ما سبب هذه الهجمة الشرسة على رجال التعليم؟

مصطفى ملو

زادت في الآونة الأخيرة حدة وخطورة الهجوم على رجال التعليم, إذ لم يعد هذا الهجوم مقتصرا على ما يتعرض له رسل الأمة من تعنيف سواء من بعض التلاميذ وآبائهم أثناء ممارسة واجبهم, بل وصل الأمر إلى أعلى مستويات صنع القرار متمثلة في رجل التعليم السابق ورئيس الحكومة الحالي السيد عبد الإله بنكيران,الأمر الذي يدعو إلى ضرورة البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه الاستفزازات والتحرشات الدائرة بفئة عريضة قال فيها الشاعر ذات يوم:

قم للمعلم وفه التبجيلا///كاد المعلم أن يكون رسولا.

من المعلوم أن الهجوم الذي يتعرض له رجال التعليم في بلدنا ليس وليد اليوم, بل يرجع إلى عقود خلت, ولعل من أهم أسبابه في نظرنا,أن هذه الفئة كانت دائما هي الفئة المزعجة والمقلقة للنظام, إذ نجد أن أغلب “النقابيين الراديكاليين, المشاغبين” والمعارضين المتمردين المنادين بالتغيير, كانوا دائما من رجال التعليم, فكان من الطبيعي جدا أن يلجأ النظام إلى سياسة “العصا والجزرة” في التعامل مع هذه الفئة ونهج أسلوب الترغيب والترهيب معها, باستمالة واحتواء بعضهم عن طريق منحهم امتيازات عدة والزج ب “القاسحة رؤوسهم” في غيابات السجون.

وبما أن الإعلام هو صاحب الدور الأكبر,إما في خلق نجوم من ورق أو في المقابل تشويه صورة أناس شرفاء, فقد عمل النظام المغربي على استغلال هذه الورقة (أي ورقة الإعلام) خاصة مع ظهور ما يسمى بالإعلام الإلكتروني الذي لا يضبطه ضابط, للنيل ممن يعتبرهم الشر الذي لابد منه ألا وهم رجال التعليم, فعمل على توظيف واستثمار بعض أشباه الصحافيين الذين لا ضمير ولا وازع لهم, همهم هو مراقبة واقتناص “زلات” و”كبائر” رجال الطباشير, وتصويرهم للرأي العام وكأنهم شياطين يأكلون ويشربون بلا مجهود يذكر, فأصبحت نتيجة لذلك لا تستغرب أن تجد يوميا أخبارا تملأ صفحات بعض الجرائد الصفراء والمواقع الإلكترونية المأجورة كلها عن “جرائم” و”فضائح” الاغتصاب التي “يقدمون عليها في حق تلامذتهم”, إلى درجة لم يعد من العجيب أن يخرج رئيس الحكومة الموقر ليتهمهم ضمنيا بالشذوذ الجنسي ويأمرهم بعدم تقبيل تلامذتهم درءا للسقوط في “حبهم”.

وإذا كان النظام ومن خلال الإعلام يتحمل القسط الأكبر من هذه الهجمة المتواصلة ضد رجال التعليم, فإن هؤلاء أنفسهم يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية فيما يقع عليهم من هجوم وتحرش, نظرا لغياب تلك الوحدة واللحمة التي كانت تجمعهم وطغيان الانتهازية والأنانية, بعدما كان رجال التعليم مثالا في الوحدة والتضامن, يضاف إلى ذلك تواطؤ وتقاعس النقابات في الدفاع عن هذه الشغيلة, وخير دليل على ذلك, الاقتطاعات التعسفية من أجور المضربين وتوقيف القوت اليومي للمئات منهم دون أن تحرك هذه النقابات ساكنا, فلو حدث مثل الذي يحدث عندنا في دولة كفرنسا “لقامت القيامة” ولأعلنت النقابات عصيانا مدنيا يشل الحركة في كل القطاعات حتى تعود الأمور إلى نصابها.

ومن أمثلة الهجوم على رجال التعليم, أنهم إذا أضربوا للمطالبة بحقوقهم, رأيت بعضهم (وخاصة من أشباه الصحافيين الذين يكتبون تحت الطلب), لا يتأخرون في وصفهم بالانتهازيين الذين لا تهمهم سوى مصالحهم, ووجدت آخرين يتزايدون عليهم ب “مصلحة التلميذ”, وكأن هذا الأستاذ المغلوب على أمره والغارق في الديون,ليس له ابن تلميذ أو أخ تلميذ أو ابن أخ تلميذ!!

إن رجال التعليم ليسوا شعب الله المختار ولا ملائكة الرحمان, ففيهم الصالح والطالح, الجواد الكريم والبخيل الشحيح, المجتهد المجد والكسول المتقاعس, الغيور على أبناء الشعب والانتهازي الذي لا يهمه سوى “آخر الشهر”, الحي الضمير والميت ضميره, فيهم المكبوت جنسيا الذي نشأ تنشئة شاذة وفيهم الحسن الخلق الذي ينأى بنفسه عن كل ما من شأنه أن يجلب له الشبهات.

إن الأستاذ باختصار إنسان كباقي الناس ومهنة كباقي المهن, فالفقهاء أيضا فيهم من يغتصب الأطفال دون أن يعني ذلك أن جميع الفقهاء شياطين ومجرمين, وقساوسة الفاتيكان تنشر بشكل شبه يومي فضائحهم الجنسية دون أن يعني ذلك أن هؤلاء في سلة واحدة والكثير من الأطباء ضبطوا وهم يخدرون مرضاهم لممارسة شذوذهم الجنسي عليهم دون أن يعني ذلك أنهم جميعا شواذ والقضاة منهم من يبتز الناس لتلبية رغباته الجنسية دون أن يعني ذلك أن القضاة كلهم عقولهم في “قضبانهم” والوزراء وكبار رؤساء الدول (هولاند, ساركوزي, برلسكوني …) ورجال الدرك والشرطة والتجار … وبالتالي فلا يمكن أخذ حالات معزولة ونادرة جدا وإسقاطها على فئة عريضة بأكملها, إلا إذا كان ذلك لغايات أخرى.

هام جدا:

اكتفيت باستعمال رجال التعليم دون نساء التعليم لأنهن لا يتعرضن لمثل هذه الهجمات, وحتى إن حصل, فهو أمر نادر.

شاهد أيضاً

لماذا يصر الحزب الحاكم “العدالة والتنمية” على عرقلة الأمازيغية والاستخفاف بالدستور؟*

كما هو معروف، مرت 20 سنة على إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حيت كان الإشكال ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *