سواحل ماسة والقصف الفرنسي

بقلم: الحسين بوالزيت - صحفي وباحث في التاريخ
بقلم: الحسين بوالزيت – صحفي وباحث في التاريخ

كرونيك تاريخي:

عندما قامت البوارج الحربية الفرنسية بقصف سواحل ماسة (في وسط المغرب) حدث ذلك في سنة 1912، وذلك ضمن محاولات فرنسا لبسط سيطرتها على المنطقة خلال فترة التوسع الاستعماري، والتي انتهت بفرض الحماية الفرنسية على المغرب في نفس السنة. ولكن يظل السؤال المطروح، لماذا اختارت فرنسا قصف منطقة ماسة من البحر؟ وهل هناك علاقة لهذا القصف بتحركات أحمد الهيبة؟ وما هو موقف وجهاء قبيلة ماسة من حركة أحمد الهيبة؟ ولماذا لم يبايع اهل ماسة أحمد الهيبة في تيزنيت؟ وكيف حاول الانتقام من أهل ماسة بعد عودته من مراكش منهزما؟ وكيف حاول قائد الرحى الناجم الاخصاصي تنيه عن ذلك؟

للجواب على سؤال علاقة القصف الفرنسي الذي استهدف قبيلة ماسة من البحر، نقول، نعم، كانت هناك علاقة بين القصف الفرنسي لسواحل ماسة سنة 1912 وتحركات المقاومة السوسية الصحراوية بقيادة أحمد الهيبة.

ففي تلك الفترة، كانت فرنسا تسعى إلى فرض سيطرتها الكاملة على المغرب بعد توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912. لكن مناطق الجنوب، وخاصة سوس والصحراء، لم تكن خاضعة بالكامل للنفوذ الفرنسي، وبرزت فيها حركة المقاومة بقيادة أحمد الهيبة ابن ماء العينين، الذي ناهض الاحتلال وحشد القبائل الصحراوية والأمازيغية لمقاومته.

 اجمالا يمكن ان نقول ان علاقة القصف البحري الفرنسي وعلاقته بتحركات أحمد الهيبة يتمحور حول النقط التالية:

  • أحمد الهيبة دخل مراكش في غشت 1912 وأعلن نفسه سلطانًا للجهاد، مما شكل تهديدًا مباشرًا لفرنسا.
  • في شهر شتنبر 1912، وقعت معركة سيدي بوعثمان بين قوات أحمد الهيبة والجيش الفرنسي بقيادة الجنرال شارل مانجان والذي سبق وان اشتغل في البحرية الفرنسية، وانتهت بهزيمة المقاومة بسبب تفوق الفرنسيين في العتاد العسكري.
  • القصف الفرنسي لسواحل ماسة جاء ضمن استراتيجية فرنسية لمحاصرة مقاومة الجنوب، إذ كانت المنطقة إحدى نقاط الدعم والإمداد للمجاهدين.

يبدو إذن، ان القصف كان جزءًا من حملة عسكرية أوسع استهدفت إخماد مقاومة أحمد الهيبة وإخضاع الجنوب المغربي للسيطرة الفرنسية. وفي هذا الصدد تبدوا أهمية شهادة الكابتان دولابوازير الذي ألف مونوغرافية حول قبيلة ماسة وكان من بين الضباط الذين شاركوا في المعارك ضد المقاومة في سوس، فالكابتن دولابوازير (Capitaine de LaBoissière) ذكر في تقاريره العسكرية بعض التفاصيل حول العمليات العسكرية الفرنسية في جنوب المغرب، بما في ذلك القصف الذي استهدف سواحل ماسة وأكَلو سنة 1912.

ماذا قال دولابوازير عن القصف؟

دولابوازير كما اسلفت القول كان من بين الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملات العسكرية ضد المقاومة في الجنوب المغربي. وفي تقاريره، أشار إلى أن القصف البحري لسواحل ماسة كان جزءًا من استراتيجية عسكرية لشل تحركات المقاومة في المنطقة، وإضعاف القبائل الداعمة لأحمد الهيبة، الذي كان يمثل تهديدًا للوجود الفرنسي بعد دخوله مراكش وخروجه منها منهزما.

أهداف القصف حسب دولابوازير:

  1. ضرب معاقل المقاومة وقطع طرق الإمداد.
  2. إرهاب القبائل المحلية لإجبارها على الخضوع للسلطة الفرنسية.
  3. تأمين السيطرة على السواحل لمنع أي دعم محتمل للمجاهدين من الخارج.

أهمية شهادته:

رغم أن تقاريره تعكس وجهة النظر الاستعمارية، فإنها توفر معلومات دقيقة حول تفاصيل التحركات العسكرية الفرنسية، بما في ذلك القصف البحري لعدد من المناطق، ومنها ماسة، في سياق قمع مقاومة الجنوب المغربي كما تندرج أهمية تقاريره في قدرتها على إعطاء صورة شاملة على الحياة الاجتماعية والسياسية للقبائل الامازيغية قبيل الاستعمار والتدخل الفرنسي. كما تمكننا شهادته من التعرف عن قرب على موقف وجهاء بعض القبائل السوسية ومنها وجهاء قبيلة ماسة ممن رفضوا مقبايعة احمد الهيبة على غرار مجموع قبائل سوس. واذا اخدنا بعين الاعتبار ما تشير اليه الوثائق المحلية وقمنا بمقارنة مضامينها مع مضامين بعض الوثائق الموجودة في الأرشيف الفرنسي،(مركز أرشيف نانت، شاطو دي فانسان) سيتبين لنا ان فرنسا لجأت الى قصف قبيلة ماسة انطلاقا من البحر، لمعرفتها الجيدة  والدقيقة لمكامن القوة والضعف العسكرية في القبائل السوسية ومنها قبيلة ماسة، المتمرسة في الحروب التي تعتمد على الكمائن، وحروب المباغتة ودقة استعمال المجال في الحروب. ولذلك يوصف اهل ماسة بان بأسهم شديد في الحروب، خبرت اكتسبتها القبيلة منذ الغزو العربي لشمال افريقيا، مرورا بالمعرك الطاحنة ضد المرابطين والموحدين، والمرينيين الذين سخروا الوفود الهلالية ضد القبيلة، ووصولا الى المعارك ضد البرتغاليين، أيام السعديين. كل هذ العناصر إضافة الى تطورات الأوضاع في سوس في القرن الثامن عشر، حتمت على فرنسا قصف قبيلة ماست من البحر، قصف اطلق عليه اهل القبيلة “لانفاض” ويقصد بها القنابل القوية التي كانت تطلق من فوهات مدافع السفن الحربية الفرنسية. بعد رجوع احمد الهيبة منهزما من سيدي بوعثمان حاول اخضاع قبيلة ماسة مرة أخرى، رغم معارضة القائد الناجم الاخصاص لذلك، ولكن رغم ذلك إصرار مربيه ربه بإيعاز من احمد الهيبة على تأديب القبيلة جراء موقفها السابق أدى الى وقوع المواجهة بين الطرفين، ولكن-الهيبة- تلقى هزيمة كبيرة على يد فرسان القبيلة المتمرسين. وبالنسبة لسبب عدم دخول اهل ماست في حركة الهيبة فنستشف من بعض النتف المجودة في المصادر ان مرد ذلك الى عشوائية الحركة وتنظيمها الهش وقيادتها الضعيفة، وهذا ما تأكده بعض الفلتات الموجودة في الرواية الشفوية التي تصف الحركة بحركة الأعراب بمفهومها الخلدوني المعروف.

اقرأ أيضا

مكانة الترجمة من وإلى الأمازيغية ودورها في تعزيز الهوية الثقافية المغربية

تعد الترجمة من وإلى اللغة الأمازيغية أداة أساسية للحفاظ على الإرث الهوياتي والثقافي الأمازيغي ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *