في باكورة أعمالهما السينمائية المشتركة، يقدم المخرجان محمد النضراني ومليكة المنوك وثيقة بصرية استثنائية تحمل عنوان “على طرق الفوسفاط”. الفيلم ليس مجرد سرد تاريخي جاف، بل هو عمل فني بامتياز استطاع بذكاء لافت أن يمزج بين التوثيق الأكاديمي والحكي الدرامي، مستنداً إلى مونتاج محكم يربط الشهادات الحية بتسلسل الوقائع، وترافقه موسيقى راقية وتصوير احترافي يخرج بالمشاهد من رتابة الوثائقي التقليدي.
الجدلية الأولى: الاستعمار والثروة
يغوص الفيلم في عمق التاريخ المغربي بداية القرن الماضي، ليسلط الضوء على العلاقة الجدلية بين دخول الاستعمار الفرنسي واكتشاف الفوسفاط في “دوار عبدون”. يبرز الشريط كيف تحولت هذه الأرض من فضاء قروي بسيط إلى منبع لثروة هائلة، لم تكن مجرد أرباح مالية تتدفق في خزائن المستعمر، بل تحولت إلى ورقة سياسية رابحة استخدمتها فرنسا في مفاوضاتها مع القوى الإمبريالية الغربية آنذاك.
خريبكة.. مختبر “ليوطي” والفرز الطبقي
من رحم هذا الاكتشاف، ولدت مدينة “خريبكة”، التي يصفها العمل بالقلب الاقتصادي النابض لنظام الحماية. وهنا تظهر عبقرية “الجنرال ليوطي”، بصفته المهندس الحقيقي لدولة “المخزن الحديثة”. لكن هذا التحديث كان له ثمن باهظ؛ فقد تطلب الأمر تفكيك النظام الاجتماعي للقبائل وتجريد الفلاحين من أراضيهم لتحويلهم إلى “بروليتاريا” أو طبقة عاملة مسحوقة.
لم يغفل المخرجان الإشارة إلى الهندسة العمرانية للمدينة، التي جسدت “أبارتهايد” اقتصادي بامتياز؛ حيث شُيدت أحياء برجوازية فخمة للأوروبيين والفرنسيين، يقابلها سكن عمالي مخصص للمغاربة الوافدين من كل فج عميق، مما خلق هوية بصرية واجتماعية هجينة طبعت مستقبل المدينة.
ميلاد الوعي.. من المناجم إلى العمل السياسي
القيمة المضافة لهذا الفيلم تكمن في رصده لنشوء الوعي النقابي والسياسي. فمن قلب المعاناة داخل المناجم، ولدت حركة نضالية مزدوجة: مناهضة للاستغلال الرأسمالي الفرنسي ومقاومة للوجود الاستعماري في آن واحد. لقد كان الفوسفاط، وما رافقه من تجميع للعمال، هو الشرارة التي ساهمت في تشكيل ملامح الحركة الوطنية والمفاوضات من أجل الاستقلال.
إن فيلم “على طرق الفوسفاط” لمحمد النضراني ومليكة المنوك هو دعوة لإعادة قراءة تاريخنا الاقتصادي والاجتماعي بعيون فنية. إنه تكريم لتلك الطبقة العاملة التي صُهرت في أتون المناجم لتبني مغرباً حديثاً، وتذكير بأن المدن المنجمية مثل خريبكة لم تكن مجرد حقول للإنتاج، بل كانت مختبرات حقيقية لصناعة الوعي السياسي المغربي.
عن مادة للأستاذ: حسن سايب
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر

