لبناء دولة مستقرة وموحدة بعد سنوات طويلة من الصراع، وهو ما يميزها بشكل جوهري عن التجربة المغربية.
من أبرز التحديات السياسية غياب “المرجعية الموحدة” أو “الضامن المحايد” الذي يمكن أن يقود المرحلة الانتقالية ويوحد الأطراف المتنافسة، على غرار الدور الذي لعبته الملكية في المغرب. هذا الفراغ في السلطة المركزية يُملأ بتعدد الفصائل السياسية المسلحة التي تتنافس على النفوذ، مما يعيق تحقيق وحدة سياسية حقيقية. كما أن غياب الثقة بين المكونات السورية المختلفة من كرد وعرب وتركمان وارمن واشور…، سواء على أساس عرقي أو طائفي، يُعد عائقاً كبيراً أمام أي محاولة لبناء نظام حكم توافقي.

تجاوزت تحديات سوريا البعد السياسي إلى انهيار هيكلي شامل. فالبنية التحتية مدمرة بالكامل، ويتطلب إصلاحها استثمارات هائلة، مما يزيد من صعوبة إعادة الإعمار. كما أن الأزمة الإنسانية أدت إلى نزوح الملايين داخلياً وخارجياً، مما يجعل من عودتهم وتوفير الأمن والخدمات الأساسية لهم تحدياً كبيراً. بالإضافة إلى ذلك، تعاني البلاد من غياب الموارد المالية الكافية حتى لتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم، حيث يواجه المعلمون صعوبات مادية كبيرة، مما يؤثر على جودة التعليم ويقود إلى تدهور اجتماعي خطير.

تُظهر المقارنة بين التجربتين المغربية والسورية نقاط التقاء وفوارق جوهرية. تتشابه الدولتان في وجود تنوع إثني وديني وثقافي، والحاجة الماسة إلى قوننة هذا التنوع. كما أن كلا البلدين كان لديه نظام حكم شديد المركزية، وهو ما يفسر جزئياً أسباب الحراك أو الأزمة. وكنتيجة لذلك، برزت في كلا السياقين مطالبات بتبني اللامركزية كحل للخروج من الأزمة. ويمكن الاستفادة من تجربة شمال وشرق سوريا ومناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية. حيث أنهم منذ بادية الأزمة السورية قد كتبوا العقد الاجتماعي والذي يعتبر كدستور للمنطقة، وأنهم تبنوا النظام اللامركزي. ورغم النواقص والسلبيات، إلا أنه الاعتماد عليها كتجربة ناشئة في مستنقع تفوح منه ايديولوجيات قومجية عصبوية ومعتقدات دينية متطرفة. ورغم كل الهجمات التي تتم على هذه المنطقة استمرت قوات قسد بحماية جميع مكونات المنطقة من دون تمييز.

ومع ذلك، فإن الفوارق الجوهرية تفوق نقاط الالتقاء، وتجعل من استنساخ النموذج المغربي في سوريا أمراً مستحيلاً. ففي المغرب، كان التحول بقيادة مؤسسة مركزية مستقرة ومرنة (الملكية)، بينما في سوريا انهار النظام المركزي، ولا يوجد أي ضامن محايد لقيادة المرحلة الانتقالية. كما أن مسار التحول في المغرب كان تدريجياً وتوافقياً، بينما في سوريا كان عن طريق صراع مسلح أدى إلى دمار شامل للمؤسسات. هذه الفوارق تجعل من التجربة المغربية نموذجاً يمكن استلهام مبادئه، وليس نقله بحذافيره.

إن الاستفادة من التجربة المغربية لا تعني استنساخها، بل استلهام المنهجية التي اتبعتها في تحقيق الاستقرار والإصلاح.

على غرار المغرب الذي قونن التنوع في دستوره، يجب على أي دستور سوري جديد أن يقر صراحة بالتعددية الثقافية، العرقية، والطائفية، وأن يضمن حقوق جميع المكونات. يتطلب ذلك حواراً وطنياً شاملاً لصياغة دستور توافقي، على غرار المشاورات التي سبقت الدستور المغربي. يجب أن يكون هذا الدستور الجديد هو أساس الشرعية، وأن ينهي مفهوم الحكم الذي “يرفض جميع أشكال المشاركة”.

يمكن لسوريا أن تستلهم من المغرب منهجية اللامركزية الإدارية والمالية كمرحلة أولى، مع نقل السلطات والوسائل إلى المستويات المحلية. هذا يجنب مخاطر “التقسيم” التي يخشاها الكثيرون، ويركز على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية. يجب ربط نقل الصلاحيات بنقل الموارد المالية اللازمة، مع تشجيع التمويل الذاتي للمناطق لضمان استقلاليتها، مع الأخذ في الاعتبار الدروس المستخلصة من التبعية المالية للجهات في التجربة المغربية.

يمكن لسوريا أن تستفيد من النموذج المغربي في تمكين المواطنين من المشاركة في الشأن المحلي عبر المجالس المنتخبة وتفعيل آليات الحوار التشاركي. يجب أن تكون هذه المؤسسات نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة المفقودة مع الدولة والمجتمع، وأن تكون جزءاً من عملية انتخابية نزيهة وشفافة.
يُعدّ جانب المصالحة الوطنية من أهم الدروس التي يمكن لسوريا استلهامها من المغرب، والذي مر بتجربة العدالة الانتقالية من خلال “هيئة الإنصاف والمصالحة”. يمكن تشكيل لجان تحقيق ومصالحة، مع تقديم تعويضات للضحايا، وفتح حوار وطني شامل لتهيئة بيئة آمنة لعودة النازحين واللاجئين ودمجهم في المجتمع. وخاصة بصدد الجرائم والمجازر التي تمت في زمن النظام الهارب أو السلطة المؤقتة الحالية. والبحث أكثر في ما حصل في الساحل والسويداء، لتعويض المتضررين.

تقدم التجربة المغربية في مجال الإصلاح الدستوري واللامركزية المتقدمة دليلاً على أن الإصلاحات الاستباقية والتدريجية، المدعومة بإرادة سياسية من القيادة العليا، يمكن أن تحقق الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة. كما تبرهن على أن قوننة التعددية الثقافية واللغوية هي أساس لنجاح اللامركزية.

إن الحل في سوريا يكمن في ابتكار نموذج حكم خاص بها، يراعي خصوصياتها وتنوعها، ويستلهم من التجارب الناجحة التي أظهرت قدرة على تجاوز تحديات الانتقال. وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يلعب دوراً محورياً في مساعدة سوريا، بحكم موقفه المحايد، وعدم وجود “أجندة” خاصة به. يمكنه تقديم الخبرة في إدارة المرحلة الانتقالية، وتسهيل الحوار بين الأطراف، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، وفتح آفاق للتعاون الثنائي. إن بناء مستقبل سوريا يتطلب جهداً مشتركاً، والدروس المستفادة من تجارب مماثلة يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل.

اقرأ أيضا

الإحتفال بالسنة الأمازيغية وسؤال الإنتقال من الإعتراف الرمزي إلى إخراج ورش التفعيل الرسمي والمؤسساتي

يشكل الإحتفال برأس السنة الأمازيغية، والذي أضحى يوم عطلة رسمية مؤدى عنها، لحظة رمزية ذات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *