
وأفادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بلاغ لها بمناسبة تخليد رأس السنة الأمازيغية، أن إحياء هذه المناسبة النضالية يأتي بعد عقود من الكفاح الذي خاضته الحركة الأمازيغية والحركة الحقوقية بالمغرب، في ظل أوضاع وطنية تتسم بتفشي الفساد والإفلات من العقاب داخل المؤسسات العمومية، سواء المنتخبة منها أو المعينة، وبالتضييق الممنهج على حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وتجريم النضال السلمي، والتراجع الخطير للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، نتيجة تبني سياسات اقتصادية لا شعبية قائمة على اقتصاد الريع ونهب الثروات الوطنية، وتسليع القطاعات الاجتماعية، وما نتج عن ذلك من تدهور بنيوي في الخدمات العمومية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والسكن، في خرق سافر لمبادئ العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
وأكدت الجمعية أن هذا الوضع يشكل انتهاكًا صريحًا للالتزامات الرسمية للدولة المغربية كما يقرّها دستور 2011، ولا سيما الفصول المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز، وسمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها على التشريع الوطني، والاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية للدولة، فضلًا عن الالتزامات الدولية للمغرب، وما يستتبع ذلك من واجب احترام وحماية وإعمال الحقوق الفردية والجماعية للشعب الأمازيغي دون إفراغها من مضمونها أو حصرها في إجراءات شكلية.
وشددت الجمعية على أن استمرار الدولة في التملص من هذه الالتزامات، والإبقاء على سياسات الإقصاء والتأجيل، يكرس واقعًا من اللاتماثل وعدم المساواة، ويغذي الإحساس بالحيف والظلم، ويقوض أسس دولة الحق والقانون، ما يفرض، بحسبها، تصعيد النضال الحقوقي وتوحيد الجهود من أجل فرض الاعتراف الكامل والفعلي بحقوق الشعب الأمازيغي باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الحقوق الكونية غير القابلة للتصرف.
وأعربت الجمعية عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته باستمرار سياسات الإقصاء والتهميش القائمة على الإلهاء والمماطلة وتجميل الواقع، ومحاولات إعادة إنتاج آليات السيطرة والهيمنة من خلال سن تشريعات تُوظف لتسهيل استعمال القضاء كأداة لقمع الحريات العامة، وتجريم العمل الحقوقي، واستهداف المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وكل الأصوات المنتقدة للسياسات العمومية، في تعارض صارخ مع التزامات الدولة الدولية.
واستحضرت الجمعية المرجعيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما المادة 15 منه والتعليق العام رقم 21 بشأن الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، إضافة إلى الإعلان العالمي للتنوع الثقافي، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، فضلًا عن تقارير وآراء آليات الأمم المتحدة، ومنها تقرير الخبيرة المستقلة المعنية بالحقوق الثقافية عقب زيارتها للمغرب في شتنبر 2011، وتقرير المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب عقب زيارتها للمغرب في دجنبر 2018، وما خلصت إليه من توصيات تؤكد ضرورة الاعتراف الفعلي بحقوق الشعوب الأصلية وضمان حمايتها دون تمييز.
وأبرزت الجمعية أن المغرب يعد من بين البلدان القليلة في العالم التي تتوفر على شعب أصلي متميز تاريخيًا وثقافيًا، امتد وجوده على طول شمال إفريقيا، وما عرفته أراضيه من تهافت القوى الاستعمارية على موارده، واستغلال ثرواته، وتفكيك بنياته الاجتماعية والاقتصادية، باستعمال وسائل مدمرة للإنسان والطبيعة، بما في ذلك استهداف بعض المناطق بالأسلحة الكيماوية المحظورة دوليًا، إلى جانب سياسات التعريب القسري، وإقصاء اللغة الأمازيغية، وتهجير السكان، واستنزاف الثروات الطبيعية دون إشراك الساكنة أو تمكينها من حقها المشروع في الانتفاع العادل منها.
وبهذه المناسبة، جددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مواقفها، للدولة المغربية إلى الالتزام الفعلي بالمواثيق الدولية المصادق عليها، والتفعيل الكامل للطابع الرسمي للغة الأمازيغية في جميع المؤسسات، وتعميم تدريسها، ووقف سياسات التهميش في حق سكان البوادي والجبال.
كما أكدت تشبثها بالحفاظ على أراضي الجموع، ورفضها للقوانين المنظمة للجماعات السلالية والترحال الرعوي بصيغتها الحالية، مطالبة بمراجعتها بما يضمن الحقوق الجماعية والفردية للسكان الأصليين، والتنديد باستباحة أراضيهم من طرف بعض اللوبيات الخليجية، وضمان الاستفادة العادلة من الثروات الطبيعية والمعدنية، وتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، خاصة في الريف والأطلس المتوسط.
وفي السياق ذاته، جددت الجمعية مطالبتها بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف، والتعجيل بإعمار منطقة الحوز والمناطق المتضررة من زلزال 2023، مع ضمان الشفافية والمحاسبة، محذرة من خطورة تفشي خطابات الكراهية والعنصرية، وداعية النيابة العامة إلى وضع حد للحملات التحريضية والتشهيرية وضمان عدم الإفلات من العقاب.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر