أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

الأمازيغية: عمق حضاري في مواجهة خطاب الاستلاب والكراهية المتزايدة

بقلم/ الحسين اكدا

​قبل الخوض في صلب الموضوع، لا بد من التوقف عند مفهوم الأمازيغية؛ فهي ليست مجرد لغة أو عرق كما يُصوّرها التيار المعادي المستلب (“إيمحارصن”)، بل هي ثقافة، وتاريخ، وهوية، وقيم، وفكر، وتراث، وأرض شاسعة سُميت بلاد “تامزغا” (شمال أفريقيا). هذا المعطى الحضاري هو ما يحاول التيار العروبي المستلب حجبه عن الواقع؛ فالأمازيغية وُجدت على هذه الأرض قبل حلول الديانات التي تدين بها شعوب المنطقة، وهو واقع علمي وتاريخي يسعى هذا التيار للقفز عليه.

​ولعل المثير للدهشة أن تخرج بعض الأصوات الإعلامية المحسوبة على المشهد الصحفي في حالة من التشنج والتهجم، منادية بأن الحديث عن المكون الأساسي للهوية الوطنية، أو نبش تاريخ شعبها الأصيل (الموريون)، يُعد انفصالاً ومساساً بالوحدة الوطنية!

​عجيبٌ أمر مثل هذه الأصوات التي تشتغل في مؤسسات إعلامية خاصة، ثم تضرب في العمق نص الدستور المغربي وما جاءت به الخطابات الملكية السامية؛ إذ أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في غير ما مرة أن الأمازيغية مكون أساسي للهوية المغربية ورصيد مشترك لجميع المغاربة دون استثناء.

​ومع ذلك، يأتي بعض “المستلبين” الحاقدين على المخزن — والذين لم يستطيعوا مواجهته مباشرة — ليروجوا لعكس ذلك بأسلوب عنصري مقيت، متهمين كل من يتحدث عن الأمازيغية بأنه “مدفوع من أطراف أجنبية”. وهو كلامٌ رُوِّج مراراً وتكراراً ضد المناضلين عن الأمازيغية، ولا يعلم هؤلاء أنهم هم المدفوعون من شرذمة أعطت صورة سيئة عن المغرب، ومنهم من يريد السوء لهذا البلد ليلاً ونهاراً، بل حاولوا زعزعة قيمه الأصلية القائمة على التسامح والعيش المشترك.

​إن حقيقة الأمازيغية كتاريخ عريق لهذه الأرض لم تعد بحاجة إلى سفسطة المستلبين؛ فالنتائج الأثرية والأركيولوجية حسمت الأمر علمياً، ولا يمكن إعادة هذا المعطى إلى النقاش لأنه مجرد اجترار. ومن هذا المنطلق، أدعو كل مغربي حر إلى تجاوز هذا الجدال العقيم، لأن الوجود الأمازيغي حقيقة علمية لا يمكن دحضها بسرديات الوافد الذي أصبح جزءاً من هذا الوطن، بل أصبح أصيلاً منصهراً في المكون الأساسي لهذا البلد، ألا وهو المكون الأمازيغي.

​الأمازيغية هوية عريقة تُستمد من ارتباط الإنسان بالأرض؛ هذه الأرض التي شكّلت وعي الإنسان الأمازيغي، ووُسمت جغرافيتها بالأمازيغية كـلغة هي آية من آيات الله، تنطق بها وبأسمائها الجغرافية، وبأسماء الكائنات والحيوانات التي أطلقها الأمازيغي منذ القدم، مما يدل على وعي مبكر وعميق بالبيئة والمحيط. لقد كانت “تامزغا” وعاءً احتضن كل الحركات الوافدة عبر الأزمنة، وكان حرياً بالمستلبين الافتخار بهذا الإرث الهوياتي الممتد لآلاف السنين، بدلاً من التنديد به.

​لقد استقبل الأمازيغ الوافدين والأجانب بحفاوة وكرم، ليس عن جهل أو ضعف، بل نابعة من قيمهم النبيلة في الضيافة وإغاثة الغريب؛ وهي قيمٌ حسمها الإنسان الأمازيغي وسار عليها عبر التاريخ.

​الفكر الحضاري مقابل النظرة القاصرة

​أتحدى هذه النماذج من نوع هذا الصحفي أن يقرؤوا عن الأمازيغية كفكر وتراث مادي ولا مادي ليستنتجوا أنها حضارة عميقة ذات أبعاد إنسانية. لكن الأبواق المستلبة لا ترى في الأمازيغية سوى “صناعة استعمارية”، متجاهلين أنهم بخطابهم هذا يكرسون الفكر الاستعماري الغازي الحقيقي. ينظرون إليها كـ “لهجة” غير قادرة على أن تكون لغة، لمجرد أنهم لم يكلفوا أنفسهم يوماً عناء دراستها، في حين يتهافتون على تدريس اللغات الأجنبية لأبنائهم بافتخار، رغم أن كثيراً منهم لا يتقنون حتى اللغة العربية التي يتخذونها ذريعة لترويج أفكارهم الهدامة.

​لو كان الأمازيغ عنصريين كما يحاول البعض تصويرهم، لما وجدت هذا التنوع والثراء الديمغرافي في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. لكن قيم التسامح والتعايش المشترك (“أميدير” و”أمصاراف”) جعلت من أرض شمال أفريقيا ملاذاً واستقبالاً لديانات وأعراق متنوعة، انصهرت وتمازجت لتبني شخصية مغاربية المكون الأساسي فيها أمازيغي.

​التناغم بين القيم الأمازيغية والإسلام

​لقد انسجمت القيم الأمازيغية مع مقاصد الدين الإسلامي، وهو ما جعل الأمازيغ يُقبلون عليه بحب ووعي. لقد جمعوا بين قيمهم والإسلام لينتجوا نموذجاً إسلامياً معتدلاً ظهر جلياً في الرباطات والزوايا والمدارس العلمية؛ بل إن العلماء الأمازيغ نافسوا أهل المشرق وتجاوزوهم، وأنتجوا باللغة العربية في مجالات الفقه والنوازل والمصطلحات بكتابات عربية اللسان، ولكن بوعي وفكر أمازيغي أصيل.

​وحين يفلس التيار العروبي الظلامي (“آيت تالست” و”إمحارصن”)، يربط الأمازيغية دائماً بدافع الكراهية بـ “التيار الصهيوني”؛ وهو خطاب جبان ناتج عن أساطير أفرزتها نخب متهالكة لم تستطع مواكبة العصر، وكانت تقتات على مفاهيم تاريخية مجانبة للحقيقة أصلت لها أدبيات الحركة الوطنية، كأسطورة “الظهير البربري”، ومصطلحات مثل “المغرب العربي” و”القومية العربية”.

​إن العجز عن مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب اليوم هو ما يدفع البعض للترويج لهذه الفزاعات. فاليهودية رافد أساسي ورسمي من روافد الهوية الوطنية المغربية أَبَى من أَبَى وكَرِهَ من كَرِه، في إطار دستور مغربي أصبح هؤلاء يريدون تجاوزه.

​ختاماً، كلما زادت كراهية الظلاميين والمستلبين (“آيت تالست”، “إمحارصن”)، كلما ازدادت الأمازيغية بمفهومها الحضاري الشامل مشعلاً ورونقاً؛ فالحقائق التاريخية والأركيولوجية لا تُنسخ بالأكاذيب والأساطير واستغلال الدين الإسلامي، ووعي الشعوب بهويتها لا يُطمس بخطابات التجييش والكراهية. الأمازيغية لغة، هوية، ثقافة، تاريخ، أرض، وقيم، لا يمكن أن تموت كما مات الخطاب العروبي العنصري في عقر أوطانه ولم يبقَ إلا في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى