أخبار عاجلة

ثلاثية “العيب، الحشومة، والعرف” في الثقافة الأمازيغية: مقاربة سوسيولوجية لظاهرة “بيلماون”

تشكل مفاهيم العيب، الحشومة، والعرف (أزرف) بوصلة الضبط الاجتماعي الأساسية في الثقافة الأمازيغية والمغربية عموماً. غير أن هذه المفاهيم ليست قوانين جامدة، بل تتسم بمرونة ودينامية تظهر جلياً في الطقوس الاحتفالية والشعبية. يُعد كرنفال “بيلماون”(أو بوجلود) النموذج الأمثل والمختبر الاجتماعي الأبرز لفهم كيف يتلاعب المجتمع بهذه الثلاثية، حيث تُلغى قواعد وتُفرض أخرى في مساحة زمنية ومكانية استثنائية.

1. العرف (أزرف): المؤسسة الحاضنة والموجهة

العرف في الثقافة الأمازيغية يتجاوز كونه مجرد عادات متوارثة؛ إنه “قانون غير مكتوب” ينظم حياة الجماعة ويضمن تماسكها. في سياق بيلماون، يتدخل العرف كإطار تنظيمي يمنع تحول الاحتفال إلى فوضى عارمة:

منح الشرعية المؤقتة:

يمنح العرف لشباب المنطقة شرعية ارتداء الجلود والتنكر، ويعتبر ذلك جزءاً من الاحتفاء الجماعي والمقبول، مما يسقط صفة “الانحراف” عن هذا السلوك مؤقتاً.

التوجيه التضامني (تيويزي):

يُلزم العرف المارة والأهالي بتقديم مساهمات (مالية أو عينية) لشخصيات بيلماون. هذه المداخيل لا تُصرف في العبث في التقاليد الأصيلة، بل يوجهها العرف لتمويل مشاريع جماعية للمدشر أو القرية (كإصلاح مرفق عام أو مساعدة المحتاجين)، مما يضفي غاية نبيلة وقيمة اجتماعية عليا على الطقس.

2. “الحشومة” و”العيب”: مساحة التمرد المقنن والبوح السيكولوجي

في الأيام العادية، يحكم مفهوم “الحشومة” (الخجل وتوقير الكبير) و”العيب” (الفعل المستهجن الذي يمس شرف الفرد أو العائلة) سلوك الأفراد بصرامة. لكن بيلماون يخلق حالة من “الاستثناء الكرنفالي”:

.سقوط الأقنعة الاجتماعية بارتداء القناع التنكري:

يمنح التنكر بجلود الأضاحي حماية سيكولوجية ومساحة من المجهولية (Anonymity). تحت هذا القناع، تسقط حدود “الحشومة”، ويصبح مسموحاً القيام بحركات استعراضية، إخافة الناس، وارتداء ملابس لا تتوافق مع المعايير اليومي قلب التراتبية الاجتماعية: يسمح بيلماون بانتقاد الأعيان أو السخرية من الشخصيات ذات النفوذ عبر الأهازيج المرافقة. هذا الفعل الذي يُصنف كـ “عيب” قاطع في الأيام العادية، يُصبح مقبولاً خلال أيام الكرنفال، لأنه يعمل كصمام أمان مجتمعي لتفريغ المكبوتات والتوترات، وإعادة التوازن النفسي والاجتماعي لأفراد الجماعة.

3. الوساطة الثقافية والتأطير التربوي للظاهرة

يتطلب الفهم العميق لهذا الطقس تفكيكاً يتجاوز النظرة السطحية التي تضعه في خانة “الفوضى”، وهو ما يبرز أهمية الوساطة الثقافية في نقل هذا الموروث للناشئة:

التمييز بين الأصيل والدخيل:

من الضروري التمييز التربوي بين الطقس في أصالته التي يحكمها “العرف” التضامني النبيل، وبين الممارسات المشوهة في بعض التجمعات الحضرية اليوم، والتي قد تتجاوز خط “العيب” إلى مستوى الاعتداء، وهو ما يرفضه العرف الأمازيغي رفضاً قاطعاً.

تفكيك الرمزية:

شرح الظاهرة للأجيال الصاعدة ليس دعوة لممارسة العنف، بل هو فرصة لفهم كيف استطاع الأجداد بناء آليات لتخفيف الضغط المجتمعي بطريقة فنية ومسرحية، مما يعزز الفهم النقدي للهوية.

إن “بيلماون” باختصار هو مسرح مفتوح يعرض فيه المجتمع طاقاته الكامنة، حيث يُوظف العرف لتعطيل الحشومة والعيب بشكل استثنائي ومدروس، للحفاظ على حيوية وتوازن الجماعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *