الهاكا توقع ميلاد أول وثيقة انتخابية رسمية بالأمازيغية
فمنذ إقرار دستور 2011 للطابع الرسمي للأمازيغية، انصب النقاش أساساً على تدريسها، وإدماجها في الإعلام والإدارة والفضاء العمومي. إلا أن إصدار قرار تنظيمي يتعلق بالانتخابات، مرفقاً بدليل عملي يشرح كيفية تنزيله بالأمازيغية، ينقل هذه اللغة إلى مستوى جديد، إذ لم تعد مجرد لغة للتواصل مع المواطن، بل أصبحت لغة لإنتاج القاعدة التنظيمية وتأطير الممارسة الديمقراطية
وتكمن أهمية هذه المبادرة، أولاً، في بعدها الدستوري، لأنها تجسد مقتضيات الفصل الخامس من الدستور، الذي لا يقتصر على الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية، بل يلزم المؤسسات العمومية باتخاذ التدابير الكفيلة بتفعيل رسميتها في مختلف مجالات الحياة العامة. وعندما تصدر وثيقة تنظيمية وأداة مرجعية لتطبيقها بالأمازيغية، فإن ذلك يعني أن هذه اللغة أصبحت تؤدي إحدى أهم وظائفها داخل الدولة، وهي التعبير عن القاعدة القانونية والإدارية، وليس الاكتفاء بترجمة مضامينها بعد صدورها
كما تكتسي المبادرة قيمة قانونية وإدارية بالغة، لأن الدليل العملي ليس مجرد وثيقة تفسيرية، بل هو المرجع الذي يحتكم إليه المهنيون والفاعلون السياسيون والإعلاميون لفهم القرار وتطبيق مقتضياته. وإتاحته بالأمازيغية يضمن ولوج الناطقين بها إلى النص التنظيمي بلغتهم الرسمية، دون الحاجة إلى وسيط لغوي، وهو ما يعزز الأمن اللغوي واليقين القانوني، ويكرس مبدأ المساواة في الولوج إلى المعلومة العمومية.
غير أن القيمة الأبرز لهذه الخطوة تتجلى في بعدها التواصلي والديمقراطي. فالانتخابات ليست مجرد عملية اقتراع، وإنما هي فضاء للتنافس السياسي ولتدبير التعددية داخل وسائل الإعلام. وعندما تصدر القواعد المنظمة لهذا الفضاء بالأمازيغية، فإنها تقرب فئات واسعة من المواطنات والمواطنين الناطقين بهذه اللغة من آليات تدبير التعددية السياسية والإعلامية، وتمكنهم من فهم حقوق وواجبات مختلف الفاعلين، واستيعاب الضوابط المؤطرة للحملات الانتخابية والتغطية الإعلامية بلغتهم الرسمية. وبذلك لا تصبح الأمازيغية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل قناة لإنتاج المعرفة القانونية والتنظيمية، ووسيلة لتعزيز المشاركة الواعية في الحياة الديمقراطية..
كما تحمل هذه المبادرة دلالة مؤسساتية لا تقل أهمية، إذ تؤكد أن الهاكا لا تكتفي بالسهر على احترام التعددية السياسية داخل وسائل الإعلام، وإنما تقدم نموذجاً عملياً في تفعيل هذا المبدأ داخل إنتاجها التنظيمي ذاته. فالمؤسسة التي تسهر على احترام التنوع اللغوي والثقافي وتضبط التعددية السياسية أصبحت تمارس هذا التنوع في وثائقها المرجعية، وهو ما يعزز مصداقية خطابها، ويمنح مضمون قراراتها بعداً دستورياً ومؤسساتياً أكثر انسجاماً.
ومن زاوية رمزية، يصعب التقليل من أهمية هذه السابقة. فمنذ الاستقلال، صدرت آلاف النصوص القانونية والتنظيمية والدوريات والأدلة الإدارية باللغتين العربية والفرنسية، بينما ظلت الأمازيغية، رغم دستوريتها، بعيدة عن هذا المجال، أما اليوم، فإن صدور قرار يتعلق بأحد أهم الاستحقاقات الديمقراطية في البلاد، مرفقاً بدليل عملي بالأمازيغية، يؤسس لاجتهاد مؤسساتي جديد يمكن أن يشكل مرجعاً لباقي المؤسسات الدستورية والهيئات العمومية
إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن فقط في كونها الأولى من نوعها، بل في كونها تؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ممارسة مؤسساتية يومية، لا مجرد إعلان دستوري. فحين تصبح الأمازيغية لغة لتنظيم الانتخابات، وتأطير الإعلام، وتفسير القواعد القانونية، فإنها تكون قد انتقلت من موقع اللغة التي تتحدث عن السياسة، إلى لغة تشارك في تدبير السياسة العمومية نفسها. وذلك هو المعنى العميق للرسمية، وذلك هو الأفق الذي ينبغي أن تتجه إليه باقي مؤسسات الدولة، حتى تصبح الثنائية اللغوية المحصنة دستوريا جزءاً طبيعياً من إنتاج القرار العمومي، ومن بناء ديمقراطية أكثر شمولاً وإنصافاً لجميع مكونات المجتمع.





