
هذه المفارقة ليست بسيطة ولا عابرة. إنها تعكس توترًا عميقًا بين ما نعرفه علميًا وما نعيشه يوميًا. فالتاريخ الذي تم تزويره أو اختزاله لقرون، باسم الإيديولوجيا أو الهيمنة الثقافية، بدأت اليوم العلوم الحديثة في تصحيحه. الأركيولوجيا كشفت عن بقايا بشرية ونقوش وآثار تؤكد أن هذا المجال كان مأهولًا ومنظمًا منذ مئات الآلاف من السنين. والطوبونيميا، من خلال أسماء الجبال والأنهار والقرى والمدن، ما تزال تحتفظ بذاكرة المكان الأصلية، رغم كل محاولات الطمس والتعريب القسري أو التأويل السياسي.
ومع ذلك، حين ننتقل من المختبرات والكتب إلى الشارع والشاشة، نُصدم بسلوك لغوي وثقافي مرتبك. في المدرجات، في الاحتفالات، في التغطيات الإعلامية، نرى مغاربة يتحدثون بلهجات مستعارة، يرفعون شعارات ليست من معجمهم اليومي، ويبدون حرجًا من استعمال الدارجة أو الأمازيغية، وكأن الاعتزاز بالذات أصبح تهمة، أو كأن الانتماء لا يكتمل إلا بتقمص لغة الآخر ونبرته.
الأخطر في هذا السلوك أنه لا يصدر عن جهل بسيط، بل عن تراكم طويل من التنشئة على دونية الذات. لقد قيل للمغاربة، لسنوات طويلة، إن لغتهم غير راقية، وإن تاريخهم يبدأ من لحظة محددة وينتهي عند حدود مرسومة سلفًا. واليوم، رغم أن العلم يفكك هذه السرديات ويكشف زيفها، ما يزال الوعي الجماعي أسير صور نمطية قديمة، يعيد إنتاجها الإعلام، والمدرسة، وأحيانًا حتى الخطاب الديني والسياسي.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا إذا استحضرنا دلالة حلول السنة الأمازيغية 2976، وهو رقم زمني يظل، في حد ذاته، قليلًا وصغيرًا إذا ما قورن بما توصلت إليه الأبحاث الأركيولوجية الحديثة. فهذه الأبحاث تؤكد أن الوجود البشري بالمغرب يعود إلى مئات الآلاف من السنين، كما هو الحال مع إنسان إيغود الذي قُدِّر عمره بحوالي 300 ألف سنة، وإنسان طوما بمنطقة الدار البيضاء الذي يعود تاريخه إلى ما يقارب 700 ألف سنة. هذه المعطيات العلمية تجعل من الاحتفال بينّاير ليس مجرد إحياء لتقويم فلاحي أو تاريخي رمزي، بل لحظة وعي بتاريخ إنساني عميق يتجاوز بكثير كل التقاويم المحدودة.
في مناسبة مثل كأس إفريقيا، التي يفترض أن تكون لحظة فرح واعتزاز وظهور للذات الوطنية، تتحول المفارقة إلى مشهد فاضح. نحتفل، نعم، لكن بلسان غيرنا. نشجع، لكن بخطاب مستورد. نغني، لكن بأصوات لا تشبهنا. في حين أن الدارجة المغربية، والأمازيغية بتعبيراتها المختلفة، قادرتان على التعبير عن الحماس، والفرح، والغضب، والانتماء، دون حاجة إلى استعارة أي قناع لغوي.
إن تصحيح التاريخ الذي تقوم به الأركيولوجيا والطوبونيميا اليوم، يجب أن يواكبه تصحيح في الوعي والسلوك. فالمعرفة العلمية، مهما بلغت دقتها، تبقى ناقصة إن لم تتحول إلى ثقة في الذات. والاعتراف بالتاريخ العميق للمغرب لا يكتمل فقط في الندوات والكتب، بل حين يظهر في لغتنا اليومية، في اختياراتنا الرمزية، وفي الطريقة التي نقدم بها أنفسنا للعالم.
لسنا ضد الانفتاح، ولا ضد تعلم لغات الآخرين، فذلك مصدر غنى وقوة. لكن الانفتاح الحقيقي لا يكون على حساب الذات، ولا عبر إنكار اللغة الأصلية أو تحقيرها. الهوية الواثقة هي التي تنفتح وهي واقفة، لا منحنية. والمغرب، بتاريخِه العميق، وتعدده اللغوي، وثرائه الثقافي، لا يحتاج إلى تقليد أحد كي يكون حاضرًا.
إن المفارقة التي نعيشها اليوم هي دعوة صريحة إلى مراجعة علاقتنا بأنفسنا. فإما أن نُحوّل ما تكشفه العلوم من حقائق إلى قوة رمزية وسلوكية، أو نواصل العيش بانفصام مؤلم بين ما نعرفه وما نمارسه. وفي هذا الاختيار، يتحدد شكل المغرب الذي نريده لأنفسنا ولأجيالنا.
وقديما قال الحكيم الأمازيغي:
ⵡⴰⵏⵏⴰ ⵉⵍⵙⴰⵏ ⴰⵇⵛⵛⴰⴱ ⵏ ⵢⴰⵏ ⵉⵄⵔⴰ ⵏⵉⵜ
Wanna ilsan aqccab n yan i3ra nit
بمعنى: للي مكسي بحوايج الناس عريان
صرخة العدد 300 يناير 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر