إن الإحتفاء باليوم العالمي لشجرة الأركان يتجاوز كونه إحتفال بمورد طبيعي فريد، ليصبح يوما لإستحضار دلالتها الوطنية والثقافية البالغة الرمزية. فهذه الشجرة التي تمد جذورها في عميق التربة الصلبة والقاحلة، هي تجسيد لفلسفة حياة تؤمن بالانسجام مع الطبيعة لا الهيمنة والسيطرة عليها. من هذا المنطلق لم يكن إعتراف اليونسكو بمنطقة الأركان كمحمية للمحيط الحيوي مجرد إجراء تقني، بل كان إنحناء دولي أمام حكمة بليغة راكمها الإنسان الأمازيغي عبر العصور، وصاغ منها التوازن البييئ لحفظ خصوصية بلاد تامزغا التاريخية.
بيد أن هذه الرمزية المشرقة تصطدم اليوم بواقع معقد يفرضه منطق العولمة، وهو ما يستدعي قراءة نقدية تستحضر تجارب إنسانية مماثلة. فما حدث لنبتة الكينو في جبال الأنديز، حين تحولت من هبة شعب الأنكا وطعام الفقراء إلى سلعة باهظة للرفاهية الغربية، يكاد يتكرر اليوم مع زيت الأركان. إن هذا الجنون العالمي الذي تتسابق عليه مركز مستحضرات التجميل وما لهذا السائل السحري المغربي من فوائد صحية كذلك، أمر يطرح معه تحديات وجودية فبينما يروج العالم لهذا المنتج كأيقونة غدائية وصحية ، يجد المواطن في مناطق سوس والصويرة نفسه محروم من مادة كانت ركيزة يومية في بيته. لقد أصبح التحدي الحقيقي يكمن في كيفية حماية هذه الشجرة من الاستنزاف الرمزي والمادي، ومنع تحويلها إلى مجرد رقم تجاري جاف يفرغها من حمولتها الهوياتية.
وعلى الرغم من المجهودات الوطنية المبذولة، سواء في مجال البحث العلمي الذي يقوده المعهد الوطني للزراعة والبيطرة لإعادة توطين الشجرة، أو تشجيع النسيج التعاوني، إلا أن المشهد لا يخلو من شروخ. فالتوسع العمراني والبنية التحتية والإستثمارات السياحية قد التهمت مساحات من غابات الأركان، كما أن النظام التعاوني الحالي يضعنا أمام مفارقة أخلاقية، حيث تظل المرأة الأمازيغية و التي تحول النواة إلى ذهب بيديها المتعبة، هي الحلقة الأضعف في سلسلة الأرباح التي يقتنصها المستثمرون والشركات الكبرى.
إن مستقبل الأركان يتطلب العودة بها إلى حضن القضية الثقافية قبل المورد الاقتصادي. فالأركان هي شجرة الحياة التي تهمس بلغة الأم، وتروي حكايات الصمود في وجه الزمن. وحماية هذا الإرث تبدأ من إنصاف النساء المرابطات في التعاونيات، وضمان حقهن في الأرض وفي المنتوج ، لكي لا يظل زيت الأركان مجرد سلعة فاخرة تصدر إلى الخارج بينما تذوي رائحة تزنين(نواة حبة الأركان) المقلي على نار هادئة في أزقتنا القديمة والتي لا زالت تحفظها ذاكرتنا الحية.
ختاما، الإحتفاء بالأركان هو إحتفاء بجوهر الشخصية المغربية المتجذرة والمقاومة، وهي دعوة للوفاء للأصل لكي تبقى هذه الشجرة عنوان للسيادة الثقافية الأمازيغية والجمال النابع من بساطة الطبيعة وصمام أمان لهوية لا تموت وذاكرة لا تندثر، في وطن نسج من أغصانها روحا تأبى الإنحناء مهما إشتدت العواصف والرياح.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
