أخبار عاجلة

بين اللغة والتاريخ: المغرب الإمبراطوري والعصبيات الكبرى

شكلت اللغة إحدى تمظهرات البناء الحضاري للإنسان، وهي محدد رئيس في تطور التاريخ، كما تسهم في تفسير تحولات المجتمعات. ويقتضي التأريخ للغة تضافر جهود مختصين في اللسانيات التاريخية وحقل الدراسات التاريخية من أجل تحديد مسارات هذه اللغة، ورصد مظاهرها وتجلياتها داخل البنية الثقافية والمجتمعية بالمغرب. ويشهد التاريخ بأن اللغة الأمازيغية تمثل عمقا تاريخيا للمغرب، إلى جانب اللغات الأخرى، وهو ما أفرز فسيفساء ثقافية لا يمكن إنكارها في تشكيل معالم الشخصية المغربية في أبعادها الثقافية واللغوية. ويطرح هذا الموضوع تساؤلات محورية حول علاقة اللغة بالتاريخ، وحول مدى إسهامها في رسم معالم الأحداث الكبرى في تاريخ المغرب.

لقد ظلت اللغة الأمازيغية حاضرة وفاعلة في مختلف مراحل التاريخ المغربي، وسأنطلق من تاريخ نشأة الإمبراطوريات الوسيطية لتفسير علاقة القبائل الأمازيغية بتطور الدولة في المغرب الوسيط ودورها في توحيد المجال المغربي سياسيا لتضم بلاد شنقيط والأندلس،بالإضافة إلى المغربين الأوسط والأدنى.

إن مقاربة الديناميات السياسية للمغرب الوسيط تفرض استحضار العصبيات الصنهاجية/إزناكن والمصمودية/إمصمودن بوصفها عصبيات قبلية أمازيغية كبرى شكلت العمود الفقري للتنظيمات الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في بناء المغرب الإمبراطوري وتوحيده سياسيا. فقد جاءت هذه التنظيمات في سياق تاريخي اتسم بشتات سياسي بعد الثورة المغربية الكبرى على ولاة الدولة الأموية، حيث مثلت العصبية الأمازيغية بمفهومها الخلدوني، بما تحمله من دلالة اتحاد القبائل من أجل مصلحة مشتركة،بعدا اجتماعيا وسياسيا وثقافيت، باعتبارها أداة لإعادة إنتاج السلطة وتوحيد المجال المغربي.

تميزت هذه الحقبة بازدهار الحياة الثقافية في المغرب الإمبراطوري، عقب انتشار الإسلام وترسخ المذهب المالكي، وظهور المدارس العلمية بسوس ومجال الأطلس الكبير، خاصة بعد محاولات القضاء على الإمارة البورغواطية. وقد شكل اللسان الأمازيغي عنصرا فاعلا في ازدهار التأليفات الدينية، وهو ما يفسر انتشار حركة الترجمة من العربية إلى الأمازيغية، وظهور مدونات في الطب والفقه باللغة الأمازيغية، هدفت إلى نشر المعارف الطبية في أوساط القبائل الأمازيغية، لا سيما عقب سنوات الجفاف وانتشار الأوبئة، وعكس ذلك الدور المحوري الذي اضطلعت به اللغة الأمازيغية في مناهج التدريس في تاريخ التعليم بالمغرب.

إن اختزال موضوع اللغة الأمازيغية وحصرها في خندق الإيديولوجيات الضيقة باسم مفهوم “البربرية”، الذي روجت له سرديات الحركة الوطنية في ثلاثينات القرن الماضي، لا يعكس موقفا علميا بقدر ما يكشف انحرافا منهجيا يفقد من خلاله الباحث الأكاديمي بوصلته العلمية، ويعطل قدرته على فهم الشروط السياسية والثقافية والاجتماعية لتشكل الدولة والسلطة في تاريخ المغرب،فالمقاربة العلمية لتاريخ اللغة الأمازيغية بالمغرب في حاجة إلى إعادة قراءة معمقة تبرز أدوارها التاريخية في تشكل المغرب الإمبراطوري زمن العصبيات الصنهاجية والمصمودية الأمازيغية، باعتباره حدثا تاريخيا استثنائيا يتعين الوقوف عنده بعيدا عن التأويلات الإيديولوجية التي تفرغ البحث التاريخي من صبغته الأكاديمية.

محمد أبيهي،أستاذ التاريخ المعاصر والراهن،جامعة محمد الخامس،الرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *