أخبار العالم الأمازيغيأخبار المغرب

ⴰⵙⴳⴳⵯⴰⵙ ⴰⵙⵎⴰⵜⵜⴰⵏ – العام المُميت

رواية للكاتب مزيان رحو

يتميز هذا العمل الروائي بكونه نتاج وعي نظري صِيغَ في مقدمة تَبْسُط المشروع الأدبي للكاتب. إذْ يقول: “انطلاقا من وعيي العميق بأن الأدب الأمازيغي المكتوب لا يمكنه أن ينهض ويترسخ إلا إذا تنوع في أجناسه وتجاربه كما هو الشأن في الآداب العالمية الأخرى.” ثم يفصح عن النوع الروائي الذي رأى ضرورةَ انفتاح الرواية الأمازيغية الفتية عليه: “[وقد] باشرت مشروعي الإبداعي باللغة الأمازيغية في أحد الأجناس الفرعية للرواية، ألا وهو رواية الخيال العلمي (Science-fiction)، باعتبارها من أكثر الأجناس الأدبية معاصرة وارتباطا بتحولات العالم الراهن”. وهو بهذا الاختيار يطمح إلى “تحقيق غايتين في آن واحد: الإسهامُ في تنويع الأجناس داخل الأدب الأمازيغي المكتوب، والانخراطُ في أسئلة العصر الكبرى.” مِصْداقا لهذا الانخراط، اتخذ الكاتب من الأزمة المناخية التي تهيمن راهنا على الكوكب وتهدد الحياة فيه موضوعا لروايته. يقول: “وهكذا بدأت ملامح الفكرة المركزية للرواية تتشكل حول ظواهر مناخية مصطنعة من صنع الإنسان، تستغل لأغراض الهيمنة والسيطرة على العالم، والتحكم في مصائر الشعوب.”

الإنجاز

ذلك هو الرهان؛ فكيف تجسد في النص؟
يحيل اسم الجنس الروائي الذي اختار الكاتب الكتابة فيه، كما رأينا، على مكونين: /الخيال/ و /العلم/. أما الخيال فقد تجلى في الديسطوبيا (dystopie) التي تخيلها الكاتب لِيُجْري فيها أحداث روايته. يخبرنا الذكاء الاصطناعي بأن “الديستوبيا (أو نقيض اليوتوبيا) هي سرد خيالي يصور مجتمعًا مظلمًا وقمعيًا يمنع أفراده من تحقيق السعادة. على عكس اليوتوبيا، التي تتخيل عالمًا مثاليًا، تُعدّ الديستوبيا بمثابة تحذير من خلال تضخيم التجاوزات الحالية في مجتمعنا (التكنولوجيا، الشمولية، الايكولوجيا).

الخصائص الرئيسية للديستوبيا:
تعتمد عوالم الديستوبيا عمومًا على ركائز سردية متواترة هي:
السيطرة الشمولية: تسيطر حكومة استبدادية أو دكتاتورية أو شركة جبارة على حياة المواطنين، فلا تترك مجالًا للإرادة الحرة؛
المراقبة والدعاية: تُقمع الحرياتُ الفردية لصالح المراقبة الجماعية والتلاعب بالمعلومات؛
التجريد من الإنسانية: غالبًا ما ينقسم المجتمع إلى طبقات صارمة أو يتحول بفعل التكنولوجيا التي تقصي وتعزل الأفراد؛
السعي نحو التحرر: تدور القصة عموماً حول بطل يدرك الظلم ويحاول التمرد عليه.” (انتهى تعريف الذكاء الاصطناعي للديستوبيا).

من نافل القول أن تحيين هذه الركائز يختلف من رواية إلى أخرى حسب السياقات التاريخية والسوسيو-ثقافية…
في رواية “العام المميت” تتجسد تلك الركائز في: أولا، طائفة (une secte) من العلماء الذين “باعوا أرواحهم للشيطان”، فَبَدا لهم أن يتدخلوا في قوانين الطبيعة بتغيير عناصر المناخ (من رياح وأمطار وضباب وسحاب) لتتحول من عوامل حياة إلى مسببات للموت الجماعي على النحو الأشد فظاعة. وتتخذ هذه الطائفة هيئةَ مؤسسة كبرى تشتغل خارج الضوابط المجتمعية، وتعتمد في انتخاب اعضائها على الانخراط الإرادي في المشروع من جهة، وعلى التمويه أسلوبا لجعل عدد من الأعضاء يلتحقون بها ليصيروا رهائن يعملون لصالحها إكراها، من جهة أخرى. وهي في نمط اشتغالها القائم على نظام المراقبة الشاملة بالكاميرات نموذج مصغر لعالم 1984 لجورج أورويل؛ ثانيا، التحكمُ في المعلومات والتلاعب بها في التواصل الداخلي الموجه إلى الأعضاء لإيهامهم بأن المؤسسة تعمل لصالح الإنسانية؛ ثالثا، التجريدُ من الإنسانية عن طريق عزل الأفراد بعضهم عن بعض وإشاعة عدم الثقة المفضي إلى الامتناع عن أي مبادرة مشتركة في اتجاه كسر الهيمنة المفروضة؛ رابعا، السعيُ نحو التحرر متمثلا في ميمون وفريقه من خارج وداخل المؤسسة المشؤومة.

ذلك هو مكون /الخيال/ في الرواية. وأما المكون/العلمي/ فقد اتضح، عَرَضًا فيما سبق، من خلال الطبيعة العلمية لنشاط المؤسسة والمؤهلات الأكاديمية للعاملين بها، وكذا اعتماد معطيات العلم مع تحريفها عن غايتها الأصلية المتمثلة في خدمة الحياة إلى غايات بديلة مدمرة لها.

ملاحظات وتساؤلات

يتضح مما سبق أن الرواية قد أنجزت العَقْد الأجناسي (le contrat générique) لرواية الخيال العلمي. هذا مع وجوب الإشارة إلى أن بعض تفاصيلها تحيل، بالأحرى، على جنس العجيب (le merveilleux).
هذا، ومن الملاحظات التي أرى إبداءَها الصبغةُ التجريديةُ للسرد الروائي: فقد تعامل الكاتب مع شخصياته بحسبانها وظائفَ وأدواراً أكثر منها ذواتا بِحمولة نفسية-اجتماعية تتجلى من خلال تفاعلها مع بعضها البعض (إذا استثنينا العلاقة بين ميمون وعاشور).

ومن الملاحظات، أو بالأحرى، التساؤلات: حضور العنصر الألماني في الرواية. هل الغرض من استدعائه سردي محض، هو إلغاء البعد الزمكاني (la dimension spatio-temporelle) بجعل الشخصيات تتنقل بين “الناظور” وألمانيا غَيْرَ مشروطة بعاملي المسافة والزمن؟ أم أن الغرض أسلوبي، وهو فسح فضاء الكتابة الأمازيغية للتعدد اللغوي؟

ومما ينبغي التنويه به الجهد المصطلحي الذي بذله الكاتب. فقد حَفَلَ النصُّ الروائي بعدد معتبر من المصطلحات المستحدثة (néologismes) التي احتاج اليها الكاتب من أجل تسمية مفاهيمَ جديدة أو اشياءَ وتقنياتٍ عصريةً في مختلف مجالات العلم والتكنولوجيا التي تطرقت إليها الرواية. من تلك المصطلحات ما اشتقه الكاتب نفسه من جذور اللغة، ومنها ما استعاره من المعاجم المتوفرة. ويلاحظ أنه، فيما اعتمد الكاتب سِجِلاّْ لغويا مشتركا بما يَحْفُلُ به من مُقْتَرَضات لها في كثير من الأحيان مقابلاتُها في اللغة، فإنه، بالمقابل، أصر على توطين المفاهيم الجديدة في الأمازيغية بتسميتها بأسماء اشتُقَّتْ أو نُحِتَتْ من نفس موادها. ولا شك في أن هذه الجهود، إذا تواترت، ستعزز كِتابِيَّة اللغة الأمازيغية.

ختاما، تعد هذه الرواية، بموضوعها ونوعها السردي، خطوةً جريئةً في اتجاه توسيع أفق الكتابة السردية الأمازيغية.

ميمون امسبريذ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى