أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

يا ابن كيران، إن فتيات المغرب لا ينتظرن فقط “راجل فيه ما يدار”

أمينة ابن الشيخ

بقلم/ أمينة ابن الشيخ أوكدورت

خلال زيارته إلى مدينة تالسينت، استهل عبد الإله ابن كيران لقاءه بالفتيات اللواتي استقبلنه بالتمر والحليب بنصيحة قال فيها: “ما تعطلوش فالزواج، إيلا جاب الله شي راجل فيه ما يدار، توكلوا على الله.”

قد يعتبر البعض هذا الكلام عاديا أو من باب الدعابة، لكن حين يصدر عن رئيس حكومة سابق، وأمين عام حزب سياسي، ورجل اشتغل سنوات في مجال التربية والتعليم، فإنه يتحول إلى رسالة سياسية وتربوية تستحق النقاش.

كنت أتمنى أن يقول لتلك الفتيات: اجتهدن في دراستكن، وواصلن تكوينكن، واسعَين إلى النجاح، وإذا رزقكن الله الزوج الصالح الذي يقدر علمكن وطموحكن، فتوكلن على الله. عندها ستكون الرسالة متوازنة، لأنها تجمع بين بناء الأسرة وبناء الإنسان.

أما أن يكون أول ما يسمعه عدد من الفتيات هو الدعوة إلى عدم التأخر في الزواج، وكأن مستقبل المرأة يختزل في العثور على “رجل فيه ما يدار”، فهذا خطاب لا ينسجم مع التحولات التي يعرفها المغرب، ولا مع واقع المرأة المغربية اليوم.

أي رسالة نوجهها إلى آلاف التلميذات والطالبات اللواتي يتعبن من أجل التفوق؟ وأي صورة نقدمها لبلد أصبحت فيه الفتيات يتصدرن نتائج البكالوريا، ويتفوقن في الجامعات، وفي مدارس تكوين الأساتذة، وفي كليات الطب والهندسة، ويثبتن كل يوم أنهن شريكات أساسيات في بناء الوطن؟

لقد ازداد يقيني بذلك وأنا أحضر، أمس، حفل تخرج المدرسة العليا للتربية والتكوين بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. كان الحضور النسائي لافتا؛ في التفوق، وفي التنظيم، وفي تقديم فقرات الحفل. لكن أكثر مشهد أثر في نفسي كان لمتخرجة تحمل رضيعها بين ذراعيها، وفي يدها الأخرى شهادة التخرج، تبتسم بفخر وهي تحتفل بثمرة سنوات من الاجتهاد.

في تلك اللحظة أدركت أن هذه الصورة تختصر المغرب الذي نريده. امرأة لم تتخل عن أسرتها من أجل العلم، ولم تتخل عن العلم من أجل أسرتها. جمعت بين الأمومة والنجاح، وبين المسؤولية الأسرية والطموح العلمي. هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى فتيات المغرب، لا أن يقال لهن إن أول ما ينبغي التفكير فيه هو الزواج.

لسنا ضد الزواج، فالزواج قيمة إنسانية واجتماعية نبيلة عندما يقوم على الاختيار الحر، والاحترام، وتحمل المسؤولية. لكننا نرفض أن يتحول إلى الرسالة الوحيدة التي يوجهها السياسي للفتيات، وكأن المجتمع لا ينتظر منهن سوى أن يصبحن زوجات، بينما ينتظر من الشباب أن يدرسوا ويعملوا ويصنعوا المستقبل.

إن الخطاب السياسي ليس كلاما عابرا، بل هو صناعة للوعي. والسياسي الذي يخاطب الشباب مطالب بأن يرفع سقف أحلامهم، لا أن يختزلها. والفتيات المغربيات لا يحتجن اليوم إلى من يذكرهن فقط بالزواج، بل إلى من يشجعهن على مواصلة الدراسة، والبحث العلمي، والابتكار، والمشاركة في التنمية، ثم بناء أسر مستقرة عندما يخترن ذلك في الوقت الذي يناسبهن.

المؤسف أن هذا النوع من الخطاب يتكرر في خرجات ابن كيران، وكأنه لا يرى في المرأة إلا دورها داخل الأسرة، بينما أثبتت المرأة المغربية، في الإدارة والجامعة والقضاء والطب والهندسة والتعليم والمقاولة، أنها شريك كامل في صناعة حاضر المغرب ومستقبله.

إن المغرب الذي نطمح إليه لا يضع الفتاة أمام خيارين: إما النجاح أو الزواج. بل يؤمن بأنها قادرة على أن تتعلم، وتنجح، وتبني أسرة، وتساهم في تنمية وطنها في آن واحد. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها كل مسؤول سياسي، لأنها الرسالة التي تليق بمغرب اليوم، وتنسجم مع طموحات أجياله الصاعدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى