
تكشف قراءة في كتاب نْيُوتَمَغْرِبِيتْ لسعيد بنيس عن محاولة سوسيولوجية عميقة لرصد التحولات البنيوية التي يعرفها المجتمع المغربي في ظل الثورة الرقمية، ليس فقط باعتبارها تحولا تقنيا مرتبطا بوسائل الاتصال الحديثة، وإنما باعتبارها تحولا يمس أنماط الوعي والتمثل والقيم وأشكال الانخراط داخل الفضاء العمومي.
فالكاتب لا يتعامل مع الرقمنة بوصفها مجرد أدوات للتواصل، بل باعتبارها نسقا اجتماعيا جديدا يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وأنماط السلطة وإنتاج الحقيقة، بل ويعيد تعريف مفهوم المواطنة ذاته. ينطلق سعيد بنيس من فكرة مركزية مفادها أن المجتمع المغربي يعيش انتقالا تدريجيا من مواطنة واقعية مرتبطة بالمؤسسات التقليدية والفضاءات المادية إلى مواطنة افتراضية تتشكل داخل الفضاءات الرقمية، حيث أصبح الفرد يعيش نوعا من الازدواجية بين وجوده الواقعي ووجوده الرقمي.
وقد أفرز هذا التحول ـ حسب الكاتب ـ فاعلين جددا لا يتحركون وفق منطق التنظيمات الكلاسيكية كالأحزاب والنقابات والجمعيات، وإنما وفق منطق “الأسراب الرقمية” التي تشتغل بشكل أفقي وسريع ومتحول ودون قيادة واضحة، في تعبير سوسيولوجي عن تراجع الوسائط التقليدية وصعود أشكال جديدة من التعبئة والتأثير داخل المجتمع. وفي هذا السياق يحاول الكاتب رصد ما يمكن تسميته بـ”المصفوفة القيمية الجديدة” داخل المجتمع المغربي. فمن جهة أولى، ما تزال بعض القيم التقليدية حاضرة داخل الوعي الجماعي المغربي، مثل التضامن الاجتماعي، والكرم، والحشومة، والحياء، والتكافل، وهي قيم تشكل امتدادا للبنية الثقافية المغربية القائمة على الروابط الاجتماعية والحميمية الجماعية.
فالحقيقة نفسها لم تعد تُنتج داخل المؤسسات التقليدية للمعرفة، بل أصبحت تُصنع داخل الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى درجة أن “الحقيقة المتداولة” صارت ـ كما يشير الكاتب ـ حقيقة مفوضة للذكاء الاصطناعي وآليات الانتشار الرقمي. وهنا يطرح النص سؤالا سوسيولوجيا عميقا: هل ما نراه داخل الفضاء الافتراضي يعكس حقيقة المجتمع المغربي أم أنه مجرد صورة مضخمة ومشوهة لبعض تمظهراته؟ لا شك أن الفضاء الرقمي أصبح اليوم مرآة جزئية للمجتمع المغربي، لكنه ليس مرآة مطابقة له بشكل كامل، لأن العالم الافتراضي يقوم على منطق السرعة والانفعال والاختزال، بينما العالم الواقعي أكثر تعقيدا وتركيبا.
لذلك فإن قراءة المجتمع المغربي فقط من خلال “الفايسبوك” أو “إكس” أو “الأنستغرام” قد تقود إلى استنتاجات متسرعة، لأن الفضاء الرقمي يمنح الصوت الأعلى للأكثر إثارة لا للأكثر تمثيلية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا الفضاء أصبح ينتج رأيا عاما جديدا ويؤثر بشكل مباشر في السلوك السياسي والثقافي والاجتماعي للأفراد. ومن أبرز مظاهر هذا التحول ظهور لغة رقمية جديدة تعكس تشكل هوية ديجيتالية مغربية خاصة، قائمة على مفاهيم من قبيل: “بارطاجي”، “تكبيس”، “دير لايك”، “طلع ليا فالإكسبلور”، “فضح”، “شوه”، وغيرها من المفردات التي لم تعد مجرد كلمات تقنية، بل أصبحت تعبر عن أنماط جديدة من الاعتراف الاجتماعي والبحث عن الوجود الرمزي داخل الفضاء الرقمي. فالفرد الرقمي اليوم لا يبحث فقط عن التواصل، بل عن الاعتراف والانتشار والتأثير، وهو ما جعل القيمة الاجتماعية للفرد تقاس أحيانا بعدد المتابعين والتفاعلات أكثر من ارتباطها بالفعل الواقعي داخل المجتمع.
وفي هذا المستوى يمكن استحضار التحليل السوسيولوجي لعالم الاجتماع المغربي المختار الهراس الذي أشار، في حديثه عن التحولات القيمية بالمغرب سنة 1989، إلى أنه “لم يبق أمام المغربي من سبيل سوى الرقص على حبلين: حبل المؤسسات التقليدية وحبل المؤسسات العصرية، على وعسى أن يجد ما ضاع منه هنا هناك”. وهي القولة التي تبدو اليوم أكثر راهنية داخل المجتمع الرقمي، لأن المواطن المغربي أصبح بدوره يرقص على حبلين جديدين: حبل العالم الواقعي وحبل العالم الافتراضي.
فالفرد المعاصر لم يعد يبحث فقط عن الاعتراف الاجتماعي والاقتصادي داخل الواقع المادي، بل صار يبحث كذلك عن فرصه الاقتصادية والرمزية داخل الفضاء الرقمي، أملا في تعويض ما فقده في الواقع. لذلك أصبح العالم الافتراضي بالنسبة للكثيرين فضاء بديلا لتحقيق الصعود الاجتماعي السريع، والبحث عن العمل، والشهرة، والربح الرقمي، أحيانا دون امتلاك شروط الإنتاج الفعلي أو الكفاءة المهنية، وهو ما يفسر الانتشار الواسع لثقافة “الربح السريع” و”النجاح الرقمي” داخل المجتمع المغربي.
ومن هنا يلتقي طرح سعيد بنيس مع التحليل السوسيولوجي للتحولات القيمية، إذ إن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى مجال لإعادة تشكيل الطموحات الفردية وأنماط العيش والتمثل الاجتماعي للنجاح. فالمواطن الرقمي أصبح يعتقد أن إمكانيات الترقي الاجتماعي قد تنتقل من فضاء العمل الواقعي إلى فضاء “الترند” والتأثير الرقمي، حيث أصبحت الشهرة والتفاعل والمتابعة تشكل رأسمالا رمزيا جديدا داخل المجتمع. كما يثير النص سؤالا بالغ الأهمية يتعلق بطبيعة هذا الانتقال من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية: هل هو انتقال واعٍ يتحمل فيه الفرد مسؤوليته، أم أنه انتقال لا واعٍ فرضته التحولات التكنولوجية وهيمنة المنصات الرقمية؟
يبدو أن الأمر يتجاوز الاختيار الفردي الحر، لأن الفرد المعاصر أصبح مندمجا داخل منظومة رقمية شاملة تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، من الاستهلاك إلى التواصل إلى التعبير السياسي. لذلك يمكن القول إن الإنسان الرقمي يعيش نوعا من “الاندماج القسري الناعم”، حيث يتحول تدريجيا إلى كائن متصل بالشبكات دون أن يشعر أحيانا بحجم الارتهان الذي أصبح يربطه بها. ومن هنا يبرز السؤال القيمي الأكثر عمقا: هل نحن أمام أزمة قيم أم أمام قيم الأزمة؟ بمعنى آخر، هل المجتمع المغربي فقد منظومته الأخلاقية التقليدية، أم أنه فقط يعيد إنتاج قيم جديدة تتناسب مع شروط العصر الرقمي؟ يبدو أن الأمر يتعلق بتحول في طبيعة القيم أكثر من كونه انهيارا كاملا لها، لأن كل مرحلة تاريخية تنتج قيمها الخاصة. غير أن خطورة المرحلة الرقمية تكمن في السرعة الهائلة التي يتم بها إنتاج القيم واستهلاكها وتداولها، مما يجعل الفرد يعيش حالة من السيولة القيمية وعدم الاستقرار الرمزي.
إن أطروحة سعيد بنيس تكتسي أهمية خاصة لأنها تحاول فهم المجتمع المغربي من داخل تحولات الحياة اليومية والرقمية، بعيدا عن المقاربات الكلاسيكية الجامدة. لذلك فـ”نْيُوتَمَغْرِبِيتْ” ليست مجرد توصيف للواقع الرقمي المغربي، بل هي محاولة لبناء مفهوم سوسيولوجي جديد يفسر كيف أصبح المغربي يعيش بين مواطنتين: مواطنة واقعية مرتبطة بالمجال المادي والمؤسسات، ومواطنة افتراضية مرتبطة بالشبكات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
