كتاب وآراء

الأمازيغية في قانون المالية 2027: من الغموض إلى الوضوح

أحمد زاهد

انصبّ النقاش العمومي حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع أمام البرلمان بمجلسيه يوم 23 أكتوبر 2026، على الضريبة على الدخل والمعاشات والقدرة الشرائية. وفي زحمة هذه الأرقام، مرّ إجراء جوهري لم ينل ما يستحقه من اهتمام، رغم دلالته العميقة بالنسبة لمسار ترسيم الأمازيغية رغم انها ملك لكل المغاربة بدون استثناء.

يتعلق الأمر بإحداث حساب خصوصي لدى الخزينة العامة يحمل اسم “صندوق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية”، يُعهد بتدبير موارده ونفقاته إلى رئيسة الحكومة، لتمويل مشاريع إدماج الأمازيغية في مجالات الحياة العامة ذات الأولوية. وهو إجراء يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في جوهره تحوّل في طريقة تعامل الدولة مع هذا الورش.

فإلى غاية اليوم، كان تمويل استعمال الأمازيغية يمرّ عبر حساب مشترك هو “صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية”. كانت الأمازيغية فيه شريكة لورشين ضخمين هما تحديث الإدارة والرقمنة، بكل ما يعنيه ذلك من تنافس على الاعتمادات وصعوبة في تتبع ما يعود إليها فعلًا.

مشروع قانون المالية 2027 يفكّ هذا الارتباط. فهو يحذف الإشارة إلى الأمازيغية من اسم الصندوق القديم، ليصبح “صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي”، ويُحدث في المقابل صندوقًا خاصًا بالأمازيغية وحدها. بعبارة بسيطة: صار للأمازيغية، لأول مرة، صندوق يحمل اسمها وحدها. وهو اجراء لا يخلو من دلالات إيجابية تنم عن إرادة فعلية هذه المرة في التعامل مع اللغة والثقافة الامازيغيتين:

أولًا: الوضوح والقابلية للتتبع. حين تذوب الاعتمادات داخل صندوق متعدد الأغراض، يصعب على البرلمان والمجتمع المدني معرفة كم رُصد للأمازيغية وكم صُرف منه. أما الصندوق المستقل فيجعل الرقم مرئيًا ومنشورًا كل سنة، قابلًا للمساءلة والمقارنة.

ثانيًا: استمرارية التمويل. الحسابات الخصوصية للخزينة تتيح ترحيل الأرصدة غير المصروفة إلى السنة الموالية، بدل أن تسقط في نهاية السنة المالية. وهذا يناسب ورشًا طويل النفَس كترسيم الأمازيغية، يقوم على التكوين والترجمة والتشوير وإعداد الموارد البشرية على مدى سنوات.

ثالثًا: إشراف مباشر لرئاسة الحكومة. إسناد صفة الآمر بالصرف إلى رئيسة الحكومة يرفع الأمازيغية من شأن قطاعي إلى مسؤولية حكومية أفقية. فالترسيم يهمّ التعليم والعدل والصحة والإعلام والإدارة في آن واحد، ولا يمكن أن تنهض به وزارة بمفردها. الصندوق يمنح رئاسة الحكومة أداة لتمويل كل هذه القطاعات انطلاقًا من مركز قرار واحد.

رابعًا: ربط صريح بالقانون التنظيمي 26.16. عبارة “مجالات الحياة العامة ذات الأولوية” ليست صياغة عابرة، بل إحالة مباشرة إلى القانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. الصندوق بهذا المعنى هو الذراع المالي لتنزيل هذا القانون، وجسر بين النص الدستوري والممارسة اليومية للمواطن. إننا امام إرادة سياسية تستحق التنويه

فطالما طالبت الحركة الأمازيغية بآلية مالية واضحة ومستقلة، تُخرج الترسيم من دائرة النوايا والتصريحات إلى دائرة الاعتمادات المرصودة والمحاسَب عليها. ويأتي هذا الإجراء ليستجيب لهذا المطلب بشكل يتجاوز ما كان معمولًا به إلى حدود اليوم.

ومن الإنصاف التنويه بالحكومة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وبوزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية السيد فوزي لقجع، على إدراج هذا الإجراء في أول قانون مالية للولاية الجديدة. فأن تُبادر حكومة، في سنتها الأولى وفي ظرفية مالية مشدودة بأهداف خفض العجز، إلى إحداث صندوق قائم الذات للأمازيغية، فذلك اختيار سياسي يُحسب لها، ورسالة بأن الأمازيغية ليست ملفًا مؤجلًا إلى حين توفر الفائض.

كما أن اختيار رئاسة الحكومة مشرفةً على الصندوق يعكس فهمًا صحيحًا لطبيعة الورش: الأمازيغية قضية دولة ومسؤولية جماعية، لا قطاع من القطاعات.

إن إحداث صندوق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية خطوة نوعية تستحق الترحيب، لأنها تمنح الترسيم ما كان ينقصه: أداة مالية واضحة، ومسؤولية سياسية محددة. والمطلوب اليوم أن نلتقط هذه اللحظة بإيجابية، وأن نجعل من هذا الصندوق رافعة حقيقية لمغرب يعتز بتعدده، ويجعل من أمازيغيته رصيدًا مشتركًا لكل المغاربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى