أخبار المغربثقافة وفن

“ⴰⵙⴳⴳⵯⴰⵙ ⴰⵙⵎⵜⵜⴰⵏ” أو عام الهلاك لكاتبها مزيان رحو… حين تتخيل الرواية الأمازيغية مستقبلها

ليست الرواية الاستشرافية مجرد كتابة عن المستقبل، كما أن المستقبل فيها ليس زمنا نذهب إليه هربا من الحاضر. إنها طريقة أخرى للنظر إلى الحاضر نفسه، من خلال دفع بعض احتمالاته إلى أقصى مداها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة رواية “ⴰⵙⴳⴳⵯⴰⵙ ⴰⵙⵎⵜⵜⴰⵏ” للكاتب والمترجم مزيان رحو، الصادرة سنة 2026، باعتبارها عملا استشرافيا يقوم على الخيال العلمي، لكنه لا يجعل العلم غاية في ذاته. فالمناخ، والتكنولوجيا، والتدخل في الطبيعة، والتنظيم السري الذي يتحكم في مجريات الأحداث، كلها عناصر تدخل في بناء سؤال أكبر يتعلق بمصير الإنسان عندما تتحول المعرفة إلى قوة، وحين تصبح القدرة على تغيير العالم أكبر من القدرة على تحمل نتائج هذا التغيير. ولعل «عام الهلاك» يصلح هنا عنوانا تأويليا، لأن الهلاك في الرواية لا يبدو مجرد نتيجة لكارثة مفاجئة، وإنما نتيجة لمسار تتداخل فيه المعرفة والطموح والسلطة والطبيعة.

وما يلفت الانتباه في الرواية، أن الكارثة لا تقدم باعتبارها ظاهرة طبيعية مستقلة عن الإنسان. فالمناخ يتحول إلى مجال للتدخل، ومن ثم إلى مجال للصراع. وهنا تتغير دلالة الخطر، لأن الإنسان لا يواجه طبيعة مجهولة فقط، وإنما يواجه نتائج قدرته على التحكم فيها. والعلم، في هذه الحالة، يحمل مفارقته الخاصة، فهو قادر على إنتاج المعرفة والحلول، لكنه قادر أيضا على أن يتحول إلى أداة للهيمنة عندما ينفصل عن المسؤولية. ومن هنا، لا تعود الرواية منشغلة بالسؤال البيئي وحده، بل تنتقل إلى سؤال السلطة، من يملك القدرة على التحكم في شروط الحياة؟ ومن يملك الحق في استعمالها؟ ومن يتحمل نتائجها عندما تخرج عن السيطرة؟ لذلك تبدو الديستوبيا في النص الروائي مختلفة عن صورتها التقليدية. إنها لا تقوم فقط على مجتمع تحكمه سلطة ظاهرة، بل على احتمال أن يصبح التحكم في الطبيعة نفسها شكلا من أشكال التحكم في الإنسان.

وهذا ما يجعل شخصيات الرواية جزءا من الفكرة وليس مجرد أدوات لتحريك الأحداث. فوجود ميمون، وانتقال الأحداث بين فضاءات مختلفة، وحضور التنظيم الذي يقف خلف الأزمة، كلها تجعل القارئ ينتقل من سؤال ماذا سيحدث؟ إلى سؤال كيف وصل العالم إلى هذه النقطة؟ فالمستقبل الذي تقترحه الرواية ليس مستقبلا منفصلا عن حاضرنا، وإنما هو حاضر جرى دفع بعض اتجاهاته إلى أقصى نتائجها. الأزمة المناخية موجودة، والتكنولوجيا تتقدم، والعلم يوسع حدود الممكن، والصراع حول المصالح والقوة قائم. إذن الرواية تجمع هذه العناصر داخل احتمال تخييلي واحد، ولذلك لا تحتاج إلى أن تقنعنا بأن ما تصفه سيحدث فعلا، بل يكفي أن تجعلنا نتساءل عما يمكن أن يحدث إذا استمرت بعض اختياراتنا الحالية بالطريقة نفسها؟

ومن هنا تكتسب الرواية دلالتها داخل الأدب الأمازيغي، فقد ارتبط جانب مهم من المتخيل الأمازيغي باستعادة الماضي، وبالأسطورة، وبالذاكرة الجماعية، وبالعالم الرمزي الذي انتقل عبر الحكاية من جيل إلى آخر. وهذا الموروث ظل مادة غنية للكتابة، لأنه يمنح الأدب شخصياته ورموزه، وصوره، وطرائق تخيله للعالم. أما الرواية التي بين أيدينا فإنها تتجه في الاتجاه المعاكس. إذ لا تستعيد زمنا سابقا، بل تتخيل زمنا لم يأت بعد، ولا تجعل الأسطورة نقطة انطلاق لبناء عالم روائي، وإنما تجعل العلم، والمناخ، والتكنولوجيا، والمستقبل مواد لهذا البناء. ومن هذه الناحية، لا تكمن أهمية الرواية فقط في كونها مكتوبة بالأمازيغية، وإنما في أنها تفتح أمام الرواية الأمازيغية مجالا زمنيا جديدا، هو المستقبل.

والانتقال من الأسطورة إلى الاستشراف ليس انتقالا من الأدب إلى شيء آخر، بل هو توسيع لما يستطيع الأدب أن يتخيله. فإذا كانت الأسطورة تحفظ صورة قديمة للعالم، فإن الرواية الاستشرافية تختبر صورة محتملة لعالم قادم. وإذا كانت الذاكرة تسأل عما كان، فإن الاستشراف يسأل عما يمكن أن يكون. لذلك، فإن حضور الخيال العلمي في الرواية الأمازيغية يكتسب أهمية خاصة، خصوصا أن هذا الجنس ظل محدود الحضور مقارنة بأشكال الكتابة التي اشتغلت على الذاكرة، والموروث، والماضي. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل الأمر إلى قطيعة بين القديم والجديد. إذ أن الرواية لا تلغي الذاكرة، وإنما تضيف إليها زمنا آخر. إنها تجعل الأمازيغية قادرة، داخل الرواية، على الحديث عن عالم لم يوجد بعد، وعلى تسمية مخاوف مستقبلية، وعلى بناء تخييل لا يستمد مادته من الماضي وحده.

وهنا تظهر مسألة اللغة نفسها، فالخيال العلمي والاستشراف يضعان اللغة أمام اختبار مختلف، لأن الكاتب لا يصف عالما مألوفا فقط، وإنما يبني عالما جديدا يحتاج إلى مفاهيم وعلاقات وصور جديدة. ولذلك فإن الكتابة الأمازيغية في هذا النوع من السرد لا تؤدي وظيفة نقل الحكاية فقط، بل تشارك في صناعة العالم المتخيل. وهذه النقطة مهمة لأن تطور الأدب لا يقاس فقط بعدد الأعمال التي تنتج، وإنما أيضا باتساع العوالم التي تستطيع اللغة احتضانها. وفي هذه الرواية لا تبدو الأمازيغية محصورة في زمن الأسطورة أو الذاكرة، بل تصبح لغة قادرة على تخيل أزمة مناخية، وعلى بناء صراع حول العلم والسلطة، وعلى مساءلة مستقبل الإنسان. وهنا تكمن إحدى قيم التجربة، لأنها تجعل المستقبل نفسه موضوعا ممكنا داخل الكتابة الأمازيغية.

لهذا لا أقرأ رواية “ⴰⵙⴳⴳⵯⴰⵙ ⴰⵙⵎⵜⵜⴰⵏ” أو «عام الهلاك» باعتبارها مجرد محاولة لكتابة رواية خيال علمي بالأمازيغية، وإنما باعتبارها إشارة إلى اتساع أفق الرواية الأمازيغية في علاقتها بالزمن. إذ انتقلت الرواية من سؤال ما الذي بقي من الماضي؟ إلى سؤال ما الذي يمكن أن ينتظر الإنسان في المستقبل؟ وبهذا المعنى يصبح عنوان “ⴰⵙⴳⴳⵯⴰⵙ ⴰⵙⵎⵜⵜⴰⵏ” أو “عام الهلاك” أكثر من عنوان تأويلي، بقدر ما هو صورة لمستقبل تنكشف فيه نتائج علاقة مضطربة بين الإنسان والعلم والطبيعة والسلطة. لكن الرواية لا تجعل المستقبل قدرا محتوما، وإنما تضعه في صيغة احتمال. وهذا هو جوهر الكتابة الاستشرافية، ألا تتنبأ بما سيحدث، بل أن تجعلنا نرى ما قد يحدث إذا لم ننتبه إلى ما يحدث الآن. ومن هنا، ربما، تكمن قوة الرواية الحقيقية، أي إنها لا تطلب منا أن نخاف من المستقبل، بقدر ما تدفعنا إلى إعادة النظر في الحاضر الذي نصنع منه ذلك المستقبل.

محمد فارسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى