يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 3)

المقاومون الجزائريون في ضيافة عائلة لخضير الحموتي

عن هذه المرحلة، يقول محمد عبد الله الحموتي، ابن عم محمد لخضير: “كان بوضياف كثير التردد على محلبة في ملكية العائلة لخضير، وبعدما استمرت إقامته بالمنطقة أكثر من أسبوع، ذات يوم كنا نتساءل عن هوية الشخص، الذي كان آنذاك يضع على رأسه قبعة نصرانية الصنع، كنا نعتقد حينئذ أن الشخص ذاك موال للفرنسيين أو للإسبان، ولكن لما استفسرناه، أوضح لنا أنه  مجاهد جزائري، وقد جاء إلى المنطقة من أجل جمع الدعم المادي واللوجيستيكي للمقاومة بالجزائر”. مضيفا: “كانت، بالنسبة إلينا، كلمة مجاهد في الريف، كلمة مقدسة، وهو ما دفعنا لجمع التبرعات، لقد كان الرجل على حذر شديد، لأنه، حسب قوله، كان مقيما بالريف كلاجئ سياسي لدى إسبانيا، بعد أن التزم العديد من المقاومين الجزائريين مع إسبانيا، بألا يتدخلوا في الشؤون السياسية، سيما تلك التي قد تضر بمصالح الإسبان في المنطقة”. كان بوضياف وزملاءه، يعيشون وسط عائلة لخضير وكأنهم من أفرادها، يقول أحد المقاومين بالريف، وما أن مرت سنتين حتى أصبحت المنطقة، مضيفة لكل الثوار والقادة الجزائريين، بما فيهم الهواري بومديان وأحمد بن بلة سنين بعد ذلك، والذين سيشرفون فيما بعد على اندلاع الثورة الجزائرية في فاتح نونبر 1954، بقيادة سياسية من جبهة التحرير الوطني الجزائري، وعسكرية من جيش التحرير الوطني الجزائري.”كنا نعلم الهواري بومديان السباحة، لأنه كان يجهل ذلك، وذات يوم غطسنا رأسه حتى تشمم مياه البحر”، يتذكر محمد لخضير.

منازل الضيافة بالريف تتحول إلى القواعد الخلفية للثوار والسياسيين الجزائريين

بين هذا وذاك، تأسس مكتب للمقاومة وجيش التحرير المغربي بقبوايا، آنذاك تدخل بعض أعضاء المكتب المسير، للتعرف على اللاجئين السياسيين من المقاومين الجزائريين، وبعد اجتماع خاص، تم التوصل إلى اتفاق فتح جبهة تحريرية من المنطقة، تضم مغاربة وجزائريين، وذلك بعد الزيارة التي تمت للأمير عبد الكريم الخطابي بالقاهرة، وقد أدلهم الأمير على صديقه الحميم، القائد عبد السلام بوحدو بالريف، وهو الأمر الذي سهل مهمة فتح جبهة مشتركة من أكنول وتازة، يقول محمد عبد الله الحموتي.

فبحكم موقع أسرة الحموتيين في التجارة، ظلت الساعد الأيمن لأعضاء الخلايا السرية في الحصول على المواد الغذائية وبعض الأسلحة، فقد كنا، على سبيل المثال، نمكن الجبهة من الحصول على معلبات الحليب لصنع القنابل اليدوية (مفرقعات)، بعد تجميعها من المزابل، وقد سهل امتلاك العائلة لمحلبة بالمنطقة على ذلك، حيث جمعنا في العديد من المرات، أطنان من هذه المعلبات، تمت تعبئتها فيما بعد بالمتفجرات والمواد الحارقة، مكنت الجبهة من كمية مهمة من المتفرقعات. كانت المجموعة التي تكلفت بعملية الهجوم على المركز الفرنسي ببورد، قد استعملت بفعالية تلك المفرقعات، وقد تمت العملية بنجاح، حيث استولى المقاومون على كمية مهمة من السلاح ومدفع واحد”، يقول المتحدث إلينا. وبحكم أن الريف كان معقلا للاجئين السياسيين والهاربين والثوار، بعد صدور حكم المتابعة في حقهم، فقد اجتمعت، وفي ظرف وجيز، طاقات بشرية أفريقية، لها خبرة عالية في مجال المواجهة. بعد أن واصل جيش التحرير المغربي انتصاراته على مختلف مراكز الجيوش الإستعمارية وعبئت كل الطاقات البشرية الريفية للإلتحاق بمعاقل المقاومة. حينها كان الجزائريون يحترسون على عدم الظهور إلى جانب رجال المقاومة المغاربة الميدانيين، وتحولوا إلى مجرد ضيوف، خصصت لهم مساكن في مختلف مداشر الناضور، بما في ذلك بني انصار.   

محمد لخضير  خبيرا في تهريب السلاح من مليلية إلى الساحل الجزائري

كان الشاب محمد الحموتي لخضير، من أشد الريفيين تشبثا بمساعدة الثوار الجزائريين، حيث كان يملك سفينين، لتهريب السلاح والمواد الغذائية، من موقع مليلية، عبر البحر الأبيض المتوسط، إلى الساحل الجزائري، حتى أصبح وسيطا بين القيادة الجزائرية المتواجدة بالريف المغربي والقادة الميدانيين لجيش التحرير الجزائري. حصول المغرب على الإستقلال، بعد تونس، لم يغير من موقف محمد لخضير، بشأن ضرورة الإستمرار في دعم الجزائريين إلى حين تحرير البلاد، كانت هذه المساعدة، الممثلة في تهريب السلاح، قد جلبت عليه أعداء كثر، سيما بعد تصفية مجموعة من أعضاء جيش التحرير المغربي، بما فيهم عباس لمساعدي وملاحقة الريفيين الذين عبروا، هم أيضا، عن استعدادهم لمواصلة المقاومة، إلا أن آماله خيبت، بعد أن غرقت سفينتيه بالجزر الجعفرية.

لقد كان محمد خبيرا في تهريب السلاح، حيث يتم  تخزينه بالمنزل بعد عملية شرائه من مليلية، قبل أن تتم تعبئته في الصناديق لتوجيهه إما لجبهة التحرير المغربية أو لنظيرتها الجزائرية، وذلك دون علم حتى أقاربه بذلك، اللهم زوجته، إلا أن ذلك لم يحل دون قضاء محمد عقوبة حبسية بمليلية بدعوى شراء سلاح مسروق من الثكنات الإسبانية. “كان محمد يقوم بشراء السلاح والمفرقعات من مليلية ويقوم بتهريبه في اتجاه الجزائر والجهة الشرقية الشمالية المغربية، أي إلى معاقل المقاومين، لقد كان  محمد يستغل الوضعية الإجتماعية للعسكر الإسباني الذي يقوم بسرقة السلاح من الثكنات الإسبانية، وذات يوم اشترى مسدس، كان قد سرقه مجند إسباني من قبطانه، ولما أجري البحث، اعترف المجند الإسباني بما قام به، وتم القبض على محمد لخضير، وصدر في حقه الحكم بتهمة تهريب السلاح إلى معاقل جيش التحرير والمقاومة، كما فقد سفينتيه غرقا وهي محملة بالسلاح والمواد الغذائية في اتجاه الجزائر نظرا لحجم حمولتهما، وكاد أن يهلك ومساعدوه في كلتا الحالتين”، يضيف محمد عبد الله الحموتي.

محمد لخضير يرفض الإنضمام إلى الحكومة المؤقتة الجزائرية ويعين في الديوان الملكي

لقد سبق للحكومة المؤقتة الجزائرية بتونس أن اقترحت على محمد لخضير الإنضمام إليها، لكن شريطة حصوله على الجنسية الجزائرية، وهو ما رفضه، حينها كان من بين الوفد الجزائري المغربي الذي ذهب للتفاوض مع فرنسا بتونس، حيث إنزال الطائرة التي كانت تقل القادة الخمسة الجزائريين، كان شديد التشبث بمغربيته، حيث قال للقيادة الجزائرية، في عهد تولى فيه فرحات عباس منصب الرئاسة المؤقتة للجزائر “أنا مقاوم مغربي، وكنت أقدم مساعدة لإخواني في المقاومة الجزائرية، بل كنت واحدا منهم”، ساعتها كان الخلاف قد طفى على السطح بين القيادة الجزائرية، وقد أخبر بالأمر امبارك البكاي الذي أبلغ الخبر إلى  الحسن الثاني، وهو ما جعل الحسن الثاني يرسل أحد رجالاته  في طلب محمد لخضير، وتم نقله في سيارة خاصة تابعة للقصر، من منزل عائلته في بني انصار إلى الرباط، اعتقدت حينها العائلة أن الأمر يتعلق باعتقال أو اختطاف. “كان ديك إلا رفدو شي واحد، مشا”، يقول محمد عبد الله الحموتي. ولم يظهر له أثر إلا بعد ثلاثة أيام، حيث أعادته نفس السيارة. والظاهر أن هناك أطراف كانت تراقبه، حيث تم توقيف السيارة التي أقالته، من طرف رجال الشرطة، ولم يخرج منها إلا بمشقة النفس، وبعدها توجه، صحبة  سائق السيارة ذاتها إلى مليلية دون اية عراقيل، بل إن حراس الحدود أدوا له التحية، آنذاك قال: “حنا في بلادنا شبرونا وفي بلاد النصارى ما شبروناش ، كيفاش هاد شي”. بعد وجبة غذاء، أخبر محمد لخضير بأن الحسن الثاني قد عرض عليه سفيرا في سيدي بلعباس، لقد كان هذا العرض، محط استحسان العائلة، لأنها كانت تفكر استثمار ذلكن في إنشاء شركة نقل للحافلات تربط بين المغرب والجزائر. واستمر الوضع على ماهو عليه، إلى أن حصلت الجزائر على الإستقلال، وصار بنبلة رئيسا للبلاد، لقد كانت  القيادة الجزائرية المرفوضة من الشعب، تريد صرف نظر الشعب عن المعارضة الداخلية، بخلق مناوشات، بل  إعلان حرب عن المغرب، إنها حرب الرمال التي ساندتها المعارضة المغربية المقيمة بالجزائر، وعبأت مختلف الأجهزة الليبية والجزائرية بتوجيه الشتائم إلى المغرب، وتحولت المودة بين الدول الثلاث الجارة إلى أزمات ومؤامرات بين الحكام، كان كل واحد يشحد كل طاقاته الإعلامية والدعائية للتشهير بالآخر.

محمد لخضير يقرر زيارة الجزائر بدون ضمانات من الحسن الثاني

بعد لقاء آخر جمعه بالحسن الثاني، اشعره محمد لخضير أن أنصار المغاربة المتواجدون بالجزائر أخير بكثير ممن هم الآن يعيشون في المغرب، وقد استغرب الحسن الثاني للأمر. مبديا عزمه القيام بزيارة إلى الجزائر لتفقد أنصار المغاربة، وتوضيح اللبس القائم  بين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الجارين. وهي الزيارة التي لم تتفق معه الأسرة بخصوصها، ويضيف ابن عمه أنه نصحه قائلا “راه إلا دخلتي للجزائر، مشيتي بحالك”، ورد عليه قائلا “إذا نجح الأمر فهذا مبتغانا، وإن فشلت الزيارة، الله إجعل البركة”، وهو الأمر الذي يعني أن الزيارة كانت مغامرة وقد تكلفه حياته. غادر محمد لخضير المغرب بداية شهر نونبر من عام 1964، لقد كان في السابق يدخل ويخرج من الجزائر دون أية مشاكل، ولكن هذه المرة، كانت زيارته في إطار مهمة، رغم أن القصر لم يعطه أية ضمانات.

في سؤال له، حول ما إذا كان القصر، قد شارك هو الآخر في المؤامرة ذاتها،  استبعد محمد عبد الله الحموتي ذلك، لأنه، حسب معلوماته، فقد سبق للحسن الثاني أن استدعى محمد لخضير، مرارا، إلى القصر، وذات مرة قضى مع الحسن الثاني 3 أيام. ولما اقترح محمد لخضير، على الحسن الثاني، القيام بزيارة إلى الجزائر، للتباحث مع بعض المغاربة المقيمين بالجزائر، نهره الحسن الثاني، ولما شدد على ضرورة القيام بهذه الزيارة، للتواصل مع المعارضين المغاربة المقيمين بالجزائر وكذا التباحث مع بعض الجزائريين بشأن حرب الرمال، فرد عليه الحسن الثاني، بأن عليه أن يتحمل مسؤوليته في هذه الزيارة في الوقت الحساس، بخصوص التوتر الذي طبع العلاقات المغربية الجزائرية “إلا مشيتي دبر لراسك”.

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 1): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 2): من هنا

شاهد أيضاً

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 12 والأخيرة)

هل كان المهدي بنبركة جاسوسا للمعسكر الشرقي؟ نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية، في عددها الصادر ما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *