أخبار عاجلة

صرخة العدد 296 شتنبر 2025/2975

اختتم المغرب صيفًا استثنائيًا على إيقاع المهرجانات الفنية والثقافية التي جابت مختلف جهاته، فكان الوطن فضاءً للفرح والاحتفاء بتنوعه وإبداع أبنائه وبناته. وكانت هذه المواعيد الكبرى فرصة لإبراز الصورة الحضارية للمملكة أمام الداخل والخارج، ومناسبة أكدت أن المغرب، بفضل غناه الثقافي وتعدد مكوناته، قادر على جعل الثقافة رافعة للتنمية، ووسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية. ومع بداية الدخولين السياسي والدراسي، لا يبدو هذا الزخم الثقافي حدثًا معزولًا، بل هو جزء من دينامية أشمل يعيشها المغرب. فكما جسّدت المهرجانات التعدد الثقافي، فإن المدرسة والسياسة مطالبتان بترجمة هذا التعدد إلى سياسات واقعية تجعل من الثقافة والتعليم جناحين متلازمين لمشروع تنموي متكامل.

في هذا السياق، تبرز الأمازيغية كعنصر مركزي في المعادلة، فقد كانت حاضرة بقوة في المهرجانات الصيفية بأغانيها وأهازيجها وشعرها ورموزها الفنية، وهو حضور يعكس حيوية هذه الحضارة وأصالتها. واليوم، ومع استقبال عام دراسي جديد، ندرك أن الأمازيغية لم تعد لغة احتفالات فقط، بل أصبحت أيضًا جزءًا من الفضاء التربوي، عبر جهود متواصلة لتوسيع تعليمها وتعميمها تدريجيًا في المدارس. وقد أحرز المغرب خطوات مهمة في هذا المجال، من خلال تكوين الأطر التربوية، وتطوير المناهج، وإبرام اتفاقيات بين مؤسسات الدولة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. صحيح أن الطريق ما يزال طويلًا، لكن المؤكد أن هناك اجتهادات وإرادة عملية لتوسيع حضور الأمازيغية في المدرسة والإدارة والإعلام والقضاء والتشريع وكل مناحي الحياة العامة.

ويكتسي الاسترشاد بخطب جلالة الملك محمد السادس أهمية خاصة في هذا المسار. فقد دعا جلالته غير ما مرة إلى أن يسير المغرب بسرعة واحدة، في إشارة إلى ضرورة تحقيق المساواة في التنمية بين المدن والعالم القروي، حتى لا تبقى جهة متقدمة وأخرى متأخرة. ويمكن إسقاط هذا التوجيه الملكي على القضية اللغوية أيضًا، بحيث ينبغي أن تسير العربية والأمازيغية بالسرعة نفسها، لا بسرعة كبيرة لفائدة العربية وبطيئة لصالح الأمازيغية، بل بخطوات متوازية تجعل من المساواة اللغوية واقعًا ملموسًا في المدرسة والإدارة والإعلام وكل فضاءات الحياة العامة. فكما لا يمكن للمغرب أن ينهض بنصف مجاله الجغرافي فقط، لا يمكن له أن يبني مستقبله بنصف لغته وهويته.

ومن هذا المنطلق فإن الدخول الدراسي والسياسي لهذا العام يمثل فرصة لترجمة هذه الرؤية الملكية على أرض الواقع. فالتلميذ والتلميذة المغربيان، سواء كانا يتحدثان العربية أو الأمازيغية أو كليهما، فهما يستحقان أن يجدا في مدرستهما فضاءً يعكس هويتهما المتعددة، ويمنحهما الأدوات اللازمة ليكونا مواطنين واثقين من نفسيهما، قادرين على الانفتاح والمشاركة في بناء مستقبل بلادهما.

وإذا كانت السياسة وسيلة لسن القوانين ورسم السياسات العمومية، فإن الثقافة والتعليم هما المجالان اللذان يمنحان لهذه السياسات روحها الحقيقية. فالمهرجانات التي عرفها الصيف دليل على أن المغرب قادر على صناعة الإبداع، والمدرسة مطالبة بأن تحسن استثمار هذا الرصيد وتحصنه، لتنشئة جيل يعتبر الأمازيغية والعربية معًا أساس هويته، ويرى في اللغات الأجنبية نافذة على العالم.

نحن إذن أمام مرحلة جديدة تتطلب المزيد من الجهد والعمل. فالمغرب الذي نجح في تنظيم صيف حافل بالثقافة والاحتفالات، ويستعد لاحتضان كأس إفريقيا ثم كأس العالم، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إنجاح موسم دراسي وسياسي يُسهم في تعميم الإنصاف اللغوي، وترسيخ المساواة الفعلية بين جميع مكونات هويته.

وقديما قال الحكيم الامازيغي:

ⴰⴷⴷⴰⵢ ⴰⴽⴽ ⵜⵜⵏⵖⵍ, ⵙⵎⵓⵏ ⴰⵢⵏⵏⴰ ⵎⵉ ⵜⵖⵉⵜ
Adday akk ttnghlsmun aynna mi tghit

وما معناه باللغة العربية: “ما لا يدرك كله لا يترك جله”

صرخة العدد 296 شتنبر 2025/2975– جريدة العالم الأمازيغي

اقرأ أيضا

أمينة ابن الشيخ

صرخة العدد 302 مارس 2026/2976

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، الذي يصادف الثامن من مارس من كل سنة، بادر المعهد الملكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *